في يوم 18 فبراير الجاري حقق حزب الشعب الباكستاني الذي كانت تتزعمه الراحلة بنازير بوتو انتصارا تاريخيا بفوزه في الانتخابات التشريعية العامة التي جرت في باكستان وقد تحقق هذا بعد الاستياء الشعبي الكبير من الطريقة الديكتاتورية التي اتبعها الرئيس برويز مشرف في البلاد، وتطبيقه حالة الطوارئ بين الشعب، ولكن نتيجة الانتخابات التشريعية قد اكدت بان الشعب الباكستاني يرفض السياسة الديكتاتورية في بلاده، ويختار طريق الديموقراطية الشعبية، وبذلك اصبح مصير الرئيس مشرف على المحك، او على «كف عفريت» ليستعيد انفاسه على كرسي الرئاسة مرة اخرى، بعد هزيمته، الساحقة في الانتخابات، فحزب الشعب الذي كانت تقوده رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو بالتعاون مع حزب الرابطة الاسلامية بقيادة رئيس الوزراء السابق نواز شريف قد ضمنا الفوز الساحق مع الاحزاب المعارضة الاخرى، لتتولى النسبة الاكبر من المقاعد البرلمانية، وتتولى مهمة تشكيل حكومة ائتلافية تعمل على ازاحة الرئيس مشرف من قيادة البلاد، وعلى الرغم من كونه يعتبر الحليف الاول للولايات المتحدة في القضاء على الارهاب، ولكن النتائج غير المتوقعة له اثناء فترة الانتخابات قد بينت ضعف شعبيته في البلاد، على الرغم من الجهود الحثيثة التي كرسها لاستعادتها للمحافظة على النمو الاقتصادي في البلاد، اذا بعد مرور ثمانية اعوام على حكمه الديكتاتوري للبلاد اصبحت باكستان الآن امام مرحلة جديدة لانتقال البلاد من حكم عسكري ديكتاتوري إلى حكم ديموقراطي حر، فالشعب الباكستاني قد قال كلمته في الانتخابات وحكم على نفسه بطريقة حرة ونزيهة تحت مظلة الدستور والقانون، وعلى الرئيس مشرف ان يفهم مايريده الشعب ويطمح اليه لينفذ اقواله التي اخذها عهدا على نفسه بان يطبقها او يفعلها، لا ان يستمر بتعليق الاستقالة او يرفضها لينتظر المزيد من دعوات المعارضة على رحيله! فعلى الرغم من هزيمة حلفاء الرئيس مشرف في الانتخابات إلا انه لا ينوي تقديم استقالته وهذا يعني انه سيواجه معارضة شديدة تضعه على كرسي الاستجواب الشعبي الذي ينتظره بفارغ الصبر لمحاسبته، كما ان المعارض نواز شريف بالتعاون مع الاحزاب المعارضة الاخرى طالبته بالاستقالة الفورية ولن تدعه يحقق مراده هذه المرة متعهدا على نفسه بالعمل على تخليص باكستان من الديكتاتورية إلى الابد من اجل مصلحة البلاد.ومن الملاحظ ان روح الزعيمة الراحلة بنازير بوتو  قد سيطرت على مجرى سير الانتخابات العامة، واستطاعت ان تكسب التعاطف الشعبي تجاهها إلى ان استولى أعضاء حزب المعارضة على غالبية المقاعد النيابية، واستولى حزب بنازير بوتو الذي يتولاه زوجها على 88 مقعدا وهي النسبة الأعلى شعبيا من باقي الاحزاب، الامر الذي ادخل الفرح في نفوس انصارها وانصار الاحزاب المعارضة الاخرى، وتعالت الاصوات بين الشعب فجرا فرحين بما آتاهم حين اعلان النتائج، وهتفوا جميعا باسم بوتو وشريف ليكتمل العرس الديموقراطي جمالا والمشاركة فيه ترجعنا نحو عمق المعايير التاريخية اثناء فترة الانتخابات السابقة بعد ان