لم يتوقع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك يوماً من الأيام أنه سيكون خلف القضبان بعد تقلده السلطة والنفوذ في مصر، فمبارك يمر بحالة نفسية سيئة بسبب محاكمته وجرجرته أمام النيابة بين حين وآخر وإصدار أمر بحبس نجليه علاء وجمال مبارك.
هذا وقد بدا التوتر والضيق على الرئيس السابق وزوجته سوزان منذ سماع نبأ قرار النائب العام القاضي بنقله الى مستشفى سجن طرة، وهو المكان الذي كان حزبه يعتقل العشرات من المعارضين فيه، والآن يمر حسني مبارك بانتكاسة صحية لم يمر فيها طوال حياته العملية والرئاسية وأن حياته في خطر، ما يعني أن أي انتكاسة مضاعفة يمكنها أن تودي بحياته لأنه يعاني من «ارتجاف أذيني» ناتج من عدم انتظام ضربات القلب وكهرباء القلب وهذا يعتبر من أخطر الظروف الصحية للإنسان، لذا نجد أن قرار النائب العام القاضي بنقل الرئيس المخلوع مبارك بين السجن والمستشفى بسبب حالته الصحية قد أدت الى تباين ردود أفعال الشارع المصري، فهناك من عبروا عن سعادتهم بنقله الى مستشفى السجن، في حين هناك آخرون من عبروا عن مشاعر الحزن لرحيله كونه خدم وطنه أعواماً عدة بإخلاص وبالتالي لا يستحق ما يجري له من انتكاسات صحية سيئة للغاية، لا سيما أنه كان يعاني من ورم البنكرياس وآلام في الظهر في السابق وتم علاجه في أرقى المستشفيات الألمانية، بيد أن هناك عدداً كبيراً من مؤيدي الرئيس المخلوع يطالبون بعدم محاكمته أو اعتقاله بعدما ذكر تلفزيونياً بأنه لا توجد أرصدة مالية لديه في البنوك غير راتبه الشهري وأن ما قيل عنه من اتهامات لا ترتبط بالواقع، وهؤلاء يثنون على موقف الكويت والإمارات والسعودية الايجابي حول قضية الرئيس المتنحي مبارك.
أما من جانب آخر، فقد وجه القضاء والحكومة المصرية ضربة قاضية للنظام السابق أي رأس «الحزب الوطني» حينما قضت برفع اسم الرئيس السابق حسني مبارك واسم زوجته سوزان وصورهما من جميع الميادين والشوارع والمدارس والمكتبات والجمعيات، وجميع منشآت الدولة ويرجع ذلك الى تراكمات سابقة ناتجة من تاريخ «الحزب الوطني» السيئ، وما أكد ذلك التقرير الختامي الرسمي للجنة تقصي الحقائق والذي فصّل وقائع الأحداث الماضية للحزب الحاكم ووقائع الثورة المصرية الأخيرة، محملاً المسؤولية الكاملة لرأس النظام السابق في انفجار الأوضاع السياسية وغيرها، وأن مشروع توريث رئاسة البلاد من مبارك الأب الى نجله الأصغر جمال يعد من أهم الاسباب التي أشعلت الثورة الماضية، ثم بيّن التقرير الى انه رغم من ان جميع الظروف كانت تنبئ بتمرير سيناريو التوريث إلا أن الرأي العام للعالم كان لا يعارض الفكرة، والمشروع الذي كان يتبناه «الحزب الوطني» كان مرفوضاً من الشعب وخصوصاً من النخبة المثقفة والناشطين السياسيين، ناهيك عن عدم رضا المؤسسة العسكرية على الأوضاع السياسية السائدة بسبب ضخامة حالات الفساد التي استشرت بالبلاد!
هذا وقد لوحظ إخلاء التقرير من الأسماء الكبيرة المتهمة والتي حرضت على عمليات الفوضى والقتل للمتظاهرين في ثورة 25 يناير الماضي الواقعة في ميدان التحرير على اعتبار ان اللجنة المشكلة لتقصي الحقائق مهمتها مقصورة في دراسة الأسباب التي ادت الى اشعال الثورة وتفصيل الوقائع بدقة، وليست هي سلطة اتهام، وأن قائمة أسماء الشخصيات الكبيرة في الحزب المخلوع قد سلمت الى النائب العام ليباشر التحقيق فيها لاحقاً، كما أشار التقرير الرسمي الى الفكر الجديد لجيل الشباب الذي بدأ ينمو في الوقت الذي بدا فيه النظام السابق يفقد كيانه تدريجياً رغم أن الحكومة السابقة كانت من رجال أعمال وسياسيين كبار جمعت بين المال والسلطة ولكنها كانت بعيدة عن أوضاع الشارع المصري الملتهبة... أما في ما يتعلق بتوصيات التقرير فقد أنحى باللائمة على الدستور المصري العقيم والذي لم يتغير منذ عام 71، فأعطى صلاحيات واسعة للرئيس الحاكم أدت الى خلق ديكتاتور محصن من أي عقاب أو مسؤولية وهذا ادى الى تفاقم الأوضاع المزرية بالبلاد... ونلاحظ هنا أن من ضمن توصيات التقرير دعوة المشرّع العمل على تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية عند وضع دستور البلاد الجديد، وأشار التقرير الى قضية التزوير الفاضح التي طالت انتخابات مجلس الشعب في نهاية العام الماضي، فمن العجب أن يحصل الحزب الحاكم على قرابة 97 في المئة من المقاعد النيابية... ربما تحتاج إلى معجزة! لقد شدد تقرير تقصي الحقائق على أن الفساد المالي والاداري والسياسي والتضليل الإعلامي هو المتسبب في الترويج لديموقراطية النظام الحاكم بينما الواقع كان خلاف ذلك... إنني من خلال هذا التقرير لا أريد سرد التفاصيل بدقة ولكن ما لفت نظري هو الكمية الهائلة للوفيات أثناء الأحداث الأخيرة والتي بلغت 864 قتيلاً على الأقل وهذا حسب ما ثبت من واقع التقارير الطبية الرسمية وغيرها، فضلاً عن حالات الاصابات التي تخطت 6500 حالة حتى 16 فبراير الماضي، بينما قتل 26 ضابطاً ومجنداً من الشرطة... في النهاية لن يغفر الشعب المصري لنظام حسني مبارك حتى وان انتكست حالته الصحية، فالذنوب الكبيرة التي ارتكبها أزلامه ليست صغيرة أو بسيطة، والسؤال هنا: ماذا إذا تبين نتيجة التحقيق للرئيس المخلوع حسني مبارك بأنه لا يمتلك أي أرصدة ضخمة بالبنوك المصرية والعالمية، ترى هل سيسامحه الشعب المصري في ظل تقرير لجنة تقصي الحقائق الختامي؟! لكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com