رحمكِ اللهُ يا أُمّي فقد أخبرتِني أن إسرائيلَ «الراغبةَ في السلام!»، كان طيرانُها الحربي يُلقي على سهول وجبال لبنان من جهة سورية لُعَباً صغيرة وساعاتٍ يدوية مُذَهَّبةً لا يكاد يُمسِكُها طفلٌ إلاّ انفجرت به. بالتأكيد ليس الكلام أسهل من العمل في أرض الواقع لأن المتكلم سيحاسَبُ على تصريحاته سواءً كانت وعوداً أو معلومات تَبَنّى صِحَّتَها، لذلك نلحظُ اليوم ونحن على أبواب عام جديد أنَّ تنفيذ قرار الرئيس أوباما بشأن إغلاق معتقل غوانتانامو يواجه حتى الآن صعوبات قانونية تحول دون نقل بعض المعتقلين إلى سجون أخرى، لكن الأمر كيْ يتمَّ سيتوقف على إرادة الجمهوريين في العمل لمعالجة هذه المسألة سياسياً وليس إعلامياً، ربما هدأتْ لغة الإعلام المبنية على التسلُّط والمحاسبة التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه دول الشرق خصوصا بما يرتبط بالقضية المركزية، وبما يتعلَّق بالدعوة إلى التغيير في أسلوب الحكم في المنطقة دافعةً نحو مزيد مما تُطلق عليه «ديموقراطية»، ولعلنا نقف بتمعُّنٍ عند الدعوة الأميركية نحو الديموقراطية لعدَّة ملاحظات يجدر أن ننتبه إليها؛ فما تمارسه أميركا تجاه الأفراد في الداخل الأميركي لم يعد ذاك الحلُم الأخضر في عيون أبنائها وعيون المهجرين إليها، مع التفاوت الأكيد بين ما يعيشه الناس من حرية واضحة هناك إنْ قارنّاها بديموقراطية العرب! ومع ذاك نحن بصدد الحديث عن ازدواجية لم تتنازل عنها السياسة الأميركية في أرض الواقع في المنطقة وفي العالَم رغم ما شنَّفَ به الرئيسُ أوباما مسامعنا من كلام يحمل بطيّاته التهدئة والنوايا الحسنة تجاه الشرق؛ العجيب أن تصرِّح إسرائيل أنَّ ما أقدمتْ وتقدم عليه من عدوان هو حقٌّ مشروع لها للدفاع عن نفسها؛ إنها تعزفُ على وتر شَرْعنةِ ممارساتها ونحن العرب دون وعي نرقصُ على ذاك العزف حين تعلن السلطات المصرية أنها تمكنت من ضبط مخزن للأسلحة بوسط سيناء في إطار مساعيها للتصدي لأي نشاط يتعلق بتهريب السلاح أو تخزين السلاح لصالح عمليات التهريب إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، صحيح أن خلاف الأشقاء في فلسطين صار أمراً مؤسفاً والحديث فيه ممجوجٌ لكنَّ أميركا هي مَنْ يرعى إسرائيلَ سياسياً وأمنياً، بينما يُغذّي الفلسطينيون أنفسُهم نارَ الفتنة بينهم! أميركا تدعو بكل صراحة إلى إحلال الديموقراطية في المنطقة وبررت حروبها بذلك بينما لا تُمانع التعامل رئيس فلسطيني منتهية ولايتُه ولا ترى انتهاء الولاية سبباً لعدم شرعية التعامل معه، أمر مؤسف أيضاً أن تعتبر إسرائيل كلَّ ممارساتها دفاعاً عن النفس وترفض الاعتذار لتركيا لما أقدمتْ عليه من عدوان، ولو كنا منصفين وعدنا للتاريخ سنرى أن الإسرائيليين دخلوا فلسطين عنوة، فهل عنصر التقادم على تلك الجريمة أو غيرها يُسقط حقَّ المجني عليه في الاقتصاص أو باسترداد حقِّه؟! إن الدعوة الاسرائيلية إلى تفاوضٍ على تسوية مرحلية جرداء أمر غير مقبول في نظر العرب، وحتى لو وجد الإسرائيليون من العرب مَنْ يُسوِّي القضية على مراحل تُوصِلُ إلى تصفية الحقوق وضياعها، فالوقت جزءٌ من عودة الحقَّ لأهله في ما بعد، أما أميركا التي تسعى لإحلال السلام إعلامياً فأمامها دور سياسي وأمني يمكنها التحرُّك من خلاله بشكل حقيقي، والرئيس أوباما الذي وقَّع قرار إغلاق معتقل غوانتنامو إعلامياً عليه أن يسعى لذلك سياسياً قبل التورط مع الإعلام، وأمامه الكثير من الإصلاحات الداخلية قبل التدخُّل بشؤون الشرق. وكل عام وأنتم بخير.


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com