فجأة وفي ظرف شهر، تغير كل شيء في انتخابات الرئاسة الأميركية. في الأسبوع الأول من يناير – كانون الثاني الماضي، كان جون ماكين يحتل المركز الثالث بين المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأميركية. لم تكن لديه سوى نسبة ستة عشرة في المئة من الأصوات، استناداً إلى استطلاعات الرأي العام. كان متخلفاً على رودولف جولياني ومايك هوكابي ومتساوياً مع ميت رومني الذي أعلن انسحابه من السباق الرئاسي منذ أيام. قبل ذلك انكفأ جولياني فجأة بعدما اكتشف أن الاستطلاعات شيء والتأييد الفعلي شيء آخر. كان جولياني بين أوائل المنسحبين بعدما خذله الناخبون باكراً، علماً بأنه كان متقدماً في البداية من منطلق أنه رجل المحافظة على الأمن ومحاربة الإرهاب.بعد «الثلاثاء الكبير» أي يوم الخامس من فبراير – شباط الجاري، حين صوّت الأميركيون في اثنتين وعشرين ولاية لاختيار مرشحهم عن أحد الحزبين لانتخابات الرئاسة، خلت ساحة الجمهوريين لماكين الذي يستطيع الانصراف منذ الآن للإعداد للمواجهة الكبرى في الرابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني المقبل، موعد الانتخابات الرئاسية. باستثناء القس السابق مايك هوكابي، لم يعد من وجود لمنافس جمهوري جدي لماكين. عاجلاً أم آجلاً، سيضطر هوكابي، الحاكم السابق لولاية أركنساو ، إلى الانسحاب... إلا إذا قرر ماكين أن يأخذه على لائحته كمرشح لموقع نائب الرئيس. في المقابل، تبين أن الحزب الديموقراطي لم يحسم أمره بعد وأن المنافسة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما ستطول إلى حين انعقاد المؤتمر العام للديموقراطيين بين الخامس والعشرين والثامن والعشرين من أغسطس ـ آب المقبل في دنفر( ولاية كولورادو). وهذا سيشكل في حد ذاته مشكلة كبيرة للمرشح الديموقراطي الذين لن يكون أمامه سوى شهرين، أي سبتمبر وأكتوبر، للأعداد للمواجهة الحاسمة مع ماكين.يبقى السؤال الأساسي: ما الذي جعل ماكين يتقدم بكل هذه السرعة ويضمن ترشيح الحزب الجمهوري ويتحول إلى صاحب حظ حقيقي في أن يكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة، أي للقوة العظمى الوحيدة في العالم؟ الجواب أن الأميركيين يرون في ماكين الرجل المجرب الذي يوحي لهم بالثقة. لا ينسون أنه طيار سابق شارك في حرب فيتنام وأسر طوال خمس سنوات وتعرض لكل أنواع التعذيب بعد إسقاط طائرته في شمال فيتنام. إلى الآن لا يزال ماكين يحرك ذراعه اليسرى بصعوبة بسبب طعنة بآلة حادة وجهها له جندي فيتنامي مباشرة بعد سقوطه في الأسر. قاوم الضابط الطيار الشاب المحققين الفيتناميين الذين أتقنوا فنون التعذيب مع الأسرى الأميركيين، خصوصاً الطيارين منهم الذين كانوا يقصفون هانوي من دون رحمة. احترم الطيار ماكين شرفه العسكري ولم يدل بأي اعترافات يمكن أن يستفيد منها من كان يعتبر «العدو». وصل به الأمر في مرحلة معينة إلى محاولة الانتحار كي لا يضطر إلى الإدلاء بأي أسرار عسكرية تحت ضغط التعذيب. كل ما يمكن قوله من الآن، ان ماكين سيتبع، في حال وصوله إلى الرئاسة سياسة محافظة إلى حد ما تتطابق في الجوهر مع سياسة إدارة بوش الابن على الصعيد الخارجي وتختلف معها في بعض التفاصيل على الصعيد الداخلي. لعل أفضل تعبير عن سياسة ماكين المتوقعة تأييده حرب العراق مع معارضته التعذيب الذي يمارسه المحققون الأميركيون في السجون العراقية أو في معتقل غوانتانامو وتأييده اتباع سياسة تتسم بالليبرالية في ما يخص الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة. والأهم من ذلك أن المرشح الجمهوري للرئاسة لا يخفي عداءه للنظام الإيراني ويعتبر أن الانسحاب من العراق يجب ألا يتم قبل تحقيق «انتصار» على الأرض.