كان لخطاب رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي أثناء افتتاح دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الثالث عشر لمجلس الأمة أكبر الاثر على السلطتين التشريعية والتنفيذية وذلك لما يتضمن هذا الخطاب الرئاسي البرلماني من معانٍ حكيمة ونصائح رشيدة تضمنها اللوم الأبوي على السلطتين، مبتدئاً بقول: ان العالم انشغل بمستجدات هذا العقد وتحدياته، فهل نحن انشغلنا بذلك أيضاً؟ فقد كانت لنا انجازات وخطوات للأمام ولكن كانت هناك كذلك فرصاً ضائعة وخطوات للوراء، وفيها جميعاً لم تكن الرؤية واضحة محددة ولا الطريق سهلة ممهدة، مخاطباً الجميع بأن الأداء السياسي لم يكن يبعث على الاطمئنان، ولم يكن العمل الإنمائي بمستوى التحديات، ولكن كان العمل الوطني لا يخرج من أزمة حتى يدخل بأخرى، إلى أن أصبح التأمل بالمستقبل في ظل ذلك يبعث على القلق، محذراً من أن رؤية الكويت الاستراتيجية وتحدياتها الكبيرة حتى عام 2015 نتائجها ستكون باهظة الثمن إذا بقيت أوضاعنا وأساليبنا على حالها!
أما في شأن الاقتصاد فقد ذكر الرئيس الخرافي انه لا يزال يعاني من نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية فأصبحت البلاد تشهد حالة من الركود والتراجع في أداء القطاعين العام والخاص نتيجة غياب المعالجة الجذرية والفعالة لاحتواء تلك النتائج، مبيناً ان مواجهة ذلك تكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة ويجب أن تكون من خلال اجراءات فعالة وسريعة. وأشار الرئيس جاسم الخرافي في خطابه الى قطاعات التعليم والصحة والاسكان والبنية التحتية التي تشكل المقومات الضرورية للنمو الاقتصادي والتنمية والقاعدة لتطور مجتمعنا وأمانه ولكنها جميعاً أصابتها حالة من الجمود والركود، ما يجعل الحركة السريعة والقرار الوطني والأداء الانمائي الفعال لاصلاح وتطوير تلك القطاعات أمراً «لا يحتمل التأخير» في المرحلة المقبلة، فالواجب الوطني يحتم علينا اليوم «الادراك الدقيق» لضروريات المرحلة المقبلة وتحدياتها والنظر المتعمد بأسباب التعثر ومعالجتها والالتفات الى «الأولويات» والتركيز عليها وتكريس عوامل الانجاز وتعزيزها، والعمل على أن تكون «ممارستنا الديموقراطية» أداء بناء ووسيلة تقدم، يزدهر بها «الوطن» وينعم بثمارها «الشعب».
ثم أشار الرئيس الخرافي الى «خطة التنمية» التي تم اعتمادها من قبل المجلس، هي احدى البدائل المتاحة التي ينبغي التيقن من أن تنفيذها سيحقق النتائج المطلوبة، ويجب أن تكون اداة للتنمية الحقيقية، لا مصدراً لتمويل معالجات جزئية أو حلولاً موقتة، أو وسيلة لهدر الموارد المالية
في دهاليز السياسة، مؤكداً بأن على الحكومة أن تلتزم بذلك وتعمل بروح الشراكة الوطنية الحقيقية مع مختلف أجهزة الدولة وقطاعات المجتمع في جميع مراحل التنفيذ، وتنفيذ الخطة يجب أن يتسق مع الأهداف الاستراتيجية الوطنية طويلة الأمد... هذا وقد شكر الرئيس الخرافي في خطابه التاريخي سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد على حرصه وجهوده في التعاون مع مجلس الأمة، حيث ان سمة التعاون بين السلطتين هي حجر الزاوية في المرحلة المقبلة، ويجب أن تكون وفق «قاعدة»، لا استثناء، وستكون فعالية الأداء الحكومي ومصداقيته هما المقياس الحقيقي، فعلى الحكومة أن تلتزم بتنفيذ برنامج عملها وفق معايير الجودة والكفاءة والشفافية، ثم وجه خطابه لاخوانه السادة الأعضاء قائلاً: على مجلس الأمة أن يكون نموذجاً في الاداء البرلماني، وقدوة في ممارسة الديموقراطية، ومثالاً في ترسيخ مبادئها وقيمها، مضيفاً بأن الرقابة يجب أن تكون رشيدة وعقلانية والتشريع ينبغي أن يكون محكماً وواقعياً، ناصحاً اخوانه على أن الكرامات يجب أن تصان، والحوار ينبغي أن يكون راقياً... ومؤكداً حرصه على تقديم الأولويات من القضايا وتأجيل ما يحتمل التأجيل، وأن يسرع المجلس في المعالجة، قائلاً «نعزز جوانب الاتفاق ونتيح الفرصة للحوار في نقاط الاختلاف، ونتحاور بهدوء وموضوعية ونحتكم للاجراءات الديموقراطية وقرار الأغلبية يجب أن يحترم وحقوق الأقلية يجب أن تصان في كل الأحوال.
وأضاف الرئيس الخرافي أن المصلحة الوطنية العليا ومصلحة جميع أطياف مجتمعنا وفئاته في أن يستقر العمل السياسي على قاعدة متينة من الوحدة الوطنية، يصونها الجميع بسديد القول وحكيم الخطاب في معالجة الأحداث والمستجدات. ثم وجه الرئيس الخرافي خطابه الرئاسي الى صاحب الحكمة، صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد قائلاً: «لقد أكدتم بحق ياصاحب السمو في أكثر من مناسبة على أن (وحدتنا الوطنية) هي صمام الأمن والأمان لنا جميعاً، وعلى ضرورة أن ينأى الجميع عن كل ما من شأنه أن يؤدي الى إثارة النزعات الطائفية أو القبلية أو يبث روح الفرقة والتعصب ويشن وحدة الصف، وذلك ما يجب أن يكون من الثوابت الوطنية التي يلتزم بها الجميع، مؤكداً ان الديموقراطية ليست مسرحاً للنزاع والانقسام ولكنها نظام للوحدة والوئام، تتعزز فيه العلاقات الاجتماعية وتترسخ في اطار الوحدة الوطنية فتكون وسيلتنا للتقدم والازدهار».
هذا وفي المقال المقبل إن شاء الله سنكمل بقية أهم النقاط المحلية والدولية التي سلّط عليها الضوء الرئيس جاسم الخرافي في خطابه الرشيد أثناء افتتاح دور الانعقاد الحالي لمجلس الأمة بحضور أعضاء السلطتين، متمنياً لهم التوفيق والسداد. حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
alfairouz61_alrai@yahoo.com