كما أن للعادات والتقاليد والأعراف أثرا مباشرا في السلوك اليومي للأفراد والجماعات أيضاً لهذه العادات والأعراف دور في طُرق التغيير السياسي، فمصرُ التي عُرفتْ في تاريخها مثال للثورة السلمية أو الأقرب إلى السلمية قدَّمت اليوم لنا صورة أُخرى أضافتها لثورة الشارع ذات النَّفَسِ الطويل، ولو تأخر النظامُ السابق في مصر في رحيله لاستمرت الثورة على ما هي عليه شهوراً وربما عاما أو أكثر حتى الرضوخ لمطالبها، هكذا تلعبُ العاداتُ وأعرافُ الناسِ دوراً في أُسلوب انتزاع الشعوب لحرِّياتهم، فيما تتجه أكثر الشعوب حين الثورة إلى العنف المطلق والقتل والتخريب جاءت الثورة في مصر لتعطيَ مثالاً أعلى للوعي والصبر والتَّكاتف والتريث رغم أنها فقدت شباباً كأزهار الربيع لكن الثورة وشبابها ضبطت سلوكها وترفَّعتْ عن الانتقام ونظرت إلى الأفق بعين المصلحة و الأمل، هكذا تُقدِّمُ مصرُ للعرب وللعالم نموذجاً صادقاً، لغةُ الانحيازِ فيه فقط للوطن والأمة، بعيداً عن التعصب المقيت للحزب أو العرق أو المذهب! لا شك أننا لاحظنا انصهاراً واضحاً بين أنماط الشعب وتوجهاته المختلفة، في مصر مسلمون ومسيحيون و«ناصريونَ» و«إخوانٌ» مسلمونَ وأحزاب مرخَّصةٌ وأخرى غير مرخَّصة؛ ولَمْ نلحظْ أيّاً منها حمل شعار أو راية تعلو على راية الوطن، خلافاً لما ضيَّقَ الآخرون واسعاً، ورغم كل ما حدث يبقى تنازل الرئيس مبارك عن السلطة، وإن اضطر إلى ذلك، وتجنيب الوطن مزيداً من الدماء هي صورة مشرفة له ولكلِّ مَنْ يفعل مثله، أما الثورة في مصر فهي رائعة من روائع الثورات عند الشعوب، ومثالٌ واضحٌ للهدوء والتنسيق والتنظيم وإدارة مرافق الوطن، لا يمكننا أن نصف الأداء المميز للثورة هناك، فقد حفظت الثورةُ لمصر مكانتها الإنسانية وهيبتها السياسية، ونأمل أن تكون سبباً للإصلاح الداخلي وهو حاصل ولعودة مصر إلى دوريها العربي والإقليمي، ان الفلسفة التي قامت عليها الثورة في مصر جعلت كلَّ عربي فخوراً بمصر وبأهل مصر.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com