لو كان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قادراً على الإصلاح، لفعل ذلك بعد توليه الرئاسة في العام 1999. لم يكن في حاجة إلى الانتظار اثني عشر عاماً ليلقي خطاباً يتحدث فيه عن تطوير المؤسسات والانتقال إلى الديموقراطية والشفافية وإلى العالم الحديث. كان أمامه اثنا عشر عاماً لينقل الجزائر إلى مرحلة أخرى عن طريق الاستثمار في الإنسان ومشاريع البنية التحتية. كان في استطاعته بكل بساطة مصالحة النظام مع الجزائريين واقناعهم بأن الإصلاح ممكن وأن في الإمكان بناء دولة حديثة قادرة على الانتماء إلى القرن الواحد والعشرين.
المؤسف أنه لم يحصل شيء من هذا القبيل. بقي بوتفليقة أسير شخصية هواري بومدين غير مدرك أن العالم تغيّر وأن عدد سكان الجزائر تضاعف مرتين منذ رحيل بومدين الذي كان قادراً على تغطية الأخطاء الضخمة التي ارتكبها بواسطة عائدات النفط والغاز... والقمع.
كان صوت بوتفليقة وهو يلقي خطابه الأخير قبل بضعة أيام صوت رجل مريض لا يعرف ماذا يريد باستثناء أنه استفاق على الإصلاح في ضوء العاصفة التي ضربت تونس ثم مصر ثم ليبيا واليمن وباتت الآن تهدد النظام السوري الذي سيتبين عاجلاً أم آجلاً أنه غير قابل للإصلاح. كشف خطاب الرئيس الجزائري كم أن النظام في بلده مريض وكم هو في حاجة إلى إصلاح. في النهاية إن الإصلاح لا يعني شيئاً إذا لم يأت في وقته أوّلاً وإذا لم يكن من يريد الإصلاح يعرف ما الذي يريده ثانياً وأخيراً. لا وجود لشيء اسمه الإصلاح من أجل الإصلاح ولا وجود لوصفة سحرية تؤدي إلى الإصلاح في غياب الرغبة في إقامة نظام ديموقراطي يقوم على مؤسسات مدنية.
يفترض في من يريد الإصلاح فعلاً أن يباشر تحركه قبل اشتداد الأزمة الداخلية. ويفترض به قبل أي شيء أن يتخلى عن وهم الدور الإقليمي الذي ليس في واقع الحال سوى هروب من المشاكل الداخلية وهي مشاكل حقيقية في الجزائر. الأهم من ذلك كله، يفترض في من يريد الإصلاح فعلاً التعلم من تجارب الماضي القريب كي لا يعيد التاريخ نفسه. بكلام أوضح، لم يتعلّم بوتفليقة شيئاً لا من تجربة هواري بومدين ولا من تجربة الشاذلي بن جديد الذي خلف بومدين بعد وفاته في السابع والعشرين من ديسمبر 1978. في الواقع، دمّر بومدين الجزائر وأقام نظاماً مبنياً على عائدات النفط والغاز من جهة والأجهزة الأمنية من جهة أخرى. فشلت ثورته الصناعية وفشلت ثورته الزراعية وفشل النظام التعليمي القائم على التعريب الذي حاول فرضه فساهم إلى حد كبير في نشوء أجيال من المتطرفين الذين لا يعرفون شيئاً عن الدين وحقيقته ورسالة التسامح. نسي الجزائريون في أغلبيتهم الفرنسية ولم يتعلّموا العربية. تحول قسم من المجتمع إلى أشباه أميين. ورث الشاذلي بن جديد نظاماً مهترئاً تديره مجموعة من العسكر متحالفة مع بعض رجال الأعمال. كان قادراً على تغطية الفشل بفضل عائدات النفط والغاز وكان طبيعياً أن ينهار هذا النظام في العام 1988 بمجرد هبوط العائدات.
