ما شهدته غزة أخيراً هو إحدى نتائج فوضى السلاح التي لم يفهم المسيطرون على القطاع في الأعوام الأخيرة أنها لا تأتي سوى بالويلات على الشعب الفلسطيني. هل من جريمة أكبر من جريمة قتل صحافي إيطالي موجود في غزة لأنه يريد التضامن مع أهلها ورفع الحصار الظالم عنهم؟ من يزرع فوضى السلاح، لا بدّ من أن يحصد مثل هذه الأعمال المتوحشة التي لا تخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي. إذا وضعنا جريمة اغتيال الصحافي الإيطالي جانباً، نجد أن ليس هناك بين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، من عرب وغير عرب، يتحكمون بمصير أهل غزة من يريد أن يفكر في النتائج التي يمكن أن تترتب على عدوان جديد يتعرّض له القطاع؟
عندما يغيب الحد الأدنى من الوعي عن حكام غزة ومن يقف وراءهم في طهران التي تستغل علاقتها بتنظيم «الإخوان المسلمين» إلى أبعد حدود، لا يعود مستغرباً أن تمارس إسرائيل، مرة أخرى قد لا تكون الأخيرة، إرهاب الدولة في القطاع. فغزة صارت بكل أسف حقل تجارب للجيش الإسرائيلي يستخدم فيه أحدث ما لديه من أسلحة على أهداف حية. المستغرب أنه وجد في غزة من يدعو حكومة بنيامين نتانياهو إلى اعتماد السياسة الوحيدة التي تتقنها وهي سياسة استخدام القوة التي تصب في خدمة التملّص من أي تسوية من أي نوع كان بحجة أن الفلسطينيين ليسوا شريكاً يمكن التفاوض معه وأنهم لا يستحقون دولة مستقلة.
لعلّ ما هو أغرب من هذا كله أن ليس بين الفلسطينيين المتحكمين بغزة، ومسؤولي حركة «حماس» تحديداً، من يريد أن يستفيد من دروس الماضي القريب. على رأس هذه الدروس أن فوضى السلاح لا يمكن أن تعود على الشعب الفلسطيني سوى بالكوارث من نوع قتل الصحافي الإيطالي الذي رفع شعار «فلسطين حرّة». هل رفع شعار «فلسطين حرة» ذنب كاف كي يخطف الصحافي الإيطالي ويعدم باسم الدين الحنيف؟
الواضح أن همّ «حماس» محصور بالاحتفاظ بالسلطة ولا شيء آخر غير السلطة. لو لم يكن الأمر كذلك، لكانت الحركة اعترفت بان مشروعها الأصلي والأساسي المتمثل في تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر لا فارق، فشل فشلاً ذريعاً وأن كل ما تستطيع عمله هو التخلي عن فوضى السلاح والانضمام إلى السلطة الوطنية الفلسطينية والتزام سقف اسمه البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير». لا وجود لسقف سياسي آخر يعمل الفلسطينيون تحته بغض النظر عن الأخطاء التي يرتكبها رئيس السلطة السيد محمود عبّاس (ابو مازن) بين الحين والآخر، خصوصاً عندما يتفادى اتخاذ موقف حاسم يضع حداً لأي نوع من التجاذبات داخل «فتح» نفسها مظهراً نفسه طرفاً في هذه التجاذبات، التي لا معنى ولا قيمة لها، بدل أن يكون «ابو مازن» رمزاً لوحدة الحركة.
في النهاية، هناك تجربة ناجحة في الضفة الغربية، على الرغم من الممارسات التي يلجأ إليها الاحتلال الإسرائيلي. سبب نجاح التجربة التي جعلت الضفة الغربية أرضاً غير طاردة لأهلها وقادرة على مواجهة الاحتلال بفعالية هو الانتهاء من فوضى السلاح من جهة وعدم الرهان على الأوهام من جهة أخرى. لا يختلف اثنان على أن المواطن الفلسطيني المقيم في الضفة يعيش بشكل عام في ظروف آمنة. توفر له الأجهزة المختصة الأمن لأنّ لا هم لهذه الأجهزة سوى حماية المواطن الفلسطيني بدل تعريضه للإرهاب الإسرائيلي كما يحصل في غزة.
ما يدركه معظم فلسطينيي الضفة هذه الأيام، أن لا وجود لأي نوع من الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية وأن عليهم بناء مؤسسات دولتهم بانفسهم. فكل دولة عربية مهتمة بأوضاعها الداخلية أوّلاً وأخيراً. حتى الاهتمام المصري بأوضاع غزة، يندرج في خانة رفع العتب ومحاولة تأكيد أن شيئاً ما تغيّر على صعيد السياسة الخارجية بعد «ثورة الخامس والعشرين من يناير». مثل هذا الوضع العربي يحتم على الفلسطينيين الانصراف إلى الاهتمام بأمنهم أوّلاً والابتعاد عن المزايدات التي يحصد أهل غزة المساكين نتائجها الآن.
يفترض برد الفعل الإسرائيلي في غزة ألاّ يفاجئ أحداً، خصوصاً قادة «حماس» الذين يتبين يوماً بعد يوم انهم ضحية فوضى السلاح التي استخدموها أصلاً لافشال السلطة الوطنية وصولاً إلى تنفيذ انقلاب منتصف يونيو 2007. ليس مطلوباً من هؤلاء الشكوى من أن إسرائيل تستخدم قنابل وطائرات أميركية في الحرب على غزة بمقدار ما أنه مطلوب منهم فهم أن السياسة التي يتبعونها لا تخدم سوى الاحتلال الذي يبحث عمن يطلق صواريخ من النوع المضحك المبكي في اتجاه أراض إسرائيلية. بل إن الاحتلال لا يمانع في سقوط قتلى وجرحى بين الإسرائيليين لتبرير سياسة الهرب من التسوية ومن أي مفاوضات جدية. هناك رهان إسرائيلي على أن الفلسطينيين لا يحسنون التصرف وأنهم لا يضيعون فرصة إضاعة أي فرصة تتاح لهم!
هناك أيضاً رهان إسرائيلي على الوقت وعلى أن المنطقة تتغيّر وأن الفلسطينيين سينتهون بالقبول بالاحتلال لجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية. في المقابل، يتبين كلّ يوم أن المقاومة الحقيقية هي في التفكير في كيفية جعل التطورات التي يمرّ بها الشرق الأوسط تصب في التخلص من الاحتلال بدل جعله يستفيد من الانصراف العربي عن كلّ ما له علاقة بالفلسطينيين وقضيتهم. ذلك هو العنوان الحقيقي للمقاومة. إنه عنوان يغني عن التلطي بالصواريخ وفوضى السلاح لتصفية حسابات مع السلطة الوطنية الفلسطينية يدفع ثمنها أهل غزة الذين صاروا أسرى الأسير الإسرائيلي المحتجز منذ صيف العام 2006!
تكمن الشجاعة حالياً في مواجهة الواقع بدل الهرب منه. الواقع يقول ان الصواريخ التي تطلق من غزة تخدم الاحتلال وتبرر استمرار الحصار الإسرائيلي الظالم للقطاع. لماذا الهرب من هذا الواقع... اللهم إلاّ إذا كان الحصار يساعد في تدجين الغزاويين أكثر وجعلهم أكثر قدرة على التكيف مع القيم الجديدة التي تحاول «حماس» فرضها عليهم والتي لا علاقة لها بما تربى عليه الفلسطينيون وبطريقة عيشهم!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن
عندما يغيب الحد الأدنى من الوعي عن حكام غزة ومن يقف وراءهم في طهران التي تستغل علاقتها بتنظيم «الإخوان المسلمين» إلى أبعد حدود، لا يعود مستغرباً أن تمارس إسرائيل، مرة أخرى قد لا تكون الأخيرة، إرهاب الدولة في القطاع. فغزة صارت بكل أسف حقل تجارب للجيش الإسرائيلي يستخدم فيه أحدث ما لديه من أسلحة على أهداف حية. المستغرب أنه وجد في غزة من يدعو حكومة بنيامين نتانياهو إلى اعتماد السياسة الوحيدة التي تتقنها وهي سياسة استخدام القوة التي تصب في خدمة التملّص من أي تسوية من أي نوع كان بحجة أن الفلسطينيين ليسوا شريكاً يمكن التفاوض معه وأنهم لا يستحقون دولة مستقلة.
لعلّ ما هو أغرب من هذا كله أن ليس بين الفلسطينيين المتحكمين بغزة، ومسؤولي حركة «حماس» تحديداً، من يريد أن يستفيد من دروس الماضي القريب. على رأس هذه الدروس أن فوضى السلاح لا يمكن أن تعود على الشعب الفلسطيني سوى بالكوارث من نوع قتل الصحافي الإيطالي الذي رفع شعار «فلسطين حرّة». هل رفع شعار «فلسطين حرة» ذنب كاف كي يخطف الصحافي الإيطالي ويعدم باسم الدين الحنيف؟
الواضح أن همّ «حماس» محصور بالاحتفاظ بالسلطة ولا شيء آخر غير السلطة. لو لم يكن الأمر كذلك، لكانت الحركة اعترفت بان مشروعها الأصلي والأساسي المتمثل في تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر لا فارق، فشل فشلاً ذريعاً وأن كل ما تستطيع عمله هو التخلي عن فوضى السلاح والانضمام إلى السلطة الوطنية الفلسطينية والتزام سقف اسمه البرنامج السياسي لـ «منظمة التحرير». لا وجود لسقف سياسي آخر يعمل الفلسطينيون تحته بغض النظر عن الأخطاء التي يرتكبها رئيس السلطة السيد محمود عبّاس (ابو مازن) بين الحين والآخر، خصوصاً عندما يتفادى اتخاذ موقف حاسم يضع حداً لأي نوع من التجاذبات داخل «فتح» نفسها مظهراً نفسه طرفاً في هذه التجاذبات، التي لا معنى ولا قيمة لها، بدل أن يكون «ابو مازن» رمزاً لوحدة الحركة.
في النهاية، هناك تجربة ناجحة في الضفة الغربية، على الرغم من الممارسات التي يلجأ إليها الاحتلال الإسرائيلي. سبب نجاح التجربة التي جعلت الضفة الغربية أرضاً غير طاردة لأهلها وقادرة على مواجهة الاحتلال بفعالية هو الانتهاء من فوضى السلاح من جهة وعدم الرهان على الأوهام من جهة أخرى. لا يختلف اثنان على أن المواطن الفلسطيني المقيم في الضفة يعيش بشكل عام في ظروف آمنة. توفر له الأجهزة المختصة الأمن لأنّ لا هم لهذه الأجهزة سوى حماية المواطن الفلسطيني بدل تعريضه للإرهاب الإسرائيلي كما يحصل في غزة.
ما يدركه معظم فلسطينيي الضفة هذه الأيام، أن لا وجود لأي نوع من الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية وأن عليهم بناء مؤسسات دولتهم بانفسهم. فكل دولة عربية مهتمة بأوضاعها الداخلية أوّلاً وأخيراً. حتى الاهتمام المصري بأوضاع غزة، يندرج في خانة رفع العتب ومحاولة تأكيد أن شيئاً ما تغيّر على صعيد السياسة الخارجية بعد «ثورة الخامس والعشرين من يناير». مثل هذا الوضع العربي يحتم على الفلسطينيين الانصراف إلى الاهتمام بأمنهم أوّلاً والابتعاد عن المزايدات التي يحصد أهل غزة المساكين نتائجها الآن.
يفترض برد الفعل الإسرائيلي في غزة ألاّ يفاجئ أحداً، خصوصاً قادة «حماس» الذين يتبين يوماً بعد يوم انهم ضحية فوضى السلاح التي استخدموها أصلاً لافشال السلطة الوطنية وصولاً إلى تنفيذ انقلاب منتصف يونيو 2007. ليس مطلوباً من هؤلاء الشكوى من أن إسرائيل تستخدم قنابل وطائرات أميركية في الحرب على غزة بمقدار ما أنه مطلوب منهم فهم أن السياسة التي يتبعونها لا تخدم سوى الاحتلال الذي يبحث عمن يطلق صواريخ من النوع المضحك المبكي في اتجاه أراض إسرائيلية. بل إن الاحتلال لا يمانع في سقوط قتلى وجرحى بين الإسرائيليين لتبرير سياسة الهرب من التسوية ومن أي مفاوضات جدية. هناك رهان إسرائيلي على أن الفلسطينيين لا يحسنون التصرف وأنهم لا يضيعون فرصة إضاعة أي فرصة تتاح لهم!
هناك أيضاً رهان إسرائيلي على الوقت وعلى أن المنطقة تتغيّر وأن الفلسطينيين سينتهون بالقبول بالاحتلال لجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية. في المقابل، يتبين كلّ يوم أن المقاومة الحقيقية هي في التفكير في كيفية جعل التطورات التي يمرّ بها الشرق الأوسط تصب في التخلص من الاحتلال بدل جعله يستفيد من الانصراف العربي عن كلّ ما له علاقة بالفلسطينيين وقضيتهم. ذلك هو العنوان الحقيقي للمقاومة. إنه عنوان يغني عن التلطي بالصواريخ وفوضى السلاح لتصفية حسابات مع السلطة الوطنية الفلسطينية يدفع ثمنها أهل غزة الذين صاروا أسرى الأسير الإسرائيلي المحتجز منذ صيف العام 2006!
تكمن الشجاعة حالياً في مواجهة الواقع بدل الهرب منه. الواقع يقول ان الصواريخ التي تطلق من غزة تخدم الاحتلال وتبرر استمرار الحصار الإسرائيلي الظالم للقطاع. لماذا الهرب من هذا الواقع... اللهم إلاّ إذا كان الحصار يساعد في تدجين الغزاويين أكثر وجعلهم أكثر قدرة على التكيف مع القيم الجديدة التي تحاول «حماس» فرضها عليهم والتي لا علاقة لها بما تربى عليه الفلسطينيون وبطريقة عيشهم!
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن