نعم الوطن ووحدةُ الوطنِ فوق كل اعتبار، وحماية الوطن ووحدته لا شك أنها مسؤولية القائد ويسانده المخلصون من أبناء الوطن؛ الدوران في فلك القوي والتناغم مع قوته أمر واقع بين البشر، فمَنْ لم يكنْ قوياً ولا يستطيع مصارعةَ القويِّ والتغلبَ عليه أمامه اختياران: إما أن يصاحبَه ويصبحَ أمام العالَم صديقاً للقويِّ، أو أن يكون فريسةً أمامه؛ والقوة في عالمنا ليس قوة عضلات ولا سلاح إنما تُختزلُ القوة في فهم الأمور وضبط اللسان ومعرفة مواضع الكلام؛ لذلك قالتِ العربُ: «المرءُ مَخْفِيٌّ تحت لسانه فإذا تكلَّم عُرِفَ»، تلك هي الحكمة وتلك هي السياسة والوطن فوق الجميع، عبدالحليم حافظ صوتُ العندليبِ وآسرُ القلوب ومُشجي الأسماع؛ فإنْ تحدثنا عن صوته أغرتْنا الكلماتُ في وصفه واستحضرَ الفؤادُ أشجانَه، أما صورتُه فهو الشاب الوسيمُ في إطلالته اللطيف في حضوره، مَلَكَ قلوبَ المحبين، واستنفر أشواق العاشقين ويا لها من أُمسية نستمتع فيها مع عبدالحليم حافظ، أما عبدالحليم خدام فلا يُسمِعُنا صوتَه إلاّ في أوقات خاصة وظروف أكثرَ خصوصية ترتبط بأجندات غامضة؛ فلا صوته مقبول ولا الصورة السياسية التي وضع نفسَه فيها مقبولة عند الدول والأحزاب والأفراد. عبدالحليم حافظ ترك للملايين أجمل الذكريات وأغلى المذكرات تحمل في مضامينها الوفاء للوطن والشوق للمحبوب والتفاني من أجل المعشوق، ولم يتجاهل حاجات الناس في فَنِّه وترك لهم ما يُلامس الصدق والوفاء في أنفسهم، أمّا عبدالحليم خدام فقد أطلَّ علينا بجانب من ذكرياته تجاه سورية وإيران والمنطقة وتجاهل جوانب هي الأوْلى أن يبدأ بالكتابة عنها ترتبط بنشاطه المشبوه داخل سورية، بدلاً من الحديث عن المنطقة وإيران. عبدالحليم حافظ لم يجرِ وراء المال ولم تكنِ الشهرةُ قصدَه وقد جاءتْه تحت قدميه، عبدالحليم حافظ كسب وطنه وأبناء وطنه وحب مَنْ حوله وأنشدَ للعروبة وزار عواصمها وغنّى لأهلها وقلَّما تجد له خصماً، أمّا عبدالحليم خدام فقد خسر مصداقيته حينما استسلم لنداء العدوان على وطنه؛ وشارك آملاً أنْ تصبح سورية عراقاً ثانياً! وخسر استماع العرب له وكسب حذر العالَم منه فكانت الحالُ التي وصل إليها نتيجةً بدهية لمقدِّمات واضحة؛ فمَنْ لا ينفعُ وطنَه لنْ يحملَ النفعَ للآخرين. عبدالحليم حافظ قدَّم للناس بعد رحيله ما يخلِّدُ ذكراه ويعمِّقُ حبَّهُ في قلوبهم، وحصد الفوزَ بصوته وشخصيته وحضوره نحو القمة في الأداء، الناس يُقدِّمون أرواحَهم من أجل الوطن والوحدة الوطنية، أمّا عبدالحليم خدام فقد خسر نفسه حينما خسر وطنه.


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan9@hotmail.com