هل تخترق حركتا «فتح» و«حماس» جدار الصمت القائم بينهما وترحبان بحوار عربي جديد يطوي صفحة النزاع والاقتتال الداخلي بينهما، أم أن الاستيطان الإسرائيلي هو العامل الوحيد الذي يعرقل أي إمكانية لتقدم التسوية بينهما؟ أسئلة كلها تدور في خلد المتابعين لحال الانقسام السياسي على الساحة الفلسطينية. ورغم وجود مبادرات واتصالات عربية وخليجية لترتيب مصالحة فلسطينية - فلسطينية، لكنها دائماً ما تواجه بالعوائق التي تشتت هذه الجهود القومية، في الوقت الذي توجد فيه لدى الطرفين رغبة واستعداد لاستئناف الحوار مع تمسكهما بشرعية الرئيس محمود عباس، إلا أن الطرف المسيطر على شرعية الأمور غالباً ما يضع شروطاً تعجيزية وغير شعبية، وهو الأمر الذي يشتت مصلحة الحركتين الوطنيتين في تشكيل حكومة وحدة وطنية، ناهيك عن شد الحبال الحاصل بين مراكز القوى بحركة «حماس» من أجل الإدارة والتفاوض باسمها، ولعل ما يحدث بين محمود الزهار وخالد مشعل، من تصادمات في الرأي، وانتقاداتهما لبعضهما البعض، خير دليل على هذا القول، وبالتالي فإن حركة «فتح» تصطدم كثيراً باختلاف مرجعيات حركة «حماس»، وهذا يؤدي بدوره إلى فشل مستمر في المفاوضات بالداخل، وعدم وجود توافق وطني موحد، وهو ما يؤثر سلباً على تدعيم فكرة إجراء أي انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة على الأراضي الفلسطينية. نحن أمام حركتين تعانيان من تفكك داخلي وانقسام بين قياداتها، والشعب محروم من حقوقه وواجباته الدستورية. وقد لاحظنا أيضاً الخطوة الأخيرة التي خطاها الرئيس محمود عباس، عند مغادرته القصر الرئاسي في القاهرة، فقد شن هجوماً حاداً على حركة «حماس» ورفض الحوار معها قبل العودة عن انقلابها على الشرعية، وهو موقف انفرادي قد ينسف جميع الجهود المبذولة للتقريب بين حركتي «فتح» و«حماس»، رافضاً الاعتراف بأي شرعية لها ومؤكداً على وجود سلطة فلسطينية واحدة، وقال بلغة حادة: «إن (حماس) ليست جهة شرعية وإنما جهة انقلابية، فكيف أتحاور معها؟». الرئيس عباس رفض التعاون مع حركة «حماس» على القضايا الفلسطينية المصيرية، والتي من أهمها قضية المعابر التي تخص الفلسطينيين كلهم في الداخل، مبدياً رغبة السلطة الفلسطينية واستعدادها لتسلم قضية المعابر وحدها تحت مظلة الاتفاقيات الدولية التي تطلق عليها الاتفاقية الخماسية، فالرئيس عباس لا يزال يرفض أي عمل وطني يتدخل فيه قادة حركة «حماس»، حتى وإن كان للمصلحة العامة، قبل خضوعها إلى ثلاث نقاط يطمح إليها وهي: التراجع عن انقلابها، وأن تقبل بالشرعية الدولية، ثم أن تقبل بالانتخابات الشرعية المبكرة التي يحددها. والسؤال هنا: هل ستقبل حركة «حماس» الالتزام بهذه البنود، حتى يتم عليه تطبيق لغة الحوار الوطني الهادف بينهما، أم أن رأي الرئيس عباس مرفوض كونه يعتبر تحدياً للرأي العام الفلسطيني؟إن إصرار الرئيس عباس على تطبيق الخطة الأمنية الإسرائيلية في إدارة المعابر خطة فلسطينية فاشلة، باعتبارها تدور في محور واحد، ويعزز الدور الإسرائيلي على تطبيق الحصار وتحقيق أهدافه، حتى إن كان ذلك بالرجوع نحو تطبيق اتفاقية 2005 للمعابر، هذا بالإضافة إلى اعتراف المسؤولين الإسرائيليين بالإخفاق السياسي في تحقيق خطة الحصار على قطاع غزة بعد هدم جزء كبير من الجدار الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر من قبل ناشطي ومقاومي حركة «حماس».منذ أن اقتحم آلاف الفلسطينيين معبر رفح بحثاً عن الغذاء والدواء، وبسبب إحكام إسرائيل حصارها، حتى بدأت أزمة المعابر تتأزم شيئاً فشيئاً إلى أن أصبحت ظاهرة مخيفة لدى الشعب الفلسطيني في الداخل، وأصبحت نقطة خلاف بين حركتي «حماس» و«فتح» على كيفية إداراتها بالشكل الصحيح الذي يتلاءم مع متطلبات الشعب الفلسطيني، والخلاف بين الحركتين جعل السلطات المصرية تقوم بإغلاق نقطة العبور الوحيدة التي تتجه نحو قطاع غزة لمنع دخول الإرهابيين حفاظاً على الأمن القومي المصري، وبذلك ازدادت حالات من الاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن المصرية ومجموعة من النازحين الفلسطينيين الذين هم في حاجة ماسة للغذاء والدواء، وقد اعتذر قادة حركة «حماس» للسلطات المصرية من تصرف بعض الأشخاص على الحدود، مؤكدين أن «حماس» لن تكون جزءاً من تهديد الأمن القومي في مصر. وعلى ضوء هذه الأحداث تعهدت حركة «حماس» بالتعاون مع الأمن المصري لضبط الحدود بين قطاع غزة ومصر بعيداً عن متطلبات الرئيس محمود عباس الذي يصر على فرض رأيه المخالف لطموحات الشعب الفلسطيني، مصراً على أن يدير ظهره لمبادرات قادة «حماس» من أجل إنهاء الأطماع الإسرائيلية والحصار الجائر الذي تسبب بموت الكثيرين من المرضى الفلسطينيين، فضلاً عن الباقين المهددين بالموت المحقق بسبب الحصار. وفي هذا السياق، ازدادت معاناة الدول العربية والإسلامية التي ترغب بمساعدة الشعب الفلسطيني داخل قطاع غزة، ومن ضمنها دولة الكويت التي عانت من إغلاق المعبر الحدودي بين مصر وفلسطين ومن الإجراءات المصرية، الأمر الذي ساعد على تأخير المعونات الكويتية الأهلية والحكومية إلى قطاع غزة، ناهيك عن منع مساعدات الهلال الأحمر الكويتي من توصيل المعونات إلى داخل غزة وتسليمها فقط إلى الهلال الأحمر المصري، والذي بدوره قد يعيق هذا الدور الإنساني النبيل.حقيقة نحن بدورنا نشكر الدور الإنساني الذي وقف فيه رئيس مجلس الأمة الكويتي السيد جاسم الخرافي بجانب الشعب الفلسطيني في غزة، وقيامه بتسهيل مرور قوافل التبرعات للقطاعات الفلسطينية عن طريق اتصاله بالسلطات المصرية لتسهيل الأمور، والشكر الجزيل للنائب وليد الطبطبائي على الدور الذي أجاده على الحدود المصرية - الفلسطينية ميدانياً لإيصال الصوت الكويتي المتضامن مع إخوانه في فلسطين رغم برودة الجو القارس هناك. ولكل حادث حديث.

علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي كويتي