| كتب حسين المطيري |
أفسد المتظاهرون في القاهرة حلم أسرة كويتية في تمضية اجازة الربيع وتحديدا ابنها الصغير «مبارك» الذي اعتقد ان المتظاهرين لا يريدونه في مصر عندما رددوا «الشعب يريد رحيل مبارك»، وهب الى والده - كاتب هذه السطور - والمنتمي الى مهنة المتاعب، قائلا «يبه ما يبوني المصريين ليش، يبه انا خايف ليش يقولون ما نبي مبارك؟».
الاجابة عن الصغار تكون صعبة دائما، والاصعب منها ان يجد المرء نفسه محاصرا في موقف حالك كهذا!
بين اسرتي والقاهرة حال عشق حميمة، وتوفيها حقها في زيارات الى «أم الدنيا» في كل فرصة سانحة وفي كل اجازة.
الا ان هذه الاجازة خبأت مالا تحمد عقباه لـ «أم الدنيا» ولأسرتي التي هالها ما هالها مما ابصرته من عمليات تخريب وسلب ونهب وحرائق وصراخ و «ارحل ارحل يا مبارك».
واعتبر مبارك ابن الـ (8) سنوات انه المستهدف وان كل ما يدور في محيط الشقة التي آوت الاسرة في شارع شهاب الكائن في منطقة المهندسين والذي يضم مقر شركة امين تنظيم الحزب الوطني احمد عز وصب المتظاهرون جام غضبهم عليه وعلى شركته بحرقها.
وعلى وطأ هدير الغضب من المتظاهرين وكلما ارتفع صراخهم وهتفاتهم يشعر الصغير مبارك انه المطلوب رحيله وترك مصر، فأصيب بحال من الهلع الشديد وطلب بشدة العودة الى الكويت، ولم يهدأ الا بعد جلوسه على مقعده في الطائرة.
في البداية وصباح الـ «25» من يناير وهو اليوم الذي وصلنا فيه القاهرة لم يشعر مبارك ولا شقيقتاه أمل و رزان بأي تغير في القاهرة لأن المظاهرات كانت محصورة في وسط البلد وبالتحديد ميدان التحرير، وقام بتنفيذ البرامج التي رسمها هو وشقيقتاه والتي بدأت بزيارة منطقة الاهرامات ومن بعدها الى مجمعات «كارفور» على طريق الاسكندرية الصحراوي وسيتي ستار وشارع جامعة الدول العربية.
وفي يوم «جمعة الغضب» طلب مبارك استكمال برنامج الزيارة ولكن تم الالتزام بنصائح وتنبيهات بعض الاصدقاء المصريين والقاضية بعدم الخروج.
بالفعل كانت كل المؤشرات تدل على اننا مقبلون على يوم عاصف جدا، حيث كانت حركة السيارات شبه مقطوعة خصوصا اننا كنا نسكن في مجمع بلاتينيوم في شارع شهاب الذي يعتبر من الشوارع الرئيسية والمعروفة في منطقة المهندسين وعندما تأكد مبارك بألا خروج الى «التمشي» صاحبني لإحضار غداء من مطعم جاد في شارع جامعة الدول العربية بعدما تعطلت كل اجهزة الاتصال مع كل المطاعم.
وعندما وصلنا للمطعم صادفنا مظاهرة ضخمة وكبيرة فاق المشاركون فيها أكثر من 20 الف شخص يهتفون «ارحل ارحل يا مبارك» وهذا بالطبع لم أره في تاريخي قررت الوقوف ومتابعة المظاهرة ومراقبة الموقف بعدما استيقظ في داخلي الحنين لمهنة المتاعب ولم انتبه الا على يد مبارك المرتعشة والخائفة تهز يدي بقوة «يبه ليش يبوني ارحل».
كان من الصعب عليّ لحظتها الاجابة عن هذا السؤال فقلت له لنذهب ونحضر الغداء ولكننا تفاجأنا بعمال المطعم يغلقونه امام الجميع خوفا وتحسبا من هجوم المتظاهرين عليهم ولكن ذلك لم يحصل لأن هذه الجماهير كانت تتجه الى ميدان التحرير ولا تريد الشر او الاصطدام.
عدت الى شقتي ككل الكويتيين (الطلبة والسياح) وتابعت الاحداث عبر شاشات التلفزيون حتى اعلنوا حظر التجول ولم نخرج من المنزل، وفي الساعة 9 والنصف مساء شاهدنا مظاهرة تمر من امامنا تتكون من 3000 شخص او اكثر يهتفون ضد الحكومة و تقودهم «دراجات نارية» متجهة الى بناية قريبة منا وأخذوا يرمونها بالحجارة ويحرقونها لتصل النار الى أعلى المبنى وعرفنا في ما بعد انها مقر المكتب الرئيسي لشركة «حديد عز» والتي يمتلكها رجل الاعمال المصري وأمين التنظيم بالحزب الوطني أحمد عز.
ولم يتوقف هؤلاء المتظاهرون بعد الحريق بل نهبوا محل صرافة «ابرامكو» المجاور لمقر الشركة، وما هي الا دقائق حتى وصلت تظاهرة اخرى قوامها 5000 شخص و معهم ايضا دراجات نارية ليحطموا غالبية المحلات في شارع شهاب ويسرقوا كل شيء باستثناء المجمع التجاري في بلاتينيوم حيث كان يدافع عنه رجال الامن فيه بخراطيم المياه والعصي و السكاكين لإبعاد هؤلاء المتظاهرين الذين اتضح ان معظمهم بلطجية و«رد سجون»!
وبلغ الخوف مداه بين افراد اسرتي عندما اطلق اصحاب هذه المحلات طلقات نارية من مسدساتهم الخاصة للدفاع عن ممتلكاتهم امام هجمة اللصوص وأرباب السوابق وهنا انهار مبارك و قال «تكفى يبه خلنا نمشي الكويت... ما أبي ألعاب ولا اهرامات ولا اجازات... تكفى ما أبي اقعد».
وحاولت تهدئته وشقيقتيه لكن كلما ازدادت الفوضى ازددت هلعا على أسرتي اكثر من مبارك نفسه... فالشوارع فوضى والشرطة تلاشت، وحاولت الاتصال بالسفارة الكويتية التي لا تبعد عنا كثيرا من خلال الهواتف الارضية ولكن لا حياة لمن تنادي.
وعشنا على اعصابنا حتى ظهرت مدرعات الجيش المصري التي حلت بدلا من رجال الشرطة المصرية الذين تبخروا في ثوانٍ من الشوارع والميادين والطرق حيث حلت مكانها عصابات السلب والنهب والبلطجة.
ولم يجد سكان المجمع والحي من حل الا التكاتف والتعاضد وتشكيل فرق من أنفسهم لحماية أسرهم من التهديدات بل وتصدوا لهم رغم ان البلطجية كانوا يحملون اسلحة سريعة الطلقات وأسلحة بيضاء».
لم ننم في تلك الليلة الرهيبة بسبب اطلاق النار العشوائي وأحيانا القذائف الدخانية والصوتية وفي الصباح الباكر توجهت مع مجموعة من الشباب الى السفارة ولم نجد لديهم ردا مقنعا... فأحدهم نصح باصطحاب أولادي الى فندق خمس نجوم لحمايتهم، وآخر قال ليش ما تسكن في مصر الجديدة لا توجد مشاكل هناك، وثالث اقترح ان نذهب الى مطار القاهرة لحين وصول الطائرات التي أمر بتجهيزها سمو الامير، وكان الاقتراح الاخير هو الامثل وبالفعل توجهنا بهدوء الى المطار ولم نجد اي مضايقات او استغلال من الشعب المصري.
وعندما دخلنا المطار كانت الفوضى شبه عارمة في مكتب الخطوط الجوية الكويتية نظرا للتزاحم والتدافع الشديد من الركاب الكويتيين وبقية الجنسيات الاخرى التي كانت تريد الهروب من الجحيم الذي ضرب «أم الدنيا».
ونجح الفريق الكويتي المتواجد في مطار القاهرة والمكون من ضابط أمن الطائرات يوسف العدواني وعضو السفارة عبدالرحمن المنيفي ومدير مكتب الخطوط الجوية الكويتية عبدالرضا البلوشي بصبر وحكمة وحنكة في تهدئتهم من الهلع وامتصاص غضبهم.
وأكد هذا الفريق ان الجميع عائد بإذن الله الى الكويت حيث أمنت الحكومة العديد من الطائرات وكل ما عليهم الانتظار بهدوء وبعيدا عن التشنج حتى يحصل كل واحد منهم على بطاقة الصعود للطائرة.
وامتلأت اول طائرة في ثوانٍ وكان اسمها «غرناطة» وكنا على متنها ولم نشعر بالمسافة التي قطعتها الطائرة من مطار القاهرة الى الكويت بسبب الحكايات التي لا تنتهي عن ايام الرعب في «المحروسة»، والتي منها ما رواه شاهد عيان انه وزوجته كانا في ستي ستار مساء «جمعة الغضب» وأبصرا الناس يهربون من المجمع لحظة دخول البلطجية.
وشاهد آخر كان يقيم في فندق هيلتون رمسيس قال كنت أشاهد المظاهرات عن قرب حيث كان الفندق في قلب الحدث وتحولت مطاعمه الى ساحة للنهب بعد اقتحامه من المتظاهرين الجائعين الذين قالوا لرجال امن الفندق «احنا مش حنعمل حاجة احنا عاوزين ناكل بس».
واضاف بالفعل خرجوا بعد ان أكلوا كل شيء تقريبا ولكنهم لم يتعرضوا للسياح او الموظفين الذين طلبوا مساندة من الجيش لحمايتهم.
وعندما اعلن قائد الطائرة «غرناطة» دخول المجال الجوي لدولة الكويت صفق جميع الركاب وتبادلوا التهنئة بسلامة الوصول، وعلى ايقاع هتافاتهم «عاشت الكويت وعاش أميرها» رقص مبارك فرحا وكان يتخلص من الكابوس الذي أرعبه لساعات طويلة وظل يسأل حتى الآن «يبه ليش المصريين ما يبوني ويقولون ارحل... ارحل يا مبارك».