|كتبت ليلى أحمد|
على مستويات خطوط درامية متعددة بدأت أحداث مسلسل «الحب لا يكفي أحيانا» للزميل الاديب السوري المقيم بالكويت منصف غازي حمزة الذي تلقف نصه الثلاثيني محمد الطوالة وحول النص الجميل الى حياة نابضة بالحركة والمشاعر، بالصلح مع الذات و.. الاختلافات.**
بعد أن استنفدت لوكيشنات منطقة القرين التي تتم بها تصوير غالبية الاعمال والمسلسلات الدرامية، اختار المنتج عبدالعزيز الطوالة لوكيشن تصوير بمنطقة جديدة هي غرب الجليب في بيوت لم تستهلك بعد، وان كانت تشبه ما هو متوافر في القرين.
كاميرا المخرج محمد طوالة دارت لتصوير الاحداث التي تدور في بيت طلال ويقوم بدوره احمد ايراج الذي يلتقي صديقه السوري المقيم بالكويت، والذي يعمل معلما في احدى الاكاديميات الفنية - ويجسده طارق مرعشلي، في الكادر يشتكي الاول لصديقه لواعج حيرته في أزمة شائكة تجتاح علاقته العاطفية مع حبيبته التي تقوم بدورها زينة كرم.
لوكيشن التصوير يضج بالحيوية الهادئة، والتي جند لها المخرج طوالة كل الامكانات الفنية والتقنية لتصوير عمله الجديد «الحب لا يكفي احيانا» التي تدور أحداثها على غير المعتاد على عدد من العائلات التي تنفرد بخصوصية حياتها مرتبطة بشكل فني مع بعضها البعض.
مؤلف النص منصف حمزة كتبه باقتدار عال، فبرأيه لا أحد يكون رابحا بالمطلق، وبالتالي لا بطولة مطلقة لممثل واحد «من الجلدة الى الجلدة» وفي كل المشاهد، انما اختار ان تكون البطولة جماعية وعلى قدر كبير من التوازن ذلك لان «عدالة» المؤلف حمزة تعددت واتخذت شكل كتابة جديدة وشديدة الجاذبية.
خسارات الحياة تتجسد في حيوات الاشخاص، العائلات أفرادا ومجاميع، بين آلام قاهرة يلعب القدر فيها دورا كما التراجيدية الاغريقية، وأمال منعشة، تسقط اوراق الخريف الواحدة تلو الاخرى، لتجسد كادرات واقعية نجح المخرج طوالة مع مساعديه في تجسيد الرؤية البصرية لها.
ربما كان على القدر أن ينتظر بعض الوقت، لا أن يخطف الحب ناضجا من قلب الطالبة الموهوبة موسيقيا الزين والتي تجسد دورها باقتدار عال زينة كرم، فحين تأتي التحولات الخاسرة لحياتها وتصاب بالسرطان تتفاعل دراميا ليس في الاداء فحسب بل في الشكل، فيظهر المرض على ملامحها الباهته، لتترك طاقة التعبير لوجهها وعينيها، معبرة بشكل طبيعي عن انفعالاتها الانسانية من دون ألوان ماكياج تربك المشاهد، وهذه الشخصية الواقعية تدل على وعي الممثلة زينة كرم بأهمية الشخصية التي تقوم بها راغبة بإقناع المشاهدين بـ«روح» الشخصية المعذبة من المرض اللعين، وظهور زينة من دون ماكياج تدل أيضا على قدرة المخرج الشاب محمد طوالة على السيطرة على «شكل» اللحظة الدرامية، دون أن يشوهها بالازياء والماكياج المبالغ به، كما تفعل غالبية المؤديات من ممثلات هذه الايام.
الفنانة الجميلة هدى حسين التي وصلت لأعلى مراحل نضجها الفني، هي غول طافح بحيوية الاداء التمثيلي، لا تفوت فرص التعبير المتعددة التي تتملكها موهبتها، تنطلق لتنسى «هداوي» لتجسد دور والدة الزين، وتعمل في قطاع ذي طبيعة مهنية خاصة، تترك نفسها ومشاعرها وهواجسها لتعيشها في الحياة كما أمام الكاميرا، لتقنعك إنها ذات الشخصية الملتبسة على الورق.
في حياتنا الواقعية عدد كبير من الوافدين الذين يعملون في الكويت، فكان لا بد من أن يتحمل المنتج عبدالعزيز الطوالة الكلفة المادية في استقدام ممثلين من سورية، فكان طارق مرعشلي هو معلم التصوير (الفن التشكيلي والرسام) الذي يعمل في الكويت ويصطدم بتحولاته الاجتماعية ويتأثر بقوى تجرف الجميع لجرف قاري لا نهاية لظلماته، يتبلور الصراع بين غربته عن بلده، وحياته وحلم تأسيس ما يؤمن حياة أسرته الصغيرة.
المرعشلي يعيش وسط اسرة محبة زوجته هي دلع وتقوم بدورها الممثلة السورية هبة نور وهي أم الطفلة جنا، وتعمل طبيبة في أحد المستشفيات الحكومية والتي بدورها تتلقى إرهاصات المواقف والسلوكيات من محيطها العملي والعائلي، مؤكدة في كل حين حفاظ شديد على مبادئ اساسية لن تتخلى عنها.
في حياكة منسوجة، كما جديلة متينة وطويلة، قوية ومتماسكة بإبداع خلاق يأخذنا المؤلف منصف غازي حمزة، ليحفر في واقعنا الاجتماعي أهم سيماته الفكرية، كاتبا حواراته بجاذبية شديدة وقيمة فنية عالية، لا تغيب عن موسيقى المسمع، في اختياره لحواراته المكثفة والمصاغة بجمالية لغوية من مختارات اللهجة الكويتية، مؤكدا شرطه الأساسي في توافق نصه، كشكل في الكتابة الفنية، وروح مع الاحداث والشخصيات ليجعل الواقعية الاجتماعية، هي صيرورة مسلسله الاول « الحب لا يكفي أحيانا».
لم تطرح في الدراما الكويتية وحتى الخليجية اشكالية الرجل حين يصبح عاجزا عن الانجاب، وعاجزا عن الرضوخ للذكورة المتوارثة في التضخم الذاتي، فهو يدرك بحساسية شديدة أزمته ولا يقبل بها، الا ان قدره مفروض عليه... فكيف تتحول حياته مع الفتاة التي طالما حلم بالارتباط بها، كيف يجسد الممثل عبدالله الباروني أزمته.. كيف يتعامل مع «زعله» من ذاته... كيف تنعكس أزمته على حبيبته وزوجته هبة التي لا يعترف لها بعجزه عن الانجاب، فهي حائرة لا تفهم «سر» هذه الطوارئ العاطفية والانفعالية، تقوم مها محمد بتجسيد الدور، وتظل تتعبه نفسيا لعدم فهمها سر الارباكات التي اقتحمت كالعاصفة حياتها الزوجية الهانئة، فحولتها الى ما يقرب من جحيم تسونامي بكل ما به من غضب وسخط إعصار مبهم، ومشاعر متقلبة وشكوك... هي الاقدار التي سنراها كيف تسير حياة الحبيبين.
لم يسبق لأحد ايضا من كتاب الدراما أن طرح قضية التبني للاطفال، الا ان منصف حمزة الذي لامس المجتمع منذ سنوات طويلة هي فترة اقامته في الكويت تشرب بكل ما في المجتمع من قضايا شائكة، واشكاليات غير محلولة عاصرها في واقع حياته،... فلمس مشاعر امرأة وحيدة هي طيبة جسدت دورها البحرينية ابتسام عبدالله، التي فقدت زوجها وابنها الوحيد، هي الخسارات التى أرادها المؤلف في كتابته المجيدة الغارقة في بحر من المشاعر الانسانية.
لطيفة المجرن هي والدة طلال الشاب الموسيقي عاشق الزين، يجد كل الدعم والحنان والمشاعر من شقيقته سارة وتقوم بدورها السعودية بدور التي تقوم بدور لطيف بين صديقتها الزين وشقيقها طلال. كما شارك باقتدار عال الفنان حسين المنصور في دور جديد عليه، أضفى عليه من حضوره الفني الكثير، وشاركت ايضا الممثلة الموهوبة شوق والمصرية مي عبدالله في ادوار مؤثرة ومحركة للاحداث.
وهكذا تدور كاميرا المخرج محمد طوالة من لوكيشن تصوير الى موقع آخر، ومن هدوء يسبق العواصف، لتقع العاصفة الزاحفة على حياة كل العائلات المشاركة في العمل، ليقدم طوالة رؤية بصرية لرائعته «الحب وحده لايكفي» بأحدث كاميرات التصوير وأحدث تقنيات الاضاءة والصوت. 

بطاقة العمل

اسم المسلسل: «الحب لا يكفي أحياناً»
المؤلف: منصف غازي حمزة
الممثلون هدى حسين، حسين المنصور، لطيفة المجرن، زينة كرم، أحمد ايراج، شوق، مها محمد، ابتسام عبدالله، عبدالله الباروني، بدور، مي عبدالله، من سورية طارق مرعشلي وهبه نور وآخرون
مدير الانتاج وإدارته: عادل الفضلي ومناور وأحمد
منتج منفذ: عبدالعزيز طوالة لصالح تلفزيون «الراي»
تصوير: عبدالنبي فردان
إضاءة: عبدالله جميل
صوت: محمد المغري
مساعد مخرج: خالد طوالة ويعقوب حميد
اخراج: محمد طوالة
انتاج: عبدالعزيز الطوالة