هل لبنان بلد قابل للحياة؟ في حال كان لبنان بلداً غير قابل للحياة ماذا عن الدول العربية الأخرى القريبة منه؟ أليست لدى كل دولة من هذه الدول، على رأسها سورية مشاكل أكبر من مشاكل لبنان وأعمق منها لبنان؟ أم أن المطلوب ممارسة الهروب إلى أمام، أي إلى خلق مشاكل في لبنان، لتغطية المشاكل العميقة التي تعاني منها الدول القريبة منه والمجتمعات العربية عموماً. في الواقع، لم تعد اللعبة تنطلي على أحد. يمارس النظام السوري لعبة الهرب إلى لبنان من أجل التغطية على الأزمة العميقة التي يعاني منها. لعلّ أبرز دليل على هذه الأزمة ومدى عمقها عدم قدرة النظام السوري على اتخاذ قرار لا بالحرب ولا بالسلام. إنه لا يدري أن الهرب إلى لبنان لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية وأنه ليس كافياً إغلاق بيروت وتعطيل الحياة فيها وتفكيك التركيبة اللبنانية من أجل أن يثبت النظام السوري ومن خلفه أولياء نعمته الجدد في طهران أن لبنان ليس بلداً قابلاً للحياة. هذه لعبة نتنة بغض النظر عن الأدوات المستخدمة من نوع «حزب الله» أو من نوع أدوات الأدوات المستأجرة من مستوى النائب ميشال عون. ميشال عون هذا، الذي لم يعد معروفاً ما إذا كان الكلام الذي يقوله هو كلام صادر عن شخص كان قائداً للجيش اللبناني أو أنه كلام لأحمد جبريل الأمين العام لـ «الجبهة الشعبية - القيادة العامة» الذي يستبيح أرض لبنان حالياً، بعدما استباح في الماضي دماء أبنائه إرضاء للأجهزة التي وضع نفسه في خدمتها والتي يُعتبر جزءاً لا يتجزأ منها؟ في النهاية ما الفارق بين ميشال عون الذي وضع نفسه في تصرف «حزب الله»، عندما قرر الأخير بناء على تعليمات سورية مباشرة احتلال الوسط التجاري في بيروت من جهة وأحمد جبريل من جهة أخرى؟ ألم يتولَ أحمد جبريل في العام 1976، بإشراف شخصي منه، تدمير فنادق بيروت واحداً واحداً، في المنطقة الممتدة من عين المريسة إلى الوسط التجاري، بحجة إرضاء النظام السوري؟ وقد استكمل هذا النظام عملية التدمير هذه بأن وضع وحدات جيش التحرير الفلسطيني التي كانت مرابطة في الأراضي السورية حارساً على وسط بيروت، كي يضمن الفصل والتباعد بين اللبنانيين من جهة والقضاء على قلب بيروت من جهة أخرى؟يتكرر المشهد نفسه في السنة 2008، مع فارق أن لبنانيين يستخدمون هذه المرة في عملية النيل من قلب بيروت التي هي قلب لبنان. هناك «حزب الله» وهناك أزلام ميشال عون الذي تحول إلى مجرد وسيلة يستخدمها الحزب اللهي في تنفيذ ما يطلبه منه المحور الإيراني - السوري الذي يشكل رأس حربة له في لبنان.يقرأ النظام السوري من كتاب قديم. يرفض أخذ العلم بأن لبنان تغير وأن الحرب الأهلية التي يسعى إلى إشعالها لا يمكن أن تخدم أهدافه في المدى البعيد. على العكس من ذلك، أن كل ما يستطيع عمله التوقف عن الرهان على الخراب. الخراب، بمعنى خراب لبنان لن يقوده إلى أي مكان. خراب لبنان سيرتد عليه... مثلما أن أي خراب في سورية سيرتد على لبنان. قبل كل شيء، أن الحرب الأهلية في لبنان ليست كافية لتخليصه من سيف المحكمة الدولية التي ستنظر في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هذه المحكمة صارت واقعاً لا مفرّ منه. وما قد يكون أهم من ذلك، أن اللبنانيين الشرفاء باتوا يدركون جيداً أن الحرب الأهلية تشكل الطريق الأقصر لخراب البلد وخرابهم... لذلك كان هناك ابتعاد عن كل ما من شأنه خدمة أهداف النظام السوري والذين يقفون خلفه عن طريق تفادي المواجهة وترك الأمر لقوات الشرعية اللبنانية، أي الجيش وقوى الأمن الداخلي.في حال كان المرء يريد أن يكون صريحاً إلى أبعد حد، يستطيع القول إن اللبنانيين الشرفاء الذين نزلوا بمئات الآلاف إلى ساحة الحرية وسط بيروت في الرابع عشر من فبراير - شباط الجاري، حققوا نصف نجاح. يتمثل نصف النجاح هذا في عدم تمكين ميشال عون من خلق فتنة في المناطق ذات الطابع المسيحي من جهة وفي احتواء الوضع في الأحياء البيروتية التي فيها تداخل سني - شيعي من جهة أخرى. كان مطلوباً سورياً الرد على استفزازات «حزب الله» ومن لف لفه وعلى الإطارات المشتعلة وتحطيم المحلات التجارية والسيارات والاعتداء بالضرب على المواطنين بأعمال من النوع نفسه. رفض أهل بيروت ذلك وتركوا قوات الجيش والأمن الداخلي تتصرف. عضّوا على الجراح لأنهم يرفضون الوقوع في الفخ المطلوب أن يقعوا فيه. إنهم أهل بيروت أولاً. إنهم حريصون على مدينتهم وعلى كل معلم حضاري فيها. إنهم حريصون خصوصاً على العيش المشترك بين كل الطوائف والمذاهب. إنهم حريصون على أن تكون مدينتهم، التي أعاد رفيق الحريري بناءها، منارة وليس مزبلة، على غرار ما يريده المحور الإيراني - السوري ومعه «حزب الله» وميشال عون ومن على شاكلته من الأدوات الصغيرة التي تحلم بالوصول إلى السلطة عن طريق المغامرات التي تهدد مستقبل البلد.صمد لبنان ومازال صامداً في وجه الهجمة التي يتعرّض إليها. صمد لأنه ليست لديه رهانات على الأوهام كما حال النظام السوري الذي يعتقد أن تقسيم بيروت مجدداً وخلق خطوط تماس جديدة وافتعال اشتباكات داخل الأحياء سيعيده إلى لبنان. لا شيء يمكن أن يعيده إلى لبنان. أكثر من ذلك، إن كل لبناني يعرف لماذا كان اغتيال رفيق الحريري ورفاقه على رأسهم باسل فليحان ولماذا حصلت الاغتيالات والتفجيرات الأخرى التي طاولت أشرف اللبنانيين، من سمير قصير إلى الرائد وسام عيد، ولماذا افتعل «حزب الله» حرب صيف 2006؟ ولماذا قال الأمين العام للحزب أن مخيم نهر البارد «خط أحمر» في حين كانت عصابة شاكر العبسي الإرهابية السورية تذبح الجنود اللبنانيين؟لم تعد هناك أسرار. اللعبة مكشوفة. إن الحقد على رفيق الحريري لن يقضي في النهاية على مشروع الرجل الذي أعاد لبنان إلى خريطة المنطقة والعالم... لبنان سيصمد لأن اللبنانيين يستوعبون جيداً أبعاد المؤامرة التي تستهدفهم. ولعل أكثر ما يعرفونه أن الحرب الأهلية ذات الطابع المذهبي التي يسعى إليها النظام السوري، انطلاقاً من بيروت، لن توفر الآخرين في المنطقة بما في ذلك سورية نفسها. من قال إن التركيبة السورية أكثر صلابة من التركيبة اللبنانية؟ من قال إن لبنان استثناء في المنطقة؟ هل على لبنان أن يدفع ثمن الديموقراطية التي اعتمدها منذ استقلاله؟

خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

Mubarak707@hotmail.com