| بيروت ـ «الراي» | لم يعد الكلام عن ان لبنان سيكون أسير أزمة مفتوحة لن تنتهي في المدى المنظور مجرد «توقعات» أو تقديرات افتراضية، فالمسار التصاعدي لـ«الزلزال» الذي نجم عن اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري قبل ثلاثة أعوام، ينذر باستمرار الدوران في مأزق تتلاشى معه مظاهر الدولة والاستقرار والاقتصاد والمساحات المشتركة بين اللبنانيين، في الوقت الذي يتعاظم خطر ظواهر مرضية، كالهجرة والبطالة والإحباط وانعدام الوزن، وما شابه، وصولاً إلى إضرابات تنزلق بالوضع إلى حافة الحرب.فـ «الحال اللبنانية» الراهنة و«أهوالها» مرشحة للمراوحة على ما هي عليه، أقله لنحو عام، وهو الموعد «المبدئي» للانتخابات النيابية في صيف العام 2009... وهذا يعني أن السيناريو الأقل سوءاً يرسو على المشهد الآتي: الجمهورية بلا رئيس، الحكومة «مبتورة»، البرلمان مقفل، الجيش في حال استنزاف أمنية وسياسية، اتساع بؤر التوتر، وقوع المزيد من الانفجارات والاغتيالات، «حرب باردة» تملء الفراغ السياسي، اقتصاد يتقهقر وأزمات معيشية تتفاقم.هذا السيناريو «الأقل سوءاً» هو المكان الوسط بين تسوية لن تبصر النور قريباً بدليل الانهيار المتالي للمبادرات الداخلية، ومن ثم الفرنسية، فالعربية، وبين انفجار كبير لن يحدث طالما أن «الستاتيكو» الإقليمي الحالي على حاله، لا سيما على مستوى الملفين الإسرائيلي والإيراني. فبين الحل المؤجل والانفجار الممنوع سيستمر لبنان بلا حكم، في شكل أو آخر، وأشبه بـ «مستودع» للأزمات الحامية، الأمر الذي يزيد من «اهترائه» السياسي والأمني والمالي في انتظار إما انفراج تمليه توازنات جديدة في المنطقة وإما انفجار تتسبب به ملفات المنطقة عينها. إزاء ذلك، أي نتائج ستحل بلبنان مع عام آخر من الأزمة، في السياسة والأمن والاجتماع والاقتصاد والمال؟ الجواب «الاستشرافي» في هذا التقرير المتعدد الزوايا.
لبنان... حياة «معلقة» فوق حروب «موقوفة»
| بيروت - من محمد دياب |
تترك الأزمة «المستدامة» في لبنان، والمرشحة لـ «ديمومة» أطول بصمات مؤثرة على المجتمع وشرائحه المختلفة، تتلاعب بسلم القيم وبالطبائع وتؤسس لمشكلات نفسية ولمصاعب من اشكال مختلفة.والأزمة في لبنان ليست ازمة واحدة، انها مجموعة من الازمات تتجلى في مظاهر شتى، هناك جانب عربي في الموضوع، بحسب رأي الدكتور أنطـــوان مسرة، لا يقـــل خــطورة عن الجانب اللـــبناني في استمرارية الوضـــع المؤسساتي المعطل في لبنان وهو الجانب المطموس في الموضوع وتتمثل مظاهره الأولية من خلال المـــــبادرة العـــربية الأخـــيرة وما حـــصــــل تجـــاه الإجـــماع العـــربي عـــلـــى إجـــراء الانـــتخـــابـــات الرئاســـــية في لبـــنان، مؤشــــر بالغ الأهـــمية في الـــتاريخ الـــعــــربي المـــعاصر في ما يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي العربي.يسأل الدكتور مسرة: هل النظام الإقليمي العربي غير قادر على معالجة نزاع متعلق بإجراء انتخابات رئاسية في الموعد الدستوري؟ ويجيب أنه على ما يبدو المطلوب هو تحدي النظام الإقليمي العربي وهذا المسار مر بثلاث مراحل المرحلة الأولى عام 1976 عندما قررت الجامعة العربية ارسال قوات ردع إلى لبنان لوضع حد للنزاع الحاصل آنذاك ونتيجة إرسال قوات الردع العربية انتهت فعلاً حرب السنتين.المرحلة الثانية اتفاقية «كامب ديفيد» التي رفضها النظام السوري وأدى ذلك الى تجدد النزاع في لبنان وسعي النظام السوري إلى تحقيق توازن استراتيجي مع الأتحاد السوفياتي وتحول لبنان إلى ساحة حرب.المرحلة الثالثة هي مصير الإجماع العربي في شأن انتخابات رئاسة الجمهورية فوراً فإما أن يشكل هذا الإختبار بداية نهاية النظام الإقليمي العربي وإما سنشهد بداية استنهاض لهذا النظام.هذا الاختبار إذا فشل هناك نظام إقليمي آخر قيد التموضع والسيطرة (نظام سوري ـ إيراني) وهذا سيكون له تأثيراته على بلدان عربية عدة، أبرزها الوضع في فلسطين ودول الخليج، لأن هذه الدول ستصبح بلا نظام إقليمي قادر على توفير حد أدنى من التضامن والحماية.وفي تقدير مسرة ان استمرار الأزمة على الصعيد اللبناني يكشف عن ظواهر سلبية وأخرى إيجابية.من الظواهر الايجابية، كشف الأوراق لأنه إذا عدنا إلى عام ونصف العام إلى الوراء نجد ان اللعبة كانت مستورة تحت شعارات عدة، ولكن الآن بات من الواضح أن هناك مساراً انقلابياً وهناك مساراً للهيمنة وليس للتسوية، وبعض القيادات التي أصبحت عاجزة عن إيجاد التبريرات الأيديولوجية لبعض القضايا تظهر من وقت لآخر بعض الوجوه الجانبية التي تهدد وتتوعد.من المظاهر السلبية على صعيد مفهوم الدولة ان الدولة اللبنانية تعيش أزمة وجود وكل عملية إلهاء في قضايا الإصلاح السياسي هي إلهاء عن موضوع وجود الدولة المهددة بالتفكك، بغية الوصول إلى إنشاء أمر واقع آخر، علماً بأن هذا الأمر الواقع الآخر هو مآزق وتصيب شظاياه كل الذين يهددون به لبنان، فهو فخ أكثر مما هو ورقة ضغط.ومن الناحية الاجتماعية هناك ظاهرتان سلبيتان تتمثلان في تداعي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتزايد أعباء الدين العام وتدهور الخدمات العامة من خلال الإدارة وتزايد الهجرة التي كانت تطال الافراد فصارت تطال العائلات.ولكن هذه المظاهر السلبية غير محتمة لأن اللبنانيين أظهروا خلال فترة الأعياد أخيراً (الأضحى، الميلاد، رأس السنة) حب الحياة وعلى عكس ما هو متوقع كانت فترة الأعياد منشطة للحركة الاقتصادية. المظهر السلبي الآخر تخريب العقول بمنظومة قيم غريبة عن المجتمع اللبناني، وهذا يشبه فترة النازية والفاشية. تسمع بعض الأشخاص الذين هم تابعون لبعض الزعامات، وتلمس فقدان الحد الأدنى من الثقافة الحقوقية وفقدان القيم الجمهورية، وهذا عمل منظم مستمر على مدى عشرة أعوام من خلال إنشاء مدارس خاصة ودعم مالي خارجي.أما عن تزايد العنف، في رأي مسرة، فيجد أنه من الواجب المقارنة بين 13 نوفمبر 1990 (إنهاء «تمرد» العماد ميشال عون على «اتفاق الطائف») وما نمر به الآن.اليوم هناك تسوية معقولة ومقبولة وتحظى بدعم عربي ودولي، ولكنها تواجه بتعطيل من قوى إقليمية، قد ينتهي هذا الوضع بعمل عسكري شبيه بما حدث في 13 نوفمبر 1990 وستكون ضحاياه القوة المخالفة للمسار الذي يحظى بالشرعية. لذا نشهد إرادة تأزيم من دون تفجير لأن التفجير قد يعيد كل شخص إلى حجمه ويدخله في الأوحال اللبنانية والإقليمية. ولذا فإن الوضع الأمني سيشهد المزيد من موجات العنف والإرهاب . العنف على طريقة الحرب تجاوزناها اليوم هناك إرهاب ولبنان بات ساحة عالمية لمحاربة الإرهاب، وهذا ما شهدناه خلال موجة الإغتيالات التي مضت والمرشحة للاستمرار.والدعم العربي والدولي لمكافحة الإرهاب إذا لم ينجح هناك تأثير سلبي جداً، لأنه سينتقل من دولة لأخرى، ومع ذلك أعود لأقول بأن كل الإحتمالات واردة ولكن أي نزاع لن تقتصر مفاعيله على لبنان فقط.أما موضوع المواطنية فإن اللبناني اليوم وسيبقى طالما استمرت هذه الأزمة «زبوناً» لدى السياسين، وهو في حال اغتراب نفسي بالمعنى الماركسي أي غير واعي لحقوقه وواجباته ولكن البعض ونتيجة الخدمات لمقدمة من الأحزاب باتوا مستزلمين وأتباع وسيبقى الوضع هكذا فلبنان يواجه معضلة ولن يتغير أي شيء جوهري في لبنان مهما بلغت التكلفة.
الحياة المعلقةوفي مقاربة أخرى من زاوية علم النفس، بدا السؤال بالنسبة الى الدكتورة أنيسة الأمين هو الآتي: هل هذه الأزمة المعاشة اليوم هي طارئة أم أنها التعبير الأعلى والأكثر فجاجة لما هو موجود فعلاً؟ هنا أقارن ما يجري حالياً بما يحصل لدى مريض ما. فالعارض الذي نراه والذي قد يكون صراخاً أو إنزواء او هذياناً أو مرضاً جسدياً، بالنسبة الينا هذا العرض هو ما نسميه تجاوز عتبة التحمل، وهو التعبير عما يوجد تحت قمة «جبل الجليد»، بمعنى أن هذه الأزمة وأحب أن أوصّفها «بالحياة المعلقة»، والحياة المعلقة أي أن التخطيط للغد أصبح متجمداً واللحظة هي التي تحدد ما سوف يحمله لنا الغد. وبهذا المعنى نحن في حال أزمة إنما يجب أن نضع على الطاولة أمامنا أناس هذه الأزمة.وفي معاينتها لـ «اناس هذه الازمة» تجد الآتي:? إن قسماً كبيراً من اللبنانين «في المستوى العلني» على الأقل يستمتعون في شكل هائل بما يصدر من تصريحات زعمائهم العدائية تجاه الآخر أو النافية لوجوده أو المهددة...، توجد متعة لدى المحازبين وانصارهم بإهانة الآخر أو إذلاله أو بكلمة واحدة إغفال وجوده. هذه المتعة تشكل قوتاً يومياً لمتلقي الرسالة حتى لو كان يعيش من دون لقمة. لأن هذا النوع من التحريض ضد الآخر هو بمعنى ما، إعلان عن هـــويته والتمسك بها، بهذا المعنى يصبح الوجود مرتبطاً بنبرة الخطاب أي «كـــلمـــا عـــلا صـــوتي كلـــما كنت موجـــوداً». أقله على مستوى الإنتـــماء للجــماعة والإنتماء للجــماعة الـــيوم ليس تفـــصـــيلاً، ففي هذه الجهة من العالم توجد ذخيرة الكون كله فهي زاوية العالم المقدس حيث منبت الأديان الثلاثة.? إن ما يجري اليوم من فراغ في الدولة الناظمة لحياة الناس أدى إلى رفع مكبوت تاريخي أو حتى أكثر مكبوت أثري عائد إلى الصراعات الدينية وإلا كيف أفهم أن البطريرك هو من يجب عليه أن يقرر مصير المسيحيين ورئاسة الجمهورية، والسيد عليه أن يقرر مصير الشيعة ومصير الصراع على القدس مع الجار الصهيوني، أو كما يقول بوش «مع اليهود»، في الوقت الذي يقع على سعد الحريري عبء مصير تنفيذ القرارات الصادرة عن الأمة العربية العظيمة «السنية» جمعاء.بهذا المعنى لا أظن أن أي زعيم سياسي «لطائفة» منزعج من هذه الحال، بل أظن شخصياً أن العقول المدبرة استراتيجياً والمتأقلمة مع ما يجري هي التي تدرك تماماً ماذا تفعل.إن قسماً كبيراً يعتاشون على هذه الأزمة إقتصادياً وبالمعنى الإقتصادي الفعلي للكلمة، من هنا فإن إهانة الناس تتم عبر لعبة التبعية بواسطة لقمة العيش.وأريد الاستشهاد بألتوسير ونظريته المتعلقة بالأجهزة الأيديولوجية ومقاربتها بالواقع اللبناني. ففي لبنان الطفل يدخل إلى المدرسة التابعة لطائفته ويحضر الأنشطة التي تقوم بها الطائفة ويحتفل بأعيادها ويستمع إلى موسيقاها ويدخل إلى جامعة تابعة لطائفته ويتوظف في مؤسساتها ويبقى ما ينقصه هو زعيم ما ولذلك ابن العشرين الذي كان والده ابن الحرب الأهلية السابقة هو اليوم وقود الأزمة.لكن الى أين؟ تجيب الدكتورة الأمين ان أحداً لا يستطيع أن يبقى طويلاً في حال التأهب ما تحت الانفجار فما يفعله الزعماء اليوم هم كمن يرسل مقاتلاً إلى المعركة وتركه حاملاً سلاحه ومنعه من إطلاق الرصاص في الوقت عينه، من هنا فإن عمليات الضبط تأخذ القسم الأكبر من النشاط حيث على الزعيم أن يقوم بالتحريض هو وماكينته وعليه في الوقت ذاته ضبط اللعبة، من هنا فإن هذه الطاقة المهدورة في الإثارة والضبط تأخذ كل المساحة البشرية على الصعيد النفسي والاجتماعي ولذلك أصبح لهذه الحركة (الإثارة والضبط) نوع من الطقوسية أي ارتفاع عالي في الحدة والتبريد.وليس من أمر يستنفد قوة الإنسان مثل هذه الحركة. وهنا يقع ما تسألني عنه؟ النشاط العدائي في الفراغ في لحظة ما سيرتد إلى الذات ويشعر الجميع بعدم جدوى ما يحصل من هنا أتنبأ إذا ما استمرت الأزمة في حالات كابة وأميل أكثر إلى الجنون متمثلاً بالفعل وهنا تكمن خطورته.لذلك إذا ما بقي الحال هكذا ربما تتم انفجارات شعبية وبشكل عفوي لا يحتاج إلى الكثير من التخطيط وربما أيضاً من يدير اللعبة في لبنان، وفي رأيي، هو عقل بارد يستطيع أن يسكت الناس ويمنعهم عن الإنفجار بما هو أكبر أي باغتيال ما يزيد من الأحقاد، فلا شيء مثل الموت يجعلنا جبناء وصامتين.وطبعاً الاتهامات جاهزة لدى الجميع ولكن السؤال هو من يدير هذه اللعبة؟ هذا السؤال الذي على المثقفين التداول به وليس النضال من أجله لأن الجميع عاجز عن الإجابة. ولذا فإن أبواب الهجرة ستظل مفتوحة إلى ما لا نهاية، كما أن عناصر «الحروب الموقوفة» ستبقى موجودة إلى ما لا نهاية .