ما يمكن استخلاصه من نتائج «الثلاثاء الكبير» أن الأميركيين، عموماً وفي ظل الهدوء النسبي الذي يشهده العراق، على غير استعداد لتغيير كبير. ولهذا السبب صب الجمهوريون أصواتهم على جون ماكين الذي سيكون، في حال وصوله إلى البيت الأبيض، أكبر الرؤساء سناً. سيتسلم الرئاسة وهو في الثانية والسبعين، في حين، كان رونالد ريغان في السبعين عندما تولى مهماته مطلع العام 1981.من الباكر التكهن بأن الطريق إلى الرئاسة ستكون سهلة أمام جون ماكين، إلا أن اللافت أن الحزب الديموقراطي الذي يتنافس على ترشيحه امرأة ورجل أسود اختار أن تكون معركة الرئاسة المقبلة بمثابة مغامرة لا يبدو الأميركيون مهيئين لخوضها. وفي حال كان المرء يريد أن يكون موضوعياً قدر الإمكان، في استطاعته القول إن لهيلاري كلينتون بعض الأمل في هزيمة جون ماكين في حين أن فرص باراك أوباما شبه معدومة... في غياب معجزة. تعود الفرص المتوافرة لهيلاري إلى أن زوجها كان رئيساً ناجحاً طوال ثماني سنوات. امتنع بيل كلينتون عن خوض معارك خارجية، أقرب إلى المغامرات من أي شيء آخر. اتبع سياسة «الاحتواء» مع كل من العراق وإيران وركز على الاقتصاد الذي ازدهر في أيامه على نحو لم تشهده أميركا في الماضي. سيكتفي أوباما بالتمتع بالنجومية التي أتاحها له النظام السياسي الأميركي وستكون تجربته دليلاً على أن المجتمع الأميركي يتغير وأنه صار أكثر انفتاحاً... لكن أميركا، تظل في العمق مجتمعاً محافظاً لا يتقبل رجلاً أسود من أصول إسلامية رئيساً وذلك حتى لو كان أوباما بروتستانتيا الآن ووالدته بيضاء. سيتحقق ذلك في يوم من الأيام، إلا أن ساعة باراك حسين أوباما لم تأت بعد.يُعتبر الرجل من دون أدنى شك سياسياً لامعاً يمتلك قدرة كبيرة على جذب الليبراليين والمثقفين والسود، لكن من الواضح أن الأميركيين العاديين مازالوا يخشون تعرض بلدهم لانقلاب. قد يقبلون بأن يترشح أوباما إلى جانب هيلاري كنائب للرئيس فيزيد من فرصها في الفوز. لن يذهبوا إلى أبعد من ذلك، سينطوون على أنفسهم معتبرين أن جون ماكين لن يكون رجل مفاجآت وانقلابات هم في غنى عنها... وأن هيلاري، في حال فوزها لن تقدم، أقله على الصعيد الخارجي، أي خطوة لم يقدم عليها زوجها عندما كان في البيت الأبيض...من الآن، يمكن التكهن بأن المعركة ستكون بين هيلاري وماكين، علماً بأن الأخير يفضل خوضها في مواجهة أوباما كونه يدرك أن مواطنيه ليسوا مهيئين بعد لرئيس أسود أو حتى نصف أسود لا ينتمي إلى ما يسمى بـ«الواسب»، أي فئة البيض البروتستانت من أصول أنغلو - ساكسونية. كان انتخاب الكاثوليكي جون كينيدي استثناء... ليس ما يشير إلى أن ثمة توجهاً لأي نوع من المغامرات الجديدة لدى الجمهور الأميركي!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن