لا يمكننا بأي حال من الاحوال ومهما تكن الظروف الراهنة في مصر، ان ننسف جهود الرئيس المصري حسني مبارك في مصر وخارجها، فالرئيس مبارك له تاريخ سياسي كبير تخلل فيه جهود جبارة في حل الكثير من الامور المستعصية في قضايا الشرق الاوسط والخليج العربي، خصوصا دوره الكبير الذي لا ينسى اثناء الغزو الصدامي الغاشم لدولة الكويت، ومطالبته العادلة للطاغية المقبور صدام حسين واعوانه الخروج من الكويت بأي شكل من الاشكال، فقد كان صوت الرئيس حسني مبارك حاضراً في كل بيت كويتي اثناء الغزو العراقي، وكان اسلوب حديثه بلسماً لكل كويتي جريح وصامد على ارض الوطن، ولكننا اليوم نتحدث عن ارادة شعب وسلب حقوقه المشروعة، فالشعب المصري لم ير انجازاً ملموساً على ارض الواقع في الكثير من المطالب الشعبية، بل الوعود تلو الوعود والمزيد من الضرائب التي اصبحت تحطم كاهل الاسرة المصرية بأفرادها، فأين الحكومة المصرية من البطالة والفقر والامن، واين الحكومة المصرية من ارتفاع اسعار السلع والمعيشة، واين الحكومة المصرية من فرص العمل لآلاف الشباب المصري المتعطش للعمل، واين الحكومة المصرية من رفع الاجور والمعاشات التقاعدية، واين، واين، واين؟
... اننا نتساءل في زمن عصيب مليء بالمسؤوليات الحياتية! نحن اليوم امام واقع تاريخي، وامام «ثورة شعبية» مصرية في جميع محافظات الجمهورية، والشباب والجيل الواعد هم من اشعل نارها الى ان هزت جميع اركان الحكومة وقيادييها، فأين مكانة الرئيس مبارك الآن، واين قادة الحكومة واعضائها، لقد فتح الشعب المصري مطالبه المشروعة في تنقيح الدستور وتبعاته، وامر بفتح ملف الثروات الضخمة التي كانت وراء الكواليس والتي ولدتها عمليات الفساد في الحزب الحاكم طوال العقود الثلاثة الاخيرة، اضافة الى المطالبات بالتحقيق في ثروة عائلة الرئيس مبارك التي وصلت الى 70 مليار دولار، وحجم ثروات هؤلاء المسؤولين السابقين في الحكومة والتي قد تبلغ 20 مليار دولار! فكيف لا تحوم الشكوك امام المعارضين لهذا الحزب، وكيف لا يواصل عشرات الآلاف منهم الاعتصام في ميدان التحرير وغيره من المدن والشوارع والقرى والرئيس مبارك اضطر الى التنحي امام هذه الثورة الشعبية، فاصرار الرئيس على الاستمرار في موقعه رغماً عن آلاف المطالبين برحيله كان سيؤدي الى ادخال البلد في نفق مظلم او الى المزيد من الدمار للبنية التحتية وليس فقط حدوث انفجار في خط تصدير الغاز في سيناء، ولكن المشكلة تقع في الوعود التي قد تركها اعضاء «الحزب الوطني» والتي قد تكون معظمها مجرد اوهام بعد ثلاثين عاماً من الالتفاف حول حقوق المواطنة الانسانية والمطالب الشعبية، لقد ضحت هذه المجموعات الشبابية بدمائهم الزكية من اجل التغيير والحرية والديموقراطية الصحيحة، وما دار في خلد الرئيس مبارك ونائبه عمر سليمان سوف لم يتحقق واجتماع نائب الرئيس الجديد مع قوى المعارضة الشبابية لم يخلق شيئاً جديداً على الساحة المصرية، ولعلنا قد رأينا الاعداد الهائلة المتجمهرين في ميدان التحرير ورفضهم القاطع مغادرة مكان الصمود حتى وان كان الامر يتطلب تضحيات فداء للوطن وروح المواطنة، وكما يبدو ان شباب ميدان تحرير عازمون على تشكيل حزب سياسي باسم 25 يناير لتكون بعيدة عن روتين الاجواء السياسية المملة والنزول الى ارض الواقع المصري... والسؤال هنا: لماذا تقدم عدد كبير من اعضاء «الحزب الوطني» في المحافظات بالاستقالة من عضوية الحزب خلال الفترة الاخيرة، ولماذا تقدم وزير الثقافة المصري والذي عين حاليا في الحكومة الجديدة بالاستقالة والاسباب شبه مجهولة؟ اوساط مقربة من الحزب الحاكم تفيد ان من ضمن الاسباب الجوهرية هي ضلوع قيادات من «الحزب الوطني» في تأجير بلطجية للتعدي على جموع المتظاهرين في ميدان التحرير، واجبار اعضاء الحزب وعوائلهم بالخروج في مظاهرات ومسيرات سلمية تأييداً للرئيس مبارك في جميع المحافظات، وهي نوع من اللعب على الذقون! وكل هذه الاسباب ادت الى ضغوط سياسية لاجبار الرئيس مبارك بالتنحي رغما عنه.
فبالله عليكم بماذا نفسر الاحداث في مصر، وماذا تركنا للانظمة العربية الاخرى، منذ ان بدأت ثورة 25 يناير الماضي ونحن نلاحظ تدفق عشرات الآلاف من المتظاهرين في ميدان التحرير مطالبين الرئيس الحالي بالتنحي والرحيل الفوري من مصر، وعلى الرغم من الاعداد الهائلة من قوات الجيش والشرطة والقوات الخاصة وآلياتهم وضخامة الترسانة العسكرية الا ان ثورة الغضب على «الحزب الوطني» ظلت تتفاقم وتتفاعل يوما بعد يوم حتى حققت الانتصار لارواح الشباب الشهداء والانتصار للوطن، واليوم قد جاء الفرح في كل المحافظات احتفالا بهزيمة الحزب الوطني، وهذا ما كان يتمناه مئات الشعب المصري.
ان شهداء ميدان التحرير سيظلون في ذاكرة التاريخ المصري ولا يمكن ان ينساهم الشعب في لحظة من الزمن، وقد كان من المحزن فعلا ان نرى ارواح الشهداء وهي تتساقط واحدة تلو الأخرى، واعضاء «الحزب الوطني» على كراسيهم الذهبية صامدون، وبتزييف للحقائق يؤكدون على ان الوضع الامني مطمئن ويتحسن بينما كان ما نشاهده على ارض الواقع بعيدا عن احلامهم... فمن تربة المحروسة التي سقاها شباب وشابات مصر بدمائهم الزكية، تفتحت تلك الورود لتنثر اريجها في فضاء الوطن العربي الكبير والعالم اجمع... انها رسالة نوجهها إلى اعضاء «الحزب الوطني» ورؤسائهم بعد ثلاثين عاماً خدمة للوطن «كفاية ... كفيتم ووفيتم، والشعب بارادته سبق له ان اعلن منذ البداية انه لا يريدكم ... لا يريدكم... لا يريدكم! وطوبى لجيل يصنع التغيير، ولشعب يرفد الثورة بخيرة ابنائه وبناته... ولكل حادث حديث».

علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي