ثمة تطورات مستغربة تشهدها فلسطين حالياً. على سبيل المثال حماسة «حماس» التي لا حدود لها لما يسمّى «التهدئة»، أي إلى وقف إطلاق الصواريخ من غزة في اتجاه الأراضي الاسرائيلية؟ لماذا كل هذه الحماسة ومن أين أتت؟ إنه سؤال يطرح نفسه بإلحاح في ضوء الاجتماعات التي عقدتها الحركة ممثلة بقيادييها في القطاع مع ممثلي الفصائل الفلسطينية الأخرى. شددت الحركة في تلك الاجتماعات على ضرورة وقف إطلاق الصواريخ للحؤول دون عدوان إسرائيلي جديد. كررت الحكومة المقالة برئاسة السيد إسماعيل هنية هذه المقولة وقررت إرسال قوات لضبط الأوضاع في كل المناطق المحاذية للحدود الدولية للقطاع، وهي الخطوط التي تفصل غزة عن الخطوط الإسرائيلية التي انسحب الاحتلال إلى خلفها صيف العام 2005 عندما كان ارييل شارون لا يزال رئيساً للوزراء.
انه بالفعل موقف مثير للاستغراب لـ «حماس» التي أكدت علناً بلسان الناطقين باسمها انها تستجيب عملياً لرسالة مصرية جاءت بعد استقبال الرئيس حسني مبارك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بيبي نتنياهو قبل أيام قليلة في شرم الشيخ. في ذلك اللقاء، أكّد نتنياهو لمبارك أن إسرائيل ستهاجم غزة في حال استمر إطلاق الصواريخ. فما كان من مصر إلاّ أن نقلت التحذير إلى «حماس» حرصاً منها على تفادي حرب جديدة تستهدف القطاع.
جرت العادة أن تغفل «حماس» الرسائل المصرية أو العربية. فجأة صارت للرسالة المصرية قيمة. إنه أمر محيّر بالفعل. أمس كانت هذه الصواريخ كفيلة بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر، لا فارق. اليوم بات مطلوباً أكثر من أي وقت تناسي وجود مثل هذه الصواريخ حرصاً على أهل غزة. لماذا لم تقدم «حماس» على استخدام لغة العقل والمنطق في أواخر العام 2008 لتفادي إرهاب الدولة الذي مارسته إسرائيل في تلك الفترة؟
دمّرت الدولة العبرية أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 ربع البنية التحتية للقطاع تقريباً وقتلت ما يزيد على ألف واربعمئة فلسطيني بينهم كثير من الأطفال والنساء والمدنيين. إلى الآن، لا تزال عائلات غزاوية في العراء ولا يزال الحصار مستمراً فيما العالم يتفرج وكأنه غير معني بالمأساة الإنسانية التي يشهدها القطاع الذي لا تزيد مساحته على اربعمئة كيلومتر مربع ويعيش فيه أكثر من مليون ونصف مليون انسان.
كان في استطاعة «حماس» تفادي الاعتداءات الإسرائيلية على غزة لو تعاونت منذ العام 2005 مع السلطة الوطنية من أجل القضاء على فوضى السلاح. كانت هناك فرصة ذهبية أمام الفلسطينيين لتقديم نموذج لما يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية المستقلة. بدل اللجوء إلى فوضى السلاح والكلام الفارغ عن استخدام غزة منطلقاً لتحرير فلسطين، كل فلسطين، كان في الإمكان العمل على تأكيد أن الفلسطينيين لا يضمرون الشر لأحد وأن كل ما يريدونه هو دولة مستقلة تعيش بأمان في المنطقة. كان في الإمكان استخدام غزة منطلقاً لتحقيق حلم الدولة بدل إطلاق الصواريخ العشوائية التي لم تخدم سوى إسرائيل.
ليست «حماس» وحدها التي تتحمل مسؤولية التدهور في غزة وصولاً إلى انقلاب منتصف العام 2007. هناك مسؤوليات تتحملها السلطة الوطنية الفلسطينية و»فتح» أيضاً. لكن مشكلة «حماس» تكمن في أنها لم تستوعب معنى التخلص من الاحتلال من جهة والأسباب التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من غزة من جهة أخرى. اعترف المسؤولون الإسرائيليون في حينه، وعلى رأس هؤلاء دوف فايسغلاس مدير مكتب شارون، أن الانسحاب الكامل من غزة استهدف السماح بالتركيز بطريقة أفضل على الضفة الغربية. إسرائيل انسحبت من غزة لتكريس احتلالها للقدس الشرقية ومتابعة الاستيطان في الضفة. كانت صواريخ غزة من جملة المبررات التي استخدمتها الحكومات الإسرائيلية للقول إلا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه بدليل الفوضى التي تعمّ القطاع واستمرار التحرشات من نوع خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط صيف العام 2006. الآن بعد أربعة أعوام ونصف العام على خطف شاليط، لا تزال «حماس» أسيرة الجندي الإسرائيلي الأسير الذي يستخدم لابقاء الحصار الظالم الذي يعاني منه أهل القطاع.
ما الذي حصل كي تنادي «حماس» فجأة بالتهدئة، من أين هبط الوحي على «الحركة» التي لا تمتلك بأي شكل حرية قرارها، الأهمّ من ذلك كله لماذا مغازلة مصر التي صارت بقدرة قادر «الشقيقة مصر»؟ إنها بالفعل أسئلة محيرة قد تكون مقدمة لتوجيه رسالة فحواها أن استيلاء «حماس» على السلطة في غزة لا يعني بالضرورة متابعة التحرش بإسرائيل. متى تصمم «حماس» على شيء، تصبح قادرة على الذهاب حتى إلى التخلي عن الشعارات التي ترفعها، بل الانقلاب عليها كلياً.
يبقى سؤال في غاية البساطة. هل هناك علاقة بين رسالة «التهدئة» التي تبعث بها «حماس» إلى إسرائيل من غزة واحتمال استيلاء «حزب الله» على السلطة في لبنان بالوسائل المشروعة عن طريق تسمية رئيس للحكومة تابع للحزب؟
لا شك أن الموقف الأخير لـ «حماس» من «التهدئة» مريب جداً. ما هو مريب أكثر السعي إلى استمالة مصر والحديث العلني عن ذلك. من الصعب الفصل بين «حماس» و«حزب الله» نظراً إلى أن مرجعية الطرفين واحدة. ولذلك، من الضروري التعاطي بحذر شديد مع كل ما له علاقة بما يسمّى «التهدئة»، خصوصاً أنه لم يتغيّر شيء بين البارحة واليوم وأن «حماس» أمضت ما يزيد على عامين رافضة الاعتراف بالنتائج الكارثية التي أسفرت عنها الحرب الإسرائيلية التي استهدفت القطاع وأهله. ما الذي حدث بعد عامين وبضعة أيام من وضع حدّ لتلك الحرب حتى تستخلص «حماس» الدروس المناسبة؟
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن
انه بالفعل موقف مثير للاستغراب لـ «حماس» التي أكدت علناً بلسان الناطقين باسمها انها تستجيب عملياً لرسالة مصرية جاءت بعد استقبال الرئيس حسني مبارك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بيبي نتنياهو قبل أيام قليلة في شرم الشيخ. في ذلك اللقاء، أكّد نتنياهو لمبارك أن إسرائيل ستهاجم غزة في حال استمر إطلاق الصواريخ. فما كان من مصر إلاّ أن نقلت التحذير إلى «حماس» حرصاً منها على تفادي حرب جديدة تستهدف القطاع.
جرت العادة أن تغفل «حماس» الرسائل المصرية أو العربية. فجأة صارت للرسالة المصرية قيمة. إنه أمر محيّر بالفعل. أمس كانت هذه الصواريخ كفيلة بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر، لا فارق. اليوم بات مطلوباً أكثر من أي وقت تناسي وجود مثل هذه الصواريخ حرصاً على أهل غزة. لماذا لم تقدم «حماس» على استخدام لغة العقل والمنطق في أواخر العام 2008 لتفادي إرهاب الدولة الذي مارسته إسرائيل في تلك الفترة؟
دمّرت الدولة العبرية أواخر العام 2008 ومطلع العام 2009 ربع البنية التحتية للقطاع تقريباً وقتلت ما يزيد على ألف واربعمئة فلسطيني بينهم كثير من الأطفال والنساء والمدنيين. إلى الآن، لا تزال عائلات غزاوية في العراء ولا يزال الحصار مستمراً فيما العالم يتفرج وكأنه غير معني بالمأساة الإنسانية التي يشهدها القطاع الذي لا تزيد مساحته على اربعمئة كيلومتر مربع ويعيش فيه أكثر من مليون ونصف مليون انسان.
كان في استطاعة «حماس» تفادي الاعتداءات الإسرائيلية على غزة لو تعاونت منذ العام 2005 مع السلطة الوطنية من أجل القضاء على فوضى السلاح. كانت هناك فرصة ذهبية أمام الفلسطينيين لتقديم نموذج لما يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية المستقلة. بدل اللجوء إلى فوضى السلاح والكلام الفارغ عن استخدام غزة منطلقاً لتحرير فلسطين، كل فلسطين، كان في الإمكان العمل على تأكيد أن الفلسطينيين لا يضمرون الشر لأحد وأن كل ما يريدونه هو دولة مستقلة تعيش بأمان في المنطقة. كان في الإمكان استخدام غزة منطلقاً لتحقيق حلم الدولة بدل إطلاق الصواريخ العشوائية التي لم تخدم سوى إسرائيل.
ليست «حماس» وحدها التي تتحمل مسؤولية التدهور في غزة وصولاً إلى انقلاب منتصف العام 2007. هناك مسؤوليات تتحملها السلطة الوطنية الفلسطينية و»فتح» أيضاً. لكن مشكلة «حماس» تكمن في أنها لم تستوعب معنى التخلص من الاحتلال من جهة والأسباب التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من غزة من جهة أخرى. اعترف المسؤولون الإسرائيليون في حينه، وعلى رأس هؤلاء دوف فايسغلاس مدير مكتب شارون، أن الانسحاب الكامل من غزة استهدف السماح بالتركيز بطريقة أفضل على الضفة الغربية. إسرائيل انسحبت من غزة لتكريس احتلالها للقدس الشرقية ومتابعة الاستيطان في الضفة. كانت صواريخ غزة من جملة المبررات التي استخدمتها الحكومات الإسرائيلية للقول إلا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه بدليل الفوضى التي تعمّ القطاع واستمرار التحرشات من نوع خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط صيف العام 2006. الآن بعد أربعة أعوام ونصف العام على خطف شاليط، لا تزال «حماس» أسيرة الجندي الإسرائيلي الأسير الذي يستخدم لابقاء الحصار الظالم الذي يعاني منه أهل القطاع.
ما الذي حصل كي تنادي «حماس» فجأة بالتهدئة، من أين هبط الوحي على «الحركة» التي لا تمتلك بأي شكل حرية قرارها، الأهمّ من ذلك كله لماذا مغازلة مصر التي صارت بقدرة قادر «الشقيقة مصر»؟ إنها بالفعل أسئلة محيرة قد تكون مقدمة لتوجيه رسالة فحواها أن استيلاء «حماس» على السلطة في غزة لا يعني بالضرورة متابعة التحرش بإسرائيل. متى تصمم «حماس» على شيء، تصبح قادرة على الذهاب حتى إلى التخلي عن الشعارات التي ترفعها، بل الانقلاب عليها كلياً.
يبقى سؤال في غاية البساطة. هل هناك علاقة بين رسالة «التهدئة» التي تبعث بها «حماس» إلى إسرائيل من غزة واحتمال استيلاء «حزب الله» على السلطة في لبنان بالوسائل المشروعة عن طريق تسمية رئيس للحكومة تابع للحزب؟
لا شك أن الموقف الأخير لـ «حماس» من «التهدئة» مريب جداً. ما هو مريب أكثر السعي إلى استمالة مصر والحديث العلني عن ذلك. من الصعب الفصل بين «حماس» و«حزب الله» نظراً إلى أن مرجعية الطرفين واحدة. ولذلك، من الضروري التعاطي بحذر شديد مع كل ما له علاقة بما يسمّى «التهدئة»، خصوصاً أنه لم يتغيّر شيء بين البارحة واليوم وأن «حماس» أمضت ما يزيد على عامين رافضة الاعتراف بالنتائج الكارثية التي أسفرت عنها الحرب الإسرائيلية التي استهدفت القطاع وأهله. ما الذي حدث بعد عامين وبضعة أيام من وضع حدّ لتلك الحرب حتى تستخلص «حماس» الدروس المناسبة؟
خيرالله خيرالله
كاتب لبناني مقيم في لندن