لا يمكن إلا الاعتراف بأن بوتفليقة نجح، إلى حدّ ما طبعاً، في استعادة السلم الأهلي. لا شك ان ما ساعده في ذلك كان عودة أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع. حالفه الحظ. لكنّ الحظ لا يخدم إلى ما لا نهاية، خصوصاً عندما لا يحسن المرء استخدامه. الحظ وحده لا يبني دولاً ولا مؤسسات. كانت الأعوام الـ 12 الماضية كافية للتخلص من عقدة بومدين ومن شوائب عهد الشاذلي بن جديد. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل. فضّل بوتفليقة تقمص شخصية بومدين في ظروف مختلفة وعالم مختلف. لم يفهم خصوصاً أن لا عيب من الاستفادة من تجربة المغرب حيث بدأت الاصلاحات باكراً منذ خلافة الملك محمد السادس لوالده الحسن الثاني، رحمه الله، في العام 1999. أضاف إلى عقدة بومدين وهم الدور الإقليمي. اعتقد بكل بساطة أن المنافسة مع المغرب ومتابعة الحرب غير المباشرة عليه، عن طريق اداة جزائرية اسمها جبهة «بوليساريو»، ستجعلان نجمه يلمع وستدخلانه التاريخ من بوابته العريضة. لم يلبث بوتفليقة أن عاد إلى المربع الأول. اكتشف بعد اثني عشر عاماً في السلطة ضرورة التصالح بين النظام وبين الشعب. لكنه اكتشف عملياً أنه يواجه طريقاً مسدوداً.
في المغرب، توج محمد السادس الاصلاحات التي بدأها باكراً بالخطاب الذي ألقاه في مارس الماضي. فتح الخطاب نقاشاً وطنياً في العمق في شأن دستور جديد قد يحد من صلاحيات الملك ويعزز صلاحيات رئيس الوزراء، أو الوزير الأوّل، وهي التسمية المعتمدة في دول شمال افريقيا، باستثناء «الجماهيرية» طبعاً، حيث لا مؤسسات ولا من يديرونها.
في الجزائر، لم يؤد خطاب بوتفليقة إلى أي نقاش من أي نوع كان باستثناء قول أحد الخبثاء أن الرئيس الجزائري دخل في نقاش مع عبد العزيز بوتفليقة. إنه نقاش عقيم يدفع إلى القول أن ما يواجه الجزائر شبيه إلى حد كبير ما يواجه سورية. إنها أزمة نظام لا أكثر ولا أقلّ. هناك بكل بساطة نظام غير قابل للإصلاح. كل الارتفاعات في أسعار النفط لا تحلّ مشكلته بدليل أن الاحتقان يزداد يومياً في الجزائر. المسألة مسألة وقت فقط قبل أن ينزل الجزائريون إلى الشارع ليسألوا لماذا لم يستطع بوتفليقة حل أي مشكلة رغم كل المليارات التي توافرت له. لماذا لا طموح لأي شاب جزائري، باستثناء قلة قليلة من المحظيين من أبناء الضباط وكبار المسؤولين، سوى الهجرة إلى أرض المستعمر الفرنسي!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن
المؤسف أنه لم يحصل شيء من هذا القبيل. بقي بوتفليقة أسير شخصية هواري بومدين غير مدرك أن العالم تغيّر وأن عدد سكان الجزائر تضاعف مرتين منذ رحيل بومدين الذي كان قادراً على تغطية الأخطاء الضخمة التي ارتكبها بواسطة عائدات النفط والغاز... والقمع.
كان صوت بوتفليقة وهو يلقي خطابه الأخير قبل بضعة أيام صوت رجل مريض لا يعرف ماذا يريد باستثناء أنه استفاق على الإصلاح في ضوء العاصفة التي ضربت تونس ثم مصر ثم ليبيا واليمن وباتت الآن تهدد النظام السوري الذي سيتبين عاجلاً أم آجلاً أنه غير قابل للإصلاح. كشف خطاب الرئيس الجزائري كم أن النظام في بلده مريض وكم هو في حاجة إلى إصلاح. في النهاية إن الإصلاح لا يعني شيئاً إذا لم يأت في وقته أوّلاً وإذا لم يكن من يريد الإصلاح يعرف ما الذي يريده ثانياً وأخيراً. لا وجود لشيء اسمه الإصلاح من أجل الإصلاح ولا وجود لوصفة سحرية تؤدي إلى الإصلاح في غياب الرغبة في إقامة نظام ديموقراطي يقوم على مؤسسات مدنية.
يفترض في من يريد الإصلاح فعلاً أن يباشر تحركه قبل اشتداد الأزمة الداخلية. ويفترض به قبل أي شيء أن يتخلى عن وهم الدور الإقليمي الذي ليس في واقع الحال سوى هروب من المشاكل الداخلية وهي مشاكل حقيقية في الجزائر. الأهم من ذلك كله، يفترض في من يريد الإصلاح فعلاً التعلم من تجارب الماضي القريب كي لا يعيد التاريخ نفسه. بكلام أوضح، لم يتعلّم بوتفليقة شيئاً لا من تجربة هواري بومدين ولا من تجربة الشاذلي بن جديد الذي خلف بومدين بعد وفاته في السابع والعشرين من ديسمبر 1978. في الواقع، دمّر بومدين الجزائر وأقام نظاماً مبنياً على عائدات النفط والغاز من جهة والأجهزة الأمنية من جهة أخرى. فشلت ثورته الصناعية وفشلت ثورته الزراعية وفشل النظام التعليمي القائم على التعريب الذي حاول فرضه فساهم إلى حد كبير في نشوء أجيال من المتطرفين الذين لا يعرفون شيئاً عن الدين وحقيقته ورسالة التسامح. نسي الجزائريون في أغلبيتهم الفرنسية ولم يتعلّموا العربية. تحول قسم من المجتمع إلى أشباه أميين. ورث الشاذلي بن جديد نظاماً مهترئاً تديره مجموعة من العسكر متحالفة مع بعض رجال الأعمال. كان قادراً على تغطية الفشل بفضل عائدات النفط والغاز وكان طبيعياً أن ينهار هذا النظام في العام 1988 بمجرد هبوط العائدات.
لا يمكن إلا الاعتراف بأن بوتفليقة نجح، إلى حدّ ما طبعاً، في استعادة السلم الأهلي. لا شك ان ما ساعده في ذلك كان عودة أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع. حالفه الحظ. لكنّ الحظ لا يخدم إلى ما لا نهاية، خصوصاً عندما لا يحسن المرء استخدامه. الحظ وحده لا يبني دولاً ولا مؤسسات. كانت الأعوام الـ 12 الماضية كافية للتخلص من عقدة بومدين ومن شوائب عهد الشاذلي بن جديد. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل. فضّل بوتفليقة تقمص شخصية بومدين في ظروف مختلفة وعالم مختلف. لم يفهم خصوصاً أن لا عيب من الاستفادة من تجربة المغرب حيث بدأت الاصلاحات باكراً منذ خلافة الملك محمد السادس لوالده الحسن الثاني، رحمه الله، في العام 1999. أضاف إلى عقدة بومدين وهم الدور الإقليمي. اعتقد بكل بساطة أن المنافسة مع المغرب ومتابعة الحرب غير المباشرة عليه، عن طريق اداة جزائرية اسمها جبهة «بوليساريو»، ستجعلان نجمه يلمع وستدخلانه التاريخ من بوابته العريضة. لم يلبث بوتفليقة أن عاد إلى المربع الأول. اكتشف بعد اثني عشر عاماً في السلطة ضرورة التصالح بين النظام وبين الشعب. لكنه اكتشف عملياً أنه يواجه طريقاً مسدوداً.
في المغرب، توج محمد السادس الاصلاحات التي بدأها باكراً بالخطاب الذي ألقاه في مارس الماضي. فتح الخطاب نقاشاً وطنياً في العمق في شأن دستور جديد قد يحد من صلاحيات الملك ويعزز صلاحيات رئيس الوزراء، أو الوزير الأوّل، وهي التسمية المعتمدة في دول شمال افريقيا، باستثناء «الجماهيرية» طبعاً، حيث لا مؤسسات ولا من يديرونها.
في الجزائر، لم يؤد خطاب بوتفليقة إلى أي نقاش من أي نوع كان باستثناء قول أحد الخبثاء أن الرئيس الجزائري دخل في نقاش مع عبد العزيز بوتفليقة. إنه نقاش عقيم يدفع إلى القول أن ما يواجه الجزائر شبيه إلى حد كبير ما يواجه سورية. إنها أزمة نظام لا أكثر ولا أقلّ. هناك بكل بساطة نظام غير قابل للإصلاح. كل الارتفاعات في أسعار النفط لا تحلّ مشكلته بدليل أن الاحتقان يزداد يومياً في الجزائر. المسألة مسألة وقت فقط قبل أن ينزل الجزائريون إلى الشارع ليسألوا لماذا لم يستطع بوتفليقة حل أي مشكلة رغم كل المليارات التي توافرت له. لماذا لا طموح لأي شاب جزائري، باستثناء قلة قليلة من المحظيين من أبناء الضباط وكبار المسؤولين، سوى الهجرة إلى أرض المستعمر الفرنسي!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن