| رؤية : ليلى أحمد |
 حين تصفع وجنتيك لفحات الهواء البارد في العاصمة البريطانية لندن، تلم ذراعيك على صدرك، لتحمي قلبك الصغير ولتعود به الى حيث أول انفاسك في رحم أمك، تعود جنينا تبحث عن حنان تلجأ اليه.**
أو قد تستجدي الدفء من ذاكرتك المغتربة، لتستنجد بصور وذكريات وأشخاص قادرين على منحك دفء الضحكات اللازمة.
الا ان لندن الصقيعية الهوى... خربت، ماعادت هي بلاد الضباب التي زرتها قبل ثلاثين عاما، فالشمس تطلع لك في أغلب أيام الاسبوع، وترى كيف انسحبت فلول الغيوم الرمادية الداكنة التي كانت كجيوش عسكرية بملايين الافراد، تسمع طرقعة ضربات أحذيتها بعضها ببعض، فتهطل فجأة على رأسك سيول الامطار.
كنت زمان أشعر ان سيول المياه الدافقة الهاطلة من سماء لندن، هي دموع كل الامهات اللواتي يبكين مصائر ابنائهن الشهداء، واشعر بشجن عظيم، ورغبة في البكاء الصامت، خصوصا حين أتذكر ما فعلته الحروب العالمية الاولى والثانية وكل الحروب في اي مكان بالدنيا، التي أكلت بنيرانها المجنونة لحوم ملايين الشباب اليافع الذين ذهبوا لمجانية الموت وقودا لمعاركها القذرة، بحسب رغبة سلطة تجار الحروب الراغبين في الكسب وبسط النفوذ على بقاع الدنيا.
ان التغيرات المناخية تداهم العالم قاطبة، ولم ترحم صرامة الامبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس فدخلت عليهم.
نسمات هواء لطيفة هي سمة أوائل شهر اكتوبر، برودة منعشة تجعل «الجاكيت» رفيقك الدائم تحمله مرة، وتلبسه مرات، والحذاء الرياضي هو العملة الموحدة بين جميع البشر في جميع عواصم العالم، عملة... وحدت الشعوب المختلفة بما يرتدونه في أقدامهم من احذية، وإن اختلفت ما تحمله رؤوسهم من افكار وايدلوجيات وعقائد وغيرها
لندن غييييييير الآن ...
قبل ثلاثين عاما كانت غارقة في انكليزيتها المتحفظة، وكنت أبرر تحفظهم و«برودهم» بسبب البيئة وتاريخهم الحضاري الطويل والحروب التي خاضوها في معارك توسعهم على الكرة الارضية، فهي من اقدم بلاد العالم، وقدر الأقدم تاريخا ان يكونوا حكماء وهادئين ومتحفظين.
حين نذهب الى لندن أو موسكو أو أميركا أو يمكن الاسكيمو وحتى القطب الشمالي المتجمد، فإننا حتما نأخذ طبائعنا معنا، نذهب ومعنا سرعة «قذائف» انفعالاتنا، و«هيصتنا» وسعادتنا او غضبنا السريع وحتى تأففنا مما لا يعجبنا.
ان الشمس التي تغلي فوق رؤوسنا جعلت طبيعتنا ساخنة، وعفوية منطلقة لا تحتمل الصبر والتأني، لتصدير ردود أفعالنا، الشمس طبخت بحرارتها أمخاخنا، لذا «ما» نقصر ونخطئ كثيرا، بسبب سرعة إصدار أحكامنا على الآخرين... وحتى سرعة اتخاذ القرارات الانفعالية التي قد لانجدها لدى الشعب الانكليزي العريق.
قلت.. انني كنت ابرر ان بلدهم الباردة الاجواء جعلتهم شعبا بطيء الايقاع في تصدير ردود أفعاله، ويمتاز بالتروي والتركيز قبل النطق بأي رأي... ترى نفسك في مجتمع بنى نفسه عبر آلاف السنين، مرت بحروب ودمار أهدرت طاقات البلد من بشر وحجر ومال وبنون نقلته عبر تراكم السنين الى حالة من الحضارية والرقي الانساني الآسر، التي هي فرز لقوانينها وتشريعاتها العادلة ونظام الحكم السياسي الديموقراطي المتعدد الاوجه، واستقلال القضاء، وحريات الصحافة وكافة أشكال التعبير المتاح للجميع.
لم اكن احبها انذاك، لانها كانت كائنا تحترم الاخر لكنها متحفظة في اظهار الود له، ونحن شعوب نحب أن يكون مرغوبا بنا اينما ولينا وجوهنا «الكلحاء الملحاء» على جغرافيا الكرة الارضية.
ميزة الانكليز التي جابتها حين دارت الكرة الارضية احتلالا، وعرفت شعوبا وقبائل مختلفة، الحس بقبول الاخر - مش مهم الشعور الأهم قبول الاخر واحترامه - وبالتالي فلمن لا يجيد اللغة الانكليزية أو ان لغته ركيكة، سيجد نفسه وقد غرق في الثقة بالنفس، وتفكر في الاستفادة من هذه الفرصة لوجودك بينهم، وتقرر تجويد أدائك ومقدراتك اللغوية، نعم تكسب الثقة، لانهم ببساطة لا يتمسخرون على أخطائك وبدلياتك اللغوية.
لندن غييييييييييير.... الانكليز امبراطورية لم تغب عنها الشمس وهي جملة تعني انها احتلت أغلب بلاد الكرة الارضية بما فيهم وطننا العربي ولسنوات طويلة وحاربها «الثوار» العرب حتى نالت أوطاننا حرياتها، فذاقوا «جماعتنا» الوطنيون حلاوة الكرسي، فتمسكوا به حتى الرمق الاخير، ليورثهم ابناؤهم، وليستمروا في تطبيق سياسة الوالد القائد الملهم، مخلفين لشعوبهم الدكتاتورية والفساد، ويتفرغ القادة الجدد في اشعال الفتن وفتائل الحروب بين شعوبها، لتبقى أطول مدة ممكنة حتى يورث الله الارض ومن عليها.
العرب في لندن كثيرون، منهم هاربون من سلطات بلادهم المتجبرة التي ترفض الرأي الاخر، منهم من عانى من اضطهاد عرقي بسبب دينه ومعتقده او أصله وجذوره، دول عربية ظلمت وتعسفت وتجبرت في استخدام السلطة الفردية فهرب الكثيرون من بلدانهم.
العرب كثر في لندن بتعدد اطيافهم فهم هاربون و...من طلاب اللجوء السياسي أو مقيمين بعد سرقات ضخمة لهفوها اثناء وجودهم بمناصب عالية في بلادهم او هاربين من احكام قضائية لم تصل لحد المطالبة عبر الانتربول...
تعددت الاسباب والعرب على « حطة ايدك»... حالهم واحد!
لندن محتلة من العرب، حتى انني لا ابالغ ان قلت ان القليلين من السياح ممن التقيتهم، قالوا انهم لم ينطقوا بكلمة! منذ حضورهم لبريطانيا،بسبب كثافة الوجود العربي!
حين دعتني الى دارتها صديقة عمري الأديبة السورية غالية قباني المقيمة في جنوب لندن، أخذت «تاكسي شخصي»، ليس الاسود الشهير الذي يستخدم العداد في الحسبة والحساب، انما آخر تطلبه على رقم إحدى الشركات المكون من ثلاثة أرقام، يتفق معك على سعر محدد، ويأتي اليك، هي شركة تستفيد ممن يريد العمل على سيارته بنظام الـ«بارت تايم» لزيادة دخله ويأخذك الى حيث تريد وهو ارخص كثيرا من التكسي الاسود الانكليزي الشهير.
على مائدة العشاء، جلسنا انا وغالية وزوجها، وهو يعمل رئيسا للقسم الثقافي في احدى الصحف العربية في لندن، أخذنا الحديث عن احوالنا الشخصية، وعما فعلته الغربة بوجدان صديقتي، والتي كان لها تأثير جبار في توجيهي في بدايات حياتي الصحافية.
لم نتحدث عن احوال البلاد والعباد هنا وهناك، ولم « نحلل» انحدار الواقع الثقافي العربي، ولا ( أيديولوجية التجار في ما فعلوه بشعوبهم من العيال الصغار ) انما كان حديثنا يشبهنا في إنسانيته عن يوميات حياتنا وذكر تفاصيل الهزائم والانتصار، بعد انتهاء وجبة العشاء بقينا جالسين الى الطاولة كعادة كل نساء الارض نستمر في الحديث الا اني لاحظت ان زوجها الفاضل حمل صحنه وذهب الى المطبخ.
«وييييييييه... وين هيبة الرياييل...» هذا ما صرخت به جدة جدتي التي نطت من تحت جلدي، وأكملت « لا والله حشا.... انت القاعد واحنا الحريم قايمين « الا انني ولله الحمد لم أتهور، فانا ألتقي زوج صديقتي للمرة الثانية، ولا يجوز كسر الحواجز مرة واحدة.. «فاستريحي يا كل مورثات جدتي».
الاحاديث الكثيرة جعلتني لا انسى المشهد، فالرجال في بيوت نساء العرب في بلاد العرب، مازالوا يريدون من المراة أن تكون متعددة المواهب، بدءا من السرير الى أن تكون ولودا، لتحمل ذريته «الموووت» اسمه التاريخي العظيم، وأن تكون أحسن شيف في المطبخ.
في بلاد الانكليز يجعلك الواقع الاقتصادي في حال متساوية مع الست بتاعتك، فهي مثلك تعمل وتشارك في الصرف على البيت وبالتالي على «الاخ» الزوج تقسيم المهمات والمسؤوليات البيتية والعناية بالاطفال أمر مشترك بينهم... أو ياللا في ستين داهية!
كتفان للمسؤوليات لا تفرق بينهم «جنس... الكتف» سواء كانت لرجل أو امرأة وعليهم لكي تستمر الحياة ان يكونوا متساوين ومتعاونين في كل شيء. وبالرغم من ان المرأة في البلاد العربية اقتحمت سوق العمل، فهي تدفع من دمها واعصابها ثمنا للحفاظ على الحياة الزوجية واستمرارها، مندفعة بهدف استقرار الاسرة وحماية الاطفال من تداعيات الطلاق.
هي تشارك «المحروس - زوجها» المسؤولية الاقتصادية في البيت، فأصبحت تتقاسم أقتصاد معه، فلماذا اذا تتحمل وحدها مسؤوليات البيت، ولماذا لا «يتطور» هذا المخلوق الذي اسمه رجل، فهي شريكة اقتصادية تعمل وتصرف على الحياة المشتركة مثلها مثله، وتغيير دورها التقليدي بالحياة بينما ظل هو عاطل الاحساس والفهم المعدوم تجاه زوجته و بيته، ووعي غائب على ان «الدنيا تغيرت وان زوجته شريكة وقوة اقتصادية لن يستطيع الاستغناء عنها» فعليه ان يتغير هو ايضا وفق متغيرات الواقع الاقتصادي والاجتماعي... بس مفيش فايدة.
ماذا نحتاج لكي يحس البني آدم زوجها بها ويشاركها تحمل مسؤوليات الحياة الزوجية. ماذا نفعل لكي تعيش المرأة واقع التغيير وتتمسك بمعطياته.
لماذا يتقاسم الرجل العربي في بلده العربي المسؤوليات الحياتية مع شريكته/ الزوجة الاجنبية، ويساعدها في مسؤوليات البيت ويتقاسمها معها دون تأفف، ولا يفعل الشيء نفسه اذا كانت زوجته «شد بلادها» عربية خليجية كويتية.
لماذ يتغير الرجل العربي في لندن، وتمسح لندن ذكورته بالارض فيما لا تستطيع عواصم العالم العربي و اريافها ونجوعها وسكان جبالها من تغيير طباعه الموروثة من ازمان كان به دور المرأة لا يخرج عن اسوار البيت.
هو العربي الاشم الذي تتغزل بـ«ببطولاته» وصفاته وكرم ونبل اخلاقه القصائد العربية «الخرطية» والمحروم من المشاركة في القرار السياسي في بلده وصار كما قال المغني الاشهب «راجل خرونغ» يعمل «بطل» مغوار - ما دار ولا صار - على مقدرات إمرأة ضعيفة فيترك لها جميع مسؤوليات عش الزوجية الهنيء ويأخذ من مالها، وقد يرتبط بأخرى زواجا أو عاطفة دون ان يرف له جفن قصيدة.
هل نصدّر جميع الرجال العرب الى لندن لتمسح الارض بغرور وانانية تجبرهم.
ام ان... وضع المرأة و«فكرها» الذي يعمل ضد نفسها ستلاحقه الى لندن لتعيد اليه شوارب سي سيد.. واضعة طشت الخنوع تحت قدميه لتغسلهما بماء ودموع انسانيتها الهادرة.
 
للتواصل:

L.ahmad@alraimedia.com