اصبحت خالية من التزوير والمحسوبية تحت مظلة القانون الباكستاني والدستور، ان اجمل ما فعله الرئيس برويز مشرف بعد تجاوز حكمه الديكتاتوري دعوته إلى تطبيق روح المصالحة الوطنية اثناء فترة الانتخابات وبعدها، والتزامه بسياسة المصالحة مع الجميع وهي نقطة العبور او التقرب إلى حزب بوتو وشريف، والاحزاب المعارضة الاخرى، وذلك ليترك انطباعا جيدا عند الشعب، خصوصا بعد قوله «ان الطرف الذي سيفوز في المركز او في الاقاليم الاخرى سيشكل الحكومة المقبلة، وسيحصل على دعمي»، فهل هذا يلقى قبولا عند احزاب المعارضة؟! بالتأكيد لا.لقد كانت نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات التشريعية في البلاد نحو 45 في المئة، وهي النسبة التي لم نتوقع قراءتها عند المشاركة الشعبية ولكن قد يكون وراء ذلك مرور البلاد بسلسلة من الهجمات الانتحارية وحالة الفلتان الأمني، وعدم الاستقرار بين المدن مما جعل عددا كبيرا من الناخبين يترددون في الذهاب للادلاء باصواتهم، ولعل ما حدث من اطلاق النار من مجهولين على احد مرشحي حزب نواز شريف في لاهور هو خير دليل على النية، هذا بالاضافة الى اعلان عشرات المحامين العمل على اقناع معظم الناخبين نحو مقاطعة الانتخابات العامة بالبلاد احتجاجاً على تصرفات الرئيس مشرف الاستفزازية التي ادت الى سجن قضاة ومحامين معارضين على سياسته، وخصوصاً بعد إلقاء القبض على كبير القضاة افتخار تشودري، وآخرون لايزالون رهن الاعتقال الجبري حتى يومنا هذا!.بعد التعاطف الشعبي مع حزب الراحلة بوتو وحزب المعارض نواز شريف والأحزاب المتعاونة الأخرى، وبعد الارتفاع غير الطبيعي لأسعار مواد الغذاء وزيادة اسعار الغاز والكهرباء في البلاد، اصبح لزاماً على هذه الأحزاب العمل على تشكيل ائتلاف معارض لتوجهات الرئيس مشرف لانهاء مرحلة الحكم هذه في البلاد، هذا وقد رحبت الولايات المتحدة بالخطوة الديموقراطية التي تمر بها البلاد متمنية بذلك ان تعمل الحكومة الجديدة مع الرئيس مشرف للقضاء على الإرهاب والتطرف، فهل يمكن للولايات المتحدة أن يتحقق حلمها مع الحليف مشرف على رئاسة باكستان من جديد، أم ان مقولة الحرب على الإرهاب قد يطول أمدها الى أعوام أخرى في باكستان؟!لقد طالب السيناتور الأميركي هاري ريد قبل فترة  الانتخابات الباكستانية الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض على دراسة خفض المساعدات الأميركية لباكستان اذا لم تستعد الحقوق المدنية كاملة، وقال بلغة حادة «على الرئيس مشرف ان يعيد حرية الصحافة وحرية تشكيل جماعات، وأن يطلق جميع السجناء السياسيين الذين احتجزوا خلال فرض حال الطوارئ، ثم طالب ريد بأن يعيد مشرف قضاة المحكمة العليا الى أعمالهم بعدما أقالهم في نوفمبر العام الماضي، وتمنى ان يكون التحقيق في مقتل بنازير بوتو من جانب الأمم المتحدة، فهل طبق الرئيس برويز مشرف ذلك حتى ولو جزءاً منها؟ نعم هذا ما يؤكد سجل الاداء الكئيب للرئيس مشرف! ولكل حادث حديث.

علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي كويتيalfairouz61_alrai@yahoo.com