لايستطيع المرء أن يخفي استياءه من نتيجة التصويت في مجلس الأمة على طلب عدم التعاون مع سمو رئيس الوزراء من قبل بعض نواب مجلس الأمة، ويشعر بأن هناك حقوقا وكرامات للمواطنين تمت إضاعتها ولم يتم رد اعتبارها، ولكنها كما يقولون هذه هي الديموقراطية فليتحملها الإنسان بحلوها ومرها.
وأود الإشارة إلى خطورة بعض الممارسات، التي واكبت أحداث ديوان الحربش ومن ثم استجواب رئيس مجلس الوزراء، والتي من أخطرها في اعتقادي اقحام شيوخ القبائل وفتاوى الدين في الصراع السياسي.
فلقد رأينا كيف تم استغلال بعض شيوخ القبائل في دعم وتأييد الفريق الداعم لسمو رئيس الوزراء من خلال استضافتهم في القنوات الفضائية، أو نشر إعلانات مدفوعة الأجر، والله أعلم من المتكفل بدفع قيمتها، وتصوير الصراع السياسي على أنه بين أعضاء مجلس الأمة وبين الدولة، واتضح ذلك من خلال طرح قضية السمع والطاعة لولي الأمر، والتي هي في الأصل ليست محلا للنزاع ولا يختلف عليها اثنان. وشيوخ القبائل لهم الاحترام والتقدير، ولكني أتساءل أين دورهم، ولماذا لم تتم استضافتهم للرد على من اتهمهم وقبائلهم بأنهم (...)، ولماذا لم يسمح لهم بالتأكيد على ولائهم للكويت وأميرها أمام الهجمة التي كانت تقودها بعض قنوات الفتنة في موضوع مزدوجي الجنسية، وللأسف أنهم تمت استضافتهم في بعضها ما يتناسب مع هوى ورغبة أصحابها، ومع ذلك لم تتم مقاطعتها من قبل أولئك الشيوخ. لقد كتب الدكتور خالد القحص مقالة جميلة بعنوان «ملاحظات على بيان قبيلة عنزة» في إحدى الصحف المحلية أتمنى من القراء الكرام قراءتها.
وأما شيوخ الدين واقحامهم في الموضوع فحدّث ولاحرج، حيث تذرع بهم بعض الأعضاء، ومما يتألم له الإنسان أن نجعل الفتوى وفقا لهوانا، ونتمسك بشعار طاعة ولي الأمر إذا كانت متوافقة مع مصالحنا، وأنا أعرف بعضا من هؤلاء المشايخ ممن هو مقصر في عمله، وقد حصل على تقادير متدنية في تقويم كفاءته لسنوات عدة، وكان لا يلتزم بقرارات وزارته، ثم هو بعد ذلك يتحدث عن طاعة ولي الأمر، وأذكر هذا الشيخ بقوله تعالى «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون». البقرة.
أيها الكرام ما زال بعض المطبلين يحرضون السلطة والناس على نواب المجلس، الذين وقفوا مع استجواب سمو رئيس الوزراء، وطلب عدم التعاون معه، وقد وجدت فتوى رائعة لأستاذ الشريعة في جامعة الكويت الدكتور حاكم المطيري حول الموضوع، حينما سئل عن حكم استجواب رئيس الوزراء وهل هذا من الأمور المحرمة، وهل تعتبر مخالفة لولي الأمر أم لا؟ فكان من إجابته قوله:
هذا القول باطل من وجوه:
منها: أن أعضاء مجلس الأمة هم من أهل الحل والعقد فيدخلون في عموم الآية «... وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»، فلفظ أولي الأمر جمع مضاف يفيد العموم فلا يجوز تخصيصه بفرد بعينه!
ومنها: أن حكم الله في مثل هذه الأمور السياسية الشرعية هو الشورى كما قال تعالى «وأمرهم شورى بينهم»، فلا يلزم أحد من أهل الشورى أن يطيع أحدا بل كل يبدي رأيه في ما يراه عدلاً وحقاً ومصلحة، ولو وجب على أهل الشورى طاعة أحد حال تشاورهم في أمر من الأمور لبطلت الشورى أصلا.
ومنها: أن الأمر في هذا الاستجواب راجع للعقد كما قال تعالى «يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود»، وفي الحديث، المؤمنون على شروطهم، ويدخل في ذلك صلاحيات أعضاء مجلس الأمة وحقهم في مسائلة الوزراء ورئيس الحكومة، وطرح الثقة فيهم فلا يصادر هذا الحق، الذي نص عليه العقد الدستوري بين الأمة والسلطة تحت ذريعة طاعة أولى الأمر، وقد اختصرت في نقل بقية الفتوى لضيق المساحة.
ختاما أتمنى من جميع المختلفين الالتزام بأدب الخلاف، وألا يقعوا في خلق الفجور في الخصومة، والتي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها من صفات المنافقين، ذلك الخلق الذي قد يدفع صاحبه إلى استخدام وسائل غير مشروعة للانتصار على خصمه. وصدق تعالى إذ يقول «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لاتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى».


عبدالعزيز صباح الفضلي
كاتب كويتي
Alfadli-a@hotmail.com