| بيروت - من ريتا فرج |
بعدما شهد التاريخ الإسلامي قديماً حالات من الصراع السياسي، وافضت الانقسامات السياسية إلى تذرير المسلمين إلى مذاهب وفرق، أرهقت جسد الأمة التي وصفتها الآية القرآنية الكريمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، لا يبدو المشهد الانقسامي المذهبي الراهن أقل وطأة من الماضي، فالمسلمون، المنقسمون بين السُنّة والشيعة على خلفية التعدد النابع من الوحدة، والذين وصفهم السيد عبد الحسين شرف الدين أحد أبرز علماء جبل عامل بأنهما كالجدولين من نبع واحد فرقتهم السياسة وستجمعهم الكلمة الطيبة تحت أمة واحدة، يدخلون اليوم في حال من التوتر المذهبي في أمكنة عدة من مواطن انتشارهم، على خلفيات اعتبرها كثيرون دينية، وإن غلِّفت أحياناً بغلاف سياسي.
مفردة الفتنة التي تؤرق أهل الوحدة في الإسلام ترد في القرآن الكريم بمعنيين رئيسيين: الأول، هو الاختبار والامتحان الإلهي للأفراد والجماعات قولاً وعملاً وسلوكاً. وهي في هذا المعنى وبالصيغ الفعلية والاسمية ترد في نحو أربعين آية. والمعنى الثاني، لمفرد الفتنة هو الانقسام الداخلي والحرب الأهلية، وفي هذا المعنى تُذكر في القرآن الكريم في سبعة أو ثمانية مواطن. أما في الأحاديث والآثار التي انتشرت في القرنين الهجريين الأول والثاني، فإن المصطلح يَردُ في الأغلب الأعم بالمعنى الثاني أي الانقسام الداخلي. أما المعنى الأول للفتنة، فإن الآثار من القرنين تفضل عليه مفرد المحنة والامتحان وهو أكثر للأفراد وليس للجماعات.
لكن الفتنة التي دعا القرآن الكريم إلى محاربتها تطل بين فترة وأخرى. ولعل المشهد الإسلامي الراهن يُنذر بعكس الدعوات القرآنية، ما يجعل بعض الدول ذات الغالبية الإسلامية تمر بمرحلة حرجة، وبصرف النظر عن الخلافات التي تتخذ طابعاً مذهبياً، تأتي الدعوات للتقريب بين المذاهب الإسلامية لتطرح أكثر من سؤال: هل الخلاف بين المذاهب الاسلامية عقيدي أم سياسي، ومتى بدأت الملامح الأولى للتقريب؟ الفكرة لم تكن جديدة وتمتد إلى تاريخ الحوار المذهبي الذي عرفه الإسلام في عصوره الأولى. ففي القرن الرابع الهجري جرى حوار فقهي بين إمام أهل السُنّة أبي بكر الباقلاني وإمام الشيعة الإمامية الشيخ المفيد، وترى بعض المصادر الإسلامية أن الجهود التي بذلت للتقريب بين المذاهب تعود إلى ما يعرف بـ «مسائل ابن الأزرق» وهي حوار جرى بين الصحابي عبد الله بن العباس وزعيم الخوارج نافع بن الأزرق في ساحة الكعبة. ولكن دعوة جمال الدين الأفغاني إلى توحيد المذاهب الإسلامية تعتبر الأكثر وضوحاً. والأفغاني الذي تتلمذ على يد الإمام الاصلاحي محمد عبده، طالب بما يعرف بالجامعة الإسلامية، ومعلوم أن مجلة «المنار» التي أسسها الشيخ محمد رشيد رضا فتحت صفحاتها للمذاهب الإسلامية شتى.
هذه المحاولات التاريخية أفضت إلى إنشاء دار التقريب بين المذاهب في القاهرة. ورغم أن فكرة «الجامعة الإسلامية» التي طرحها الأفغاني لديها طابع ديني وسياسي أوسع، إلا أن العمل على الجمع بين وجهات النظر في المسائل الفقهية التي أثارت جدلاً بين السنة والشيعة على مر العصور، لا يعني بالضرورة إلغاء التعدد الفقهي، المحرك للتاريخ، وفق ما يؤكد العديد من رجال الدين والإئمة الذين عملوا على فكرة التقريب من دون تهميش مساحة الاختلاف والتعدد.
في العام 0991 أسست إيران «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب»، وقبلها كان للأزهر الشريف دور ريادي في هذا المجال. والمجمع المذكور يترأسه آية الله محمد علي التسخيري، وقد حدد أهدافه بتحقيق التقارب بين المذاهب الإسلامية بغية تعرف الواحد على الآخر من طريق تحقيق التآلف والاخوة الدينية على أساس المبادئ المشتركة، مؤكداً أن الوحدة الإسلامية تقوم على التعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية، مع احترام التزامات كل مسلم حيال مذهبه عقيدة وعملاً. أما المذاهب الإسلامية المعترف بها، كما يحددها «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب» فهي المذهب الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي من أهل السنة، والمذهب الاثني عشري والزيدي والبهرة من الشيعة، والمذهب الاباضي.
وعلى الضفة الثانية، أتى انشاء العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز العام 0102 لـ «مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للأعمال الخيرية والإنسانية» والتي تضمنت في بيانها التأسيسي دعوة صريحة إلى «نشر معاني الوسطية والاعتدال والتسامح والسلام وتعزيز القيم والأخلاق والتقريب بين المذاهب الإسلامية والحد من الفرقة والخصام ونبذ العنف» لتشكل حلقة وصل للتقريب بين المذاهب، وهو القائل إن «دين الإسلام دين الحوار والوسطية والتعايش، هذا المبدأ الرباني الذي أكد عليه القرآن الكريم في أكثر من آية، وجعله أساساً مهماً من أسس الحكم في الإسلام».
في ضوء المد والجزر بين التوتر المذهبي والتقريب بين المذاهب، طرحت «الراي» هذا الملف على كل من مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار والعلامة السيد هاني فحص.
مالك الشعار: أعداء الأمة يسعون إلى إحياء الصراع المذهبي في ممارساتنا
يحيل المفتي مالك الشعار أسباب التوتر المذهبي على المخططات الصهيونية الهادفة إلى تذرير وحدة الأمة الإسلامية، ويرى أن المسائل الخلافية بين السُنّة والشيعة ليست جديدة، داعياً العقلاء إلى القيام بواجبهم في معالجة أي أزمة مهما كانت خطيرة «عبر الحكمة والكلمة الطيبة».
• تشهد بعض الدول الخليجية بين الحين والآخر، ومن بينها الكويت خطاباً مذهبياً متوتراً. في ضوء التعرض للمقدس والردود العالية النبرة عليه، ما تفسيركم لذلك وكيف يمكن الحد من الجنوح المتمادي؟
- لا يمكن الحديث عن أي أزمة تمر بها البلاد العربية حالياً من دون التطرق إلى مجريات السياسة العالمية وما نراه من صراع القوى من أجل السيطرة وزيادة النفوذ والحرص على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية في شكل خاص. ولعل بلادنا العربية تمثل المبتغى لهذه المصالح على صعيد استنفاد طاقاتها واقتصادها، وتفتيت قواها لمصلحة العدو الأوحد لهذه الأمة: إسرائيل. إنها إذاً مخططات صهيونية عالمية، وقد حاولوا تفسيخ عرى هذه الأمة طوال القرن الماضي عبر العديد من الشعارات التي تسللوا بها إلى شبابنا ومجتمعاتنا، لكنها لم تفلح وتهاوت وتبين تهافتها وعدم قدرتها على توهين جسد هذه الأمة.
لقد شاخت الأفكار القومية والاشتراكية والشيوعية وعجزت العلمنة عن سلخ المسلمين عن دينهم، ولم تفلح دعوات الميوعة والتغريب في ثني الأمة عن دينها، وتكسرت سهام الشبهات قبل أن ترمى إلى نحورنا، وارتدت العولمة مدحورة، وعجز السرطان الإسرائيلي عن أن ينهش جسد الأمة، وباءت النعرات الطائفية بالفشل فما المخطط الجديد إذاً؟ إنه الصراع المذهبي الذي يؤجج الفتن ويستعيد حقبة مؤلمة من تاريخنا الإسلامي. يسعى أعداء الأمة إلى إعادة احيائه في ممارساتنا بأساليب ماكرة، نأسف للقول ان ضعاف العقول والساذجين قد استجابوا لها من دون أن يعلموا، أو ربما يعلمون، مدى خطورتها على الجميع من دون استثناء. وقد توسلوا لهذا المخطط كل قضايا الإثارة والمسائل الخلافية التي كنا نسيناها أو جعلناها خلفنا حتى أوائل هذا القرن، لتطل من جديد بصورة مخجلة مؤسفة، وبخطاب لم نشهد مثيلاً له في التأليب والتهجم تنشط به العديد من محطات التلفزة من هنا وهناك.
• هل الخلاف حول بعض المسائل الدينية - التاريخية هو الذي يؤجج التوتر المذهبي بين السنّة والشيعة، وما الدور الذي يمكن المرجعيات الروحية أن تؤديه لمصالحة ما هو خلافي وترسيخ ما هو اجماعي؟
- لا نعتقد أن الخلاف حول بعض المسائل الدينية - التاريخية هو السبب الرئيسي لتأجيج التوتر المذهبي، وإن كنا لا ننفيه. ولكن كما أشرنا لقد جرى استحضاره في هذه الأيام لما له من دور مؤثر وسريع في إشعال فتيل الانفجار في بلاد العرب والمسلمين كما في الكويت العزيزة والعراق والبحرين ولبنان وباكستان وفي تقويض دعائم هذه الأمة.
معلوم أن هذه المسائل الخلافية ليست مستجدة، وقد كانت موضع نقاش وحوار عبر تاريخنا الإسلامي من دون أن يكون لها أي رد فعل مؤلم ومرفوض، ما يؤكد دور الصهيونية العالمية التي اعتمدت هذه المسائل لإلهائنا عن جوهر القضية العربية الاسلامية الجامعة.
وهنا نؤكد على العقلاء والحكماء في هذه الأمة من شتى المذاهب والديانات أن يقوموا بواجبهم في منع انحدارنا جميعاً نحو الهاوية، وهو ما لمسناه عندنا في لبنان عبر لقاءاتنا مع المرجعيات الشيعية في أكثر من مؤتمر وزيارات لمدينتنا طرابلس.
ولابد هنا من الاشارة إلى أننا مررنا في طرابلس صيف العام 2008بأزمة مذهبية مفتعلة مع الاخوة العلويين في بعض أحياء المدينة، سارعنا إلى تداركها والتأكيد أنها ذات خلفية سياسية وتندرج في إطار الاحتقان السياسي الذي عمّ لبنان في تلك المرحلة لكنها ألبست لبوساً مذهبياً. وقد وفقنا الله إلى تحقيق المصالحة وتوقيع الأطراف المتقاتلين «وثيقة طرابلس» الناجزة في حضور رؤساء الحكومة اللبنانية والوزراء ونواب المدينة وفاعلياتها السياسية والاقتصادية. من هنا نرى أن علاج أي أزمة مهما كانت حادة وخطيرة يجب أن يتوخى الحكمة والحوار والكلمة الطيبة والقول اللين، وعقد اللقاءات من أجل لم الشمل وجمع الكلمة تحت راية الوطن لتفويت الفرصة على أعداء السنة والشيعة معاً، أي اسرائيل.
• ما تعريفكم لمفهوم التقريب بين المذاهب الاسلامية؟ وماذا أنجز هذا المفهوم الذي ارتكز على الدعوة التي أطلقها جمال الدين الافغاني؟
- ليس المهم العمل على التقريب بين المذاهب الإسلامية وإن كان هذا الأمر ضرورياً ولكنه ليس كافياً إذا ظلت النفوس مشحونة، والعقول مرتبطة بقوى خارجية تعمل بجد ونشاط لزجّ بلاد العرب والمسلمين في صراعات داخلية، يعلم الله وحده مآلها وتداعياتها. نحن نرحب بدعوات التقريب بين المذاهب الإسلامية، وندعو اليها ونعمل من أجل تحقيقها، ولكن ما جدوى هذه المحاولات المهيضة الجناح أمام التعنت والتطرف والاستكبار، وبإزاء تلكم الحملات المؤسفة المتلفزة التي نخجل من متابعتها وندعو أولي الأمر إلى الحد منها لأن لها تأثيراً مباشراً وفاعلاً في نفوس العوام.
إن مفهوم التقارب بين المذاهب الإسلامية مادة جامعية تدرّس للنخبة في حين ينبغي أن تكون الخبز اليومي لطلاب المدارس وفي المنتديات والمؤسسات المختلفة، بحيث ننتقل من حفلات العناق في المؤتمرات إلى واقع الحال، كل في ميدانه ومجتمعه.
• في ضوء مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حول الوسطية ودعوات آية الله محمد علي التسخيري إلى التقريب بين المذاهب، أين يبدأ الديني وأين يبدأ السياسي في التوترات المذهبية والمساعي للحد منها؟
- إنها مبادرات عظيمة ينبغي أن تعمّم كما قلنا لدى أوساط الناس وأن نعمل على متابعتها، والتحذير من مغبة السير في الفتن المذهبية التي لا تبقي ولا تذر.
لا خلاف طبعاً حول تشابك الديني والسياسي في شكل لا يمكن فصم عراه، وهذا ما لاحت تباشيره قي الاقتتال العراقي - الإيراني الذي عانته الأمة العربية والإسلامية وكان المؤشر الأبرز إلى اندماج الديني بالسياسي، وهي أزمة أو معضلة لا ننكرها. ويبدو من الصعوبة فصل الديني عن السياسي في ظل الأجواء المشحونة في العراق وتداعياتها على أكثر من بلد عربي. الشعارات وحدها لا تكفي، ولعلنا كلنا متفقون على نبذ المذهبية علنا، ولكن هل مارسنا الدور نفسه في مجالسنا، أين يبدأ الديني أو السياسي؟ نجيب بصراحة أن السياسة تتكئ على الدين وتستغله لأغراضها بعدما نفدت بقية الوسائل، فالديني هو الاداة المحرضة، والسياسي هو الغاية القصوى لهذه الاثارات التي نرجو الله عز وجل أن ينجينا منها.
• هل التمذهب الراهن يرتبط بالبعد السياسي، وما حدود العلاقة بين السياسي والديني؟
- التمذهب الراهن ليس قائماً في ذاته من دون خلفية سياسية قد لا تبدو واضحة للعلن بادئ الأمر. ولكن من يتابع هذه التوترات المذهبية هنا وهناك لابد من أن يقف مع الرأي القائل أن الغاية هي بلا شك انقلابية وتسعى إلى انتزاع السلطة لمصلحتها. قد يبدو في ظاهر الأمر أن المعارضة المذهبية لا تسفر عن وجهها للوهلة الأولى، ذلك لأنها تسعى إلى الافادة من قوى معارضة قد لا تكون على المذهب نفسه وإنما من أجل أن تعتليها وتستغلها وتحاول أن تثبت للملأ أن المعارضة تلك غير مذهبية. وقد تنبهت العديد من الجهات المعارضة إلى خطورة دعم أطراف آخرين معارضين، لهم برامج خاصة بهم، سياسية وسلطوية ابتغت المذهبية وبعض المعارضين الآخرين لغرضها، وان كانوا على غير مذهبها من أجل تحقيق الحلم السياسي. أملنا أن ينهض العقلاء للقيام بدور مهم ومعرفة أن ما يحاك لهذه الأمة هو من صنيعة أعدائها، فحذار أن نكون مطية لأحد آملين من المولى عز وجل أن يوفق الكويت المحروسة أميراً وحكومة وشعباً في تجاوز هذه المحنة وأن يلهم الجميع التعقل والرشاد. وقد آن لهذه الأمة أن تستريح من مشكلاتها الداخلية المفتعلة لتخطو في طريق الازدهار والانماء.
هاني فحص: أهل الاعتدال بين الأديان والمذاهب أصبحوا استثناء
يشدد العلامة هاني فحص على أهمية الاعتراف بالآخر الديني كفعل شراكة، مشيراً إلى أن التعدد المذهبي أمر طبيعي، ولكن كل مذهب يسعى إلى احتكار رؤيته للمقدسات. ويرى أن التقريب بين المذاهب الإسلامية مسألة ضرورية، «لكنه شأن علمي خاص»، لافتاً إلى الدور التاريخي الذي أداه علماء أهل السُنّة والعلماء الشيعة في معرفة كل طرف للآخر.
• ما قراءتكم لما يحدث بين الحين والآخر من تعرض لزوجات الرسول، وما شابه؟
- المشكلة في رأيي هي مشكلة الأديان التوحيدية عموماً والمذاهب المتفرعة عنها خصوصاً. كلنا نعتبر أن مكوِّنات إيماننا والتزامتنا الدينية تؤدي إلى إلغاء الآخر، ومن هنا تأتي الشتائم المتواصلة والمتنامية كماً ونوعاً لمقدسات الآخرين، وكأن الدين والتدِّين يتلخص فيها. وأعود دائماً إلى دور الدولة في عدم قدرتها على جمع مكوّنات اجتماعها الاثنية والدينية على مشروع وطني واحد، يحوّل توتر الهويات نزوعاً حقيقياً نحو المواطنَة والاندماج والعيش المشترك. وعلى هذا، إذا قررت الدولة أن تقوم بوظيفتها كحاضن فإنها تصغي إلى مجتمعها وطليعته العلمية بداعي الشراكة، فتكون بذلك قد ألزمت مجتمعها وطليعته الإصغاء إليها، أي إقامة العلاقة على الحوار الذي يجعل الدولة تتبصر في تعدد اجتماعها، وتتلمس علاماته في تكوينها، فإن تراجَعَ منسوبه تراجع دورها وفعلها وإن تقدم هذا المنسوب التعددي تقدمت الدولة والمجتمع. إذا، لابد للدولة من أن تنشط أدوات الحوار والاندماج، ما يوفر لها حراكاً يحفظها ويجددها كضرورة اجتماع بالولاء والنقد معاً، ويمنع الاعتراض عليها من أن يتحول سعياً لنقضها أو تقويضها. وعندما تختار الدولة أن تنفصل عن اجتماعها، تكف عن الإصغاء، فيكفّ الاجتماع عن الإصغاء إليها. فإذا كابرت الدولة ردت بالاشتغال على تظهير الفوارق بين مكونات اجتماعها وطلائعه العلمية لتجد مكانها ومكانتها في السجال الذي يؤول إلى الصراع الأهلي، مغرياً المجتمع بالاستقواء على الدولة جراء استقوائها عليه. وفي العادة فإن الدولة تستثمر الفوارق الكمية في مكونات اجتماعها فتغري الغالبية بموافقتها على أنها، أي الدولة، حافظة مصالحها، ما يغري حالات أقلوية أن تتذرع بفكر آخر (قومي مثلاً) لتغري جماعتها بالهيمنة والاستئثار وتهميش الغالبية، وهذه الحال تختزن عنفاً مضاعفاً عندما تنقلب الأمور التي تنقلب عادة وإن طال الزمان.
إن الدولة هي أساس في مسألة التقارب أو التقريب، وعليها أن ترعى حركة التقارب، فتمنحها حريتها الكاملة، وتساعدها في تجديد طرائقها العلمية، من دون أهداف سياسية أو سلطوية مباشرة واختزالية تفضي إلى المصادرة والتعطيل. وهذه ليست دعوة إلى التنصل من السياسة، أو إقصاء الدولة في حيز ما عن شأنها السياسي الذي هو أهم وظائفها، بل ان في إمكان الدولة أن تتحول حاصداً سياسياً ماهراً بقدر ما تساهم في رعاية الزرع والزراع وحمايتهم.
• هل الانشقاق الديني - السياسي الذي عرفه الإسلام منذ الفتنة الكبرى هو الذي يعزز التوتر الديني بين السُنّة والشيعة؟
- التعدد المذهبي أمر طبيعي جداً ومن دون تعدد تتعرض أي أطروحة دينية أو فكرية كبيرة إلى الزوال. التعدد هو تظهير للاختلاف الضروري، معرفياً وسياسياً، وإذا كان هذا التعدد في ذاته مسؤولاً عن مساوئ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية، فلابد من أن يكون قد تأسس على الأوائل شيعياً، ولابد من أن يكون قد تأسس على الإمام علي وأئمته من أهل البيت، وهو براء قطعاً من هذا المُلك من الفعل ومن الرضى. عند السُنة تأسس هذا القطع على أبي بكر وعمر وعثمان، وأنا ابرؤهم من الرضى وممارسة الشتيمة والإلغاء، وما أتحدث عنه هو غير الصراع السياسي. هذا المُلك تأسس بعد عهد الراشدي، عندما طغى الانموذج الكسروي، وقد انزعج منه كثيراً عمر بن عبد العزيز، وحاول أن يضع حداً له. هذا المُلك لا أساس له لا في العقيدة ولا في الأصل الإسلامي المشترك، لأن كل فقهاء الشيعة مثلاً يكيفون العلاقات مع أهل المذاهب الأخرى على أساس المشترك الإسلامي، الإيماني، من الزواج إلى البيع والتجارة. وككل الفقهاء يحترمون الاختلاف الفقهي، وفي رأيي كل مذهب يلزم أهل المذهب الآخر بفقهه. لا يمكن أن أنسى محاولة المأمون في علاقته مع المعتزلة، وبعده أخوه المعتصم على عكس منه. ما يمكن أن يكون منشطاً لسلوك التنابذ بين أهل المذاهب يعود إلى أننا غير مشغولين بتفعيل المسار الحضاري الإسلامي، الذي أنتجناه معاً عربا ومسلمين وغير مسلمين ومؤمنين وغير مؤمنين، شوافع وأحنافا، زيدية ومالكية، حنبلية، وشيعية اثني عشرية واسماعيلية. الأمة ليست مشغولة بعمل ما، باطروحة ما، وقلة العمل تتسبب بسوء الأخلاق، وسوء الخلق سببه البطالة الحضارية. والمؤسف أن رجال الدين عموماً يلتحقون بالجماهير، ويستعملون خطابين، خطاب الاستنكار أو التنصل والتشجيع، والرضا سراً. والأخطر من هذا أن الخطاب السري السجالي والتنابذي أصبح عنيفاً. أهل الاعتدال ودعاة الأدب من الأديان والمذاهب الاسلامية أصبحوا استثناء، وكأنهم لا يمثلون أحداً إلاّ أنفسهم. هذه ليست دعوة إلى الكفّ عن الاعتدال، فالأدب الديني، القرآني، والنبوي، والعلمي، يخاطب كل الناس، وهذا ليس يأساً أو استسلاماً لأن مساحة الاعتدال تتسع بهدوء وعمق.
• إلى أي مدى تساهم شعارات الوسطية والتقريب بين المذاهب الإسلامية في تدوير الزوايا الخلافية؟
- لا أستخدم تعبير التقريب بين المذاهب الإسلامية، هذه مسألة علمية لا نفرض عليها مشاعرنا، وإن كان المفروض أن نراعيها. والسؤال: كيف نقرب بين أهل المذاهب أو بين المسلمين والمسيحيين؟ ليس التقريب بين المذاهب مستحيلاً، لكنه شأن علمي خاص جداً، وعندما يطرح التقريب بين المذاهب أمام أهل المذاهب، يحلم كل طرف بتغليب مذهبه على الآخر، ويحاول البعض أن يلفق فكرة مشتركة، وأحياناً يكون هناك دافع أو هاجس إلى تغيير ما في المنظومة العقيدية، لدى طرف واحد أو الأطراف جميعاً. هذه مقدمة للخراب، لأن العقائد في وعي أصحابها مقدسة، ولا يمكن العمل فيها، العمل يكون من خارجها، في العلاقات والقيم والمصالح المشتركة، وحين يتم ذلك، يتسرب شيء منها عبر الاشتغال على المرن في المنظومة العقيدية، وتجنب الثابت. طبعاً، التقريب بين أهل المذاهب الاسلامية يصنعه المجتمع أولاً، عبر وعيه ومصالحه المشتركة، التي تحض على اكتشاف القيم المشتركة، وتكون بحماية الدولة، ويغذيه العلماء المدنيون والدينيون. لكن من يحميه يمكن أن يخربه، والذي يغذيه يمكن أن يسممه، وهذا ما هو حاصل لدينا في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وسؤالي: هل نستطيع أن نحفظ وحدة المذهب الواحد إذا عُزلنا تماماً عن أهل المذهب الآخر؟. في تقديري أن النزاع والتوتر والانقسام ينتقل في شكل قوي الينا، إلى الطرف النابذ، ومن هنا قلت مرة في لقاء مغلق، مسيحي متخصص، انني أوافق على أن يسيطر المسلمون على المسيحيين في لبنان، شرط أن يؤكد المسلمون أنهم لن يتذابحوا، والعكس صحيح بالنسبة إلى المسيحيين والسنة والشيعة وكل أطراف المختلف، والتعدد الديني والاثني. نحن من أهل الدعوة إلى وعي الهوية المركبة، التي يصبح فيها الآخر المختلف شرطاً من شروطها، ومن دونه تصبح فقيرة وقابلة للانقسام. من هنا فإن أمن أي مذهب أو دين مشروط بأمن الآخرين. وليس سراً أن عدداً من علماء أهل السُّنَّة، كانوا متهمين بالتَّشيُّع لدى المتعصبين من السُّنَّة فقط، وهم القلّة، وأنَّ عدداً منهم من الشيعة، كانوا متهمين بالتَّسنُّن لدى القلة المتعصبة من الشِّيعة. وكان البعض ملتبساً، أي متلبساً بكامل حقيقته الإسلاميَّة والإيمانيَّة، كجمال الدِّين الأفغاني الّذي كان التباسه بين السُّنَّة والشِّيعة، وبين إيران وأفغانستان، توكيداً لانتمائه ووعيه لهذا الانتماء، ما رفعه إلى مصاف الرائد والمعلم لعلماء ومفكرين نصارى ومسلمين، وامتد الأثر المحمود لهذا الالتباس الحميد، إلى نماذج من العلماء والمفكرين، لَم تلتبس هويتهم المذهبية، أو البعد المذهبي من هويتهم المركبة، ولكنهم أطلوا على المذاهب الأخرى وأهلها إطلالة المؤمن بأنَّ الآخر مكمل للهوية. هنا يقع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت ومعهما فريق جماعة التقريب، التي ازدهرت في القاهرة المحروسة من أواسط ثلاثينات القرن المنصرم إلى أواسط ستيناته، واستطاعت السماحة المصريّة أن تمنح العالِم الشِّيعي الإيراني الشيخ محمد تقي القمي، وعن استحقاق، دور النَّاظم الكريم المكرَّم، فاستقبلت القاهرة مجموعة من كبار علماء الشِّيعة الإماميّة والزَّيديّة والإسماعيليّة والإباضيّة، مع فقهاء المذاهب الأربعة، وبحثوا عن المشتركات في الفقه وأصوله وفي المنظومة العقيدية لكلِّ مذهب، واكتشفوا أنَّ كثيراً من الخلافات لا تعدو أن تكون لفظية، وكانوا على مفصل إسقاط الدَّولة العثمانيّة والتَّجزئة وارتفاع صوت الحداثيين على الوصفة الغربية، فبحثوا في التحدِيات والمخاطر المشتركة والمصالح المشتركة والمصير المشترك، وقرروا أن ينشطوا الجسم العلمي الإسلامي والروح الإسلاميَّة لإنتاج المضادات الحيوية للإلغاء، واعتماد الممانعة بالتضامن ضماناً للسلامة أو الحدِّ من الخسائر. ولمعت أسماء كالسيِّد محسن الأمين، الّذي أصرَّ على أن يكون عالِم دمشق قبل التَّجزئة وبعدها، وعلى قلّة عدد الشِّيعة فيها وفي الدَّولة السوريّة الجديدة، فرفعه سنَّة دمشق وسورية إلى مقام المرجعيّة للمدينة والوطن السوري كلَّه. كما لمع اسم السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء نجم مؤتمر القدس في أواسط الثلاثينات، والشيخ عبدالكريم الزنجاني والشيخ سليم البشرين والشيخ عبدالمجيد سليم، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، ومحمد علوبة باشا، والشيخ محمود شلتوت، ولَم تكن مجالس التَقريب والتقارب تخلو من الشيخ حسن البنا. وامتد الأثر إلى جيلٍ ثانٍ كان من أسمائه القريبة إلى العقل والقلب والنَاس، الشيخ محمد الغزالي والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ عبد الكريم الخطيب، والشيخ محمد محمد المدني والشيخ محمود أبو رية، والشيخ عبد المقصود شلتوت، والشيخ السيِّد سابق، وغيرهم... وعندما صدر كتاب «الحالة الدِّينيّة» في مصر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في الأهرام، قبل اعوام، بإشراف الأستاذ نبيل عبد الفتاح، اكتشفنا أحد أسرار مصر والأزهر والذي لا تكفي في تفسيره مركزية ضريح الحسين ومسجده، ومسجد السيِّدة زينب في القاهرة عمراناً وعامرين، ولا مركزيّة أهل البيت في التَّكوين المصري، اكتشفنا مؤشِّراً علمياً إلى الرَّحابة المصريّة، وهو أنَّ هذا الأزهر الشَّريف لا يقلُّ عن خمسة عشر من مجموع شيوخه العظام، عدد الّذين لَم يكن لهم مذهب فقهيّ خاص.
والعالَم الّذي لا يعرف له مذهب هو أقرب إلى طبيعة النحلة، التي تختار، عن دربة ودأب وهمَّة وكفاءة، من الزَّهر ما كان غنياً بالرحيق، تحيله عسلاً، بإذن اللَّه، من دون أن تسأل زهرة أو وردة عن اسمها.
• هل يمكن مقارنة ما يشهده العالم العربي من طفرة التمذهب بما حدث خلال حقبة الحروب الدينية في اوروبا ابان القرون الوسطى؟
- لا أريد أن أؤرخ لهذه اللحظة التي انتهت، لقد انحلت المسألة عندما أضعف الاوروبيون ذاكرتهم القديمة، والبعيدة، أو ألغوها في بعض الاحيان، فأخذوا يتأملون في دورهم الجديد، ويتذكرون مستقبلهم، فكفوا عن نبش القبور واستحضار الجيف، وبنوا ثقافة تضامنية، قائمة على القانون وحرية الاختيار والتحرر والمواطنة، والاحساس بضرورة بناء ثقافة مشتركة من أجل عيش مشترك خالٍ من الأوهام. ما يعني أنهم قطعوا مع 500 عام من الحروب الدينية، فمتى نقطع؟ إن لم نقطع تقطعنا، وانقطعنا، وتقطعت فينا السبل، وتحولت أعدادنا أعباء تاريخية، وتحولت ثرواتنا مصدر نقمة، وتحول دينناً نكداً يومياً، والمطلوب من أهل الديانات الثلاث، ومن المذاهب الإسلامية، على أقل تقدير التأمل في الحقيقة الروحية، والتسامي والحوار وطلب المعرفة بالشراكة والمحبة.
• هل يمكن القول إن العقل الديني الإسلامي لا يتقبل النقد خصوصاً إذا ما قارناه بتجربة المسيحية الغربية، وأي دور للنقد في تدوير الزوايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية؟
- عقل المسلمين لا يتقبل النقد، أما العقل الإسلامي فهو يشترط النقد. في النص القرآني حرص شديد على المراجعة ومعرفة الرأي الآخر، ومراعاة حال الزمان والمكان، والإنسان، إضافة إلى أن القرآن الكريميحض على التعقل، وهذا المسار هو الذي دفع علماء المسلمين من أهل الأسئلة والقلق المعرفي والروحي، إلى أن يمارسوا نقداً عميقاً في العام الإسلامي وفي الخاص المذهبي. في حين أن العلمانيين العرب، امضوا كل فترة ما بعد عصر النهضة الحديثة في الوطن العربي، وهم يشتمون الدين بذريعة العقل والعقلانية، وقليلاً ما وجدنا نصاً نقدياً بالمعنى العلمي، لأن التقديس هو بمثابة التقويض، وهؤلاء معدودون على الأصابع وليسوا مهجوسين بالتعميمات الايديولوجية، لأنهم ينقدون ثم ينقدون نقدهم، وهناك نوع من التثاقف والتمايز بينهم، عدا عن أن عددا من رجال الدين أو من علماء الدين المدنيين والمعممين يمارسون النقد، ما يبشر ولو بعد زمن طويل بنهوض مدرسة نقدية واسعة ومؤثرة، تهدف إلى تجديد الإسلام والتجدد به لا إلغائه.
بعدما شهد التاريخ الإسلامي قديماً حالات من الصراع السياسي، وافضت الانقسامات السياسية إلى تذرير المسلمين إلى مذاهب وفرق، أرهقت جسد الأمة التي وصفتها الآية القرآنية الكريمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، لا يبدو المشهد الانقسامي المذهبي الراهن أقل وطأة من الماضي، فالمسلمون، المنقسمون بين السُنّة والشيعة على خلفية التعدد النابع من الوحدة، والذين وصفهم السيد عبد الحسين شرف الدين أحد أبرز علماء جبل عامل بأنهما كالجدولين من نبع واحد فرقتهم السياسة وستجمعهم الكلمة الطيبة تحت أمة واحدة، يدخلون اليوم في حال من التوتر المذهبي في أمكنة عدة من مواطن انتشارهم، على خلفيات اعتبرها كثيرون دينية، وإن غلِّفت أحياناً بغلاف سياسي.
مفردة الفتنة التي تؤرق أهل الوحدة في الإسلام ترد في القرآن الكريم بمعنيين رئيسيين: الأول، هو الاختبار والامتحان الإلهي للأفراد والجماعات قولاً وعملاً وسلوكاً. وهي في هذا المعنى وبالصيغ الفعلية والاسمية ترد في نحو أربعين آية. والمعنى الثاني، لمفرد الفتنة هو الانقسام الداخلي والحرب الأهلية، وفي هذا المعنى تُذكر في القرآن الكريم في سبعة أو ثمانية مواطن. أما في الأحاديث والآثار التي انتشرت في القرنين الهجريين الأول والثاني، فإن المصطلح يَردُ في الأغلب الأعم بالمعنى الثاني أي الانقسام الداخلي. أما المعنى الأول للفتنة، فإن الآثار من القرنين تفضل عليه مفرد المحنة والامتحان وهو أكثر للأفراد وليس للجماعات.
لكن الفتنة التي دعا القرآن الكريم إلى محاربتها تطل بين فترة وأخرى. ولعل المشهد الإسلامي الراهن يُنذر بعكس الدعوات القرآنية، ما يجعل بعض الدول ذات الغالبية الإسلامية تمر بمرحلة حرجة، وبصرف النظر عن الخلافات التي تتخذ طابعاً مذهبياً، تأتي الدعوات للتقريب بين المذاهب الإسلامية لتطرح أكثر من سؤال: هل الخلاف بين المذاهب الاسلامية عقيدي أم سياسي، ومتى بدأت الملامح الأولى للتقريب؟ الفكرة لم تكن جديدة وتمتد إلى تاريخ الحوار المذهبي الذي عرفه الإسلام في عصوره الأولى. ففي القرن الرابع الهجري جرى حوار فقهي بين إمام أهل السُنّة أبي بكر الباقلاني وإمام الشيعة الإمامية الشيخ المفيد، وترى بعض المصادر الإسلامية أن الجهود التي بذلت للتقريب بين المذاهب تعود إلى ما يعرف بـ «مسائل ابن الأزرق» وهي حوار جرى بين الصحابي عبد الله بن العباس وزعيم الخوارج نافع بن الأزرق في ساحة الكعبة. ولكن دعوة جمال الدين الأفغاني إلى توحيد المذاهب الإسلامية تعتبر الأكثر وضوحاً. والأفغاني الذي تتلمذ على يد الإمام الاصلاحي محمد عبده، طالب بما يعرف بالجامعة الإسلامية، ومعلوم أن مجلة «المنار» التي أسسها الشيخ محمد رشيد رضا فتحت صفحاتها للمذاهب الإسلامية شتى.
هذه المحاولات التاريخية أفضت إلى إنشاء دار التقريب بين المذاهب في القاهرة. ورغم أن فكرة «الجامعة الإسلامية» التي طرحها الأفغاني لديها طابع ديني وسياسي أوسع، إلا أن العمل على الجمع بين وجهات النظر في المسائل الفقهية التي أثارت جدلاً بين السنة والشيعة على مر العصور، لا يعني بالضرورة إلغاء التعدد الفقهي، المحرك للتاريخ، وفق ما يؤكد العديد من رجال الدين والإئمة الذين عملوا على فكرة التقريب من دون تهميش مساحة الاختلاف والتعدد.
في العام 0991 أسست إيران «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب»، وقبلها كان للأزهر الشريف دور ريادي في هذا المجال. والمجمع المذكور يترأسه آية الله محمد علي التسخيري، وقد حدد أهدافه بتحقيق التقارب بين المذاهب الإسلامية بغية تعرف الواحد على الآخر من طريق تحقيق التآلف والاخوة الدينية على أساس المبادئ المشتركة، مؤكداً أن الوحدة الإسلامية تقوم على التعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية، مع احترام التزامات كل مسلم حيال مذهبه عقيدة وعملاً. أما المذاهب الإسلامية المعترف بها، كما يحددها «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب» فهي المذهب الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي من أهل السنة، والمذهب الاثني عشري والزيدي والبهرة من الشيعة، والمذهب الاباضي.
وعلى الضفة الثانية، أتى انشاء العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز العام 0102 لـ «مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للأعمال الخيرية والإنسانية» والتي تضمنت في بيانها التأسيسي دعوة صريحة إلى «نشر معاني الوسطية والاعتدال والتسامح والسلام وتعزيز القيم والأخلاق والتقريب بين المذاهب الإسلامية والحد من الفرقة والخصام ونبذ العنف» لتشكل حلقة وصل للتقريب بين المذاهب، وهو القائل إن «دين الإسلام دين الحوار والوسطية والتعايش، هذا المبدأ الرباني الذي أكد عليه القرآن الكريم في أكثر من آية، وجعله أساساً مهماً من أسس الحكم في الإسلام».
في ضوء المد والجزر بين التوتر المذهبي والتقريب بين المذاهب، طرحت «الراي» هذا الملف على كل من مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار والعلامة السيد هاني فحص.
مالك الشعار: أعداء الأمة يسعون إلى إحياء الصراع المذهبي في ممارساتنا
يحيل المفتي مالك الشعار أسباب التوتر المذهبي على المخططات الصهيونية الهادفة إلى تذرير وحدة الأمة الإسلامية، ويرى أن المسائل الخلافية بين السُنّة والشيعة ليست جديدة، داعياً العقلاء إلى القيام بواجبهم في معالجة أي أزمة مهما كانت خطيرة «عبر الحكمة والكلمة الطيبة».
• تشهد بعض الدول الخليجية بين الحين والآخر، ومن بينها الكويت خطاباً مذهبياً متوتراً. في ضوء التعرض للمقدس والردود العالية النبرة عليه، ما تفسيركم لذلك وكيف يمكن الحد من الجنوح المتمادي؟
- لا يمكن الحديث عن أي أزمة تمر بها البلاد العربية حالياً من دون التطرق إلى مجريات السياسة العالمية وما نراه من صراع القوى من أجل السيطرة وزيادة النفوذ والحرص على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية في شكل خاص. ولعل بلادنا العربية تمثل المبتغى لهذه المصالح على صعيد استنفاد طاقاتها واقتصادها، وتفتيت قواها لمصلحة العدو الأوحد لهذه الأمة: إسرائيل. إنها إذاً مخططات صهيونية عالمية، وقد حاولوا تفسيخ عرى هذه الأمة طوال القرن الماضي عبر العديد من الشعارات التي تسللوا بها إلى شبابنا ومجتمعاتنا، لكنها لم تفلح وتهاوت وتبين تهافتها وعدم قدرتها على توهين جسد هذه الأمة.
لقد شاخت الأفكار القومية والاشتراكية والشيوعية وعجزت العلمنة عن سلخ المسلمين عن دينهم، ولم تفلح دعوات الميوعة والتغريب في ثني الأمة عن دينها، وتكسرت سهام الشبهات قبل أن ترمى إلى نحورنا، وارتدت العولمة مدحورة، وعجز السرطان الإسرائيلي عن أن ينهش جسد الأمة، وباءت النعرات الطائفية بالفشل فما المخطط الجديد إذاً؟ إنه الصراع المذهبي الذي يؤجج الفتن ويستعيد حقبة مؤلمة من تاريخنا الإسلامي. يسعى أعداء الأمة إلى إعادة احيائه في ممارساتنا بأساليب ماكرة، نأسف للقول ان ضعاف العقول والساذجين قد استجابوا لها من دون أن يعلموا، أو ربما يعلمون، مدى خطورتها على الجميع من دون استثناء. وقد توسلوا لهذا المخطط كل قضايا الإثارة والمسائل الخلافية التي كنا نسيناها أو جعلناها خلفنا حتى أوائل هذا القرن، لتطل من جديد بصورة مخجلة مؤسفة، وبخطاب لم نشهد مثيلاً له في التأليب والتهجم تنشط به العديد من محطات التلفزة من هنا وهناك.
• هل الخلاف حول بعض المسائل الدينية - التاريخية هو الذي يؤجج التوتر المذهبي بين السنّة والشيعة، وما الدور الذي يمكن المرجعيات الروحية أن تؤديه لمصالحة ما هو خلافي وترسيخ ما هو اجماعي؟
- لا نعتقد أن الخلاف حول بعض المسائل الدينية - التاريخية هو السبب الرئيسي لتأجيج التوتر المذهبي، وإن كنا لا ننفيه. ولكن كما أشرنا لقد جرى استحضاره في هذه الأيام لما له من دور مؤثر وسريع في إشعال فتيل الانفجار في بلاد العرب والمسلمين كما في الكويت العزيزة والعراق والبحرين ولبنان وباكستان وفي تقويض دعائم هذه الأمة.
معلوم أن هذه المسائل الخلافية ليست مستجدة، وقد كانت موضع نقاش وحوار عبر تاريخنا الإسلامي من دون أن يكون لها أي رد فعل مؤلم ومرفوض، ما يؤكد دور الصهيونية العالمية التي اعتمدت هذه المسائل لإلهائنا عن جوهر القضية العربية الاسلامية الجامعة.
وهنا نؤكد على العقلاء والحكماء في هذه الأمة من شتى المذاهب والديانات أن يقوموا بواجبهم في منع انحدارنا جميعاً نحو الهاوية، وهو ما لمسناه عندنا في لبنان عبر لقاءاتنا مع المرجعيات الشيعية في أكثر من مؤتمر وزيارات لمدينتنا طرابلس.
ولابد هنا من الاشارة إلى أننا مررنا في طرابلس صيف العام 2008بأزمة مذهبية مفتعلة مع الاخوة العلويين في بعض أحياء المدينة، سارعنا إلى تداركها والتأكيد أنها ذات خلفية سياسية وتندرج في إطار الاحتقان السياسي الذي عمّ لبنان في تلك المرحلة لكنها ألبست لبوساً مذهبياً. وقد وفقنا الله إلى تحقيق المصالحة وتوقيع الأطراف المتقاتلين «وثيقة طرابلس» الناجزة في حضور رؤساء الحكومة اللبنانية والوزراء ونواب المدينة وفاعلياتها السياسية والاقتصادية. من هنا نرى أن علاج أي أزمة مهما كانت حادة وخطيرة يجب أن يتوخى الحكمة والحوار والكلمة الطيبة والقول اللين، وعقد اللقاءات من أجل لم الشمل وجمع الكلمة تحت راية الوطن لتفويت الفرصة على أعداء السنة والشيعة معاً، أي اسرائيل.
• ما تعريفكم لمفهوم التقريب بين المذاهب الاسلامية؟ وماذا أنجز هذا المفهوم الذي ارتكز على الدعوة التي أطلقها جمال الدين الافغاني؟
- ليس المهم العمل على التقريب بين المذاهب الإسلامية وإن كان هذا الأمر ضرورياً ولكنه ليس كافياً إذا ظلت النفوس مشحونة، والعقول مرتبطة بقوى خارجية تعمل بجد ونشاط لزجّ بلاد العرب والمسلمين في صراعات داخلية، يعلم الله وحده مآلها وتداعياتها. نحن نرحب بدعوات التقريب بين المذاهب الإسلامية، وندعو اليها ونعمل من أجل تحقيقها، ولكن ما جدوى هذه المحاولات المهيضة الجناح أمام التعنت والتطرف والاستكبار، وبإزاء تلكم الحملات المؤسفة المتلفزة التي نخجل من متابعتها وندعو أولي الأمر إلى الحد منها لأن لها تأثيراً مباشراً وفاعلاً في نفوس العوام.
إن مفهوم التقارب بين المذاهب الإسلامية مادة جامعية تدرّس للنخبة في حين ينبغي أن تكون الخبز اليومي لطلاب المدارس وفي المنتديات والمؤسسات المختلفة، بحيث ننتقل من حفلات العناق في المؤتمرات إلى واقع الحال، كل في ميدانه ومجتمعه.
• في ضوء مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حول الوسطية ودعوات آية الله محمد علي التسخيري إلى التقريب بين المذاهب، أين يبدأ الديني وأين يبدأ السياسي في التوترات المذهبية والمساعي للحد منها؟
- إنