عندما يتحدث السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ«حزب الله» عن احتمال «حرب مفتوحة» مع إسرائيل، فإنه يؤكد مرة أخرى أنه يعتبر نفسه صاحب القرار الأول والأخير في لبنان. وهذا يعني بكل بساطة رفضه للصيغة اللبنانية واعتقاده بأنها صارت من الماضي وأن الانقلاب الذي ينفذه حقق أهدافه. نسي الأمين العام للحزب الله أن هناك أطرافاً أخرى في لبنان وأن قرار الحرب والسلم من اختصاص السلطات العليا في لبنان والمؤسسات اللبنانية تحديداً وليس من اختصاص حزب من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب المغلق منذ ما يزيد على سنة بأوامر سورية. إلى اشعار آخر، في غياب رئيس للجمهورية في لبنان، هناك حكومة شرعية واحدة برئاسة فؤاد السنيورة تشكلت بموجب الدستور المعمول به وتحظى بثقة الأكثرية في مجلس النوّاب. لا تسقط الحكومات في لبنان إلا عندما يحجب النواب ثقتهم عنها... أو عندما يستقيل ثلث أعضاء الحكومة زائد عضو واحد، وهذا ما لم يحدث بعد. لا يمكن القول إن حكومة السنيورة سليمة مئة في المئة بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها لأسباب مرتبطة بالمحكمة الدولية، لكن الأكيد أنها حكومة شرعية لا تزال تتمتع بثقة مجلس النواب.ولكن ما العمل عندما يعتبر نصرالله في الخطاب الذي ألقاه في تأبين عماد مغنية، الذي اغتيل في دمشق، إنه كل لبنان وإنه يتحكم بمصير البلد وإنه على من لا يقبل به بهذا الوضع «الرحيل» عن البلد. هكذا بكل بساطة، على الزعيم الوطني وليد جنبلاط الرحيل إلى الخارج من أجل أن تخلو «الساحة» لـ«حزب الله» الذي يعتبر أن من حقه التصرف بأملاك اللبنانيين وأرزاقهم كما يحلو له... من أعطاه هذا الحق؟ هل هي الشرعية الثورية التي ينادي بها والتي تستند إلى المرجعية الشرعية بالمعنى المذهبي المتمثلة في «ولاية الفقيه»؟يسعى «حزب الله» من الناحية النظرية إلى تجاوز الواقع اللبناني لا أكثر ولا أقل وفرض هيمنته على البلد. الخوف كل الخوف أن يستغل اغتيال عماد مغنية في دمشق لإدخال لبنان في مغامرات جديدة أقل ما يمكن قوله إنه في غنى عنها على غرار ما حصل صيف العام 2006 حين دفع اللبنانيون ومازالوا يدفعون، بلغة الأرقام، ثمناً غاليا لـ«الانتصار» الذي يعتبر الحزب أنه حققه على إسرائيل. لا شك أن الحزب صمد في وجه الآلة العدوانية الإسرائيلي، ولكن يبقى السؤال كم كلف ذلك لبنان، كم لبنانياً تضرر؟ كم لبنانياً هاجر؟ كم مؤسسة أغلقت أبوابها؟ كم عدد الذين توقفوا عن زيارة لبنان أو الاستثمار فيه من أخوة عرب وأجانب؟ ما تأثير الحرب على مستقبل لبنان والعائلات اللبنانية؟ ما تأثير الحرب على الوضع الاقتصادي اللبناني ككل؟في القرن الواحد والعشرين هناك شيء اسمه لغة الأرقام. كل ما عدا ذلك شعارات تثير هياجاً لدى ما يسمّى الجماهير وتثير الغرائز لكنها لا تطعم خبزاً. لا شك أن اغتيال عماد مغنية جريمة كبيرة وعمل إرهابي موصوف. لكن الرد على الجريمة التي ارتكبت في دمشق والتي تقف خلفها إسرائيل بطريقة أو بأخرى، لا يكون بإدخال لبنان في مغامرات جديدة. إن لبنان، إلى إشعار آخر دولة، عربية سيدة حرة مستقلة تسعى إلى الحصول على اعتراف النظام في سورية بهذا الاستقلال وبرسم الحدود بين البلدين وإقامة علاقات ديبلوماسية بينهما. ومن المفيد التذكير في كل وقت بأن إزالة إسرائيل من الوجود ليس استراتيجية عربية، اللهم إلا إذا كان «حزب الله» يعتبر أن في استطاعته جر العرب إلى حرب مع ما يسميه «الكيان الصهيوني» متجاهلاً أن هناك القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نتيجة حرب صيف العام 2006 والذي خلق وضعاً جديداً في الجنوب اللبناني. مرة أخرى، أن جريمة اغتيال شخص صلب مثل عماد مغنية مستنكرة بكل المقاييس والمعايير. إنها تعبير عن الإرهاب الذي تمارسه دولة اسمها إسرائيل. لكن ما لا بدّ من التنبه إليه في استمرار هو حساب الربح والخسارة بالنسبة إلى وطن صغير عانى في الماضي وما لا يزال يعاني الكثير من تحويله «ساحة» للصراعات الإقليمية ولتصفية حسابات على حسابه. لا يستطيع حزب لبناني يمثل طائفة معينة، يعتبرها رهينة لديه، اتخاذ قرار بشن حرب على إسرائيل في غياب تغطية لبنانية وعربية لمثل هذه الحرب أو استراتيجية تقوم على فتح كل الجبهات الأخرى دعماً للبنان. وبكلام أوضح، ليس من حق حزب مذهبي لبناني أن يعتبر نفسه ممثلاً لكل لبنان، وأن في استطاعته توريط البلد في مغامرات جديدة معروف كيف تبدأ وليس معروفاً كيف تنتهي...هذا وقت للتأمل والتفكير ملياً في كيفية حماية مصلحة لبنان واللـــبنانيين بدلاً من الإقدام على عمل يمكن أن يكلف البلد الصغير الكثير. لبنان، في المفـــهوم العربي، بلد مساندة وليس بلد مواجهة. ليتـــخذ العـــرب قراراً بأنه الجبهة الوحيدة التي لا تزال مفتوحة مع إسرائيل، عندئذ يمكن أن يذعن اللبنانيون لمثل هذا القرار من منطلق أنه تعبير عن استراتيجية عربية معلنة. في غياب مثل هذا القرار، لا يحق لأي طرف لبناني جـــر الـــبلد إلى حـــرب أو مواجهة مكشوفة مع دولة مثل إسرائيل هي ترسانة عسكرية قبل أي شيء آخر. عندما يتخذ حزب أو طرف لبناني مثل هذا القرار، إنما يكون اعتبر نفسه قد استولى على البلد واستحوذ على قراره. هل من حق «حزب اللـــه» القول إنه لبنان وإنه صاحب الكـــلــمة الأولـــى والأخيــرة في البلد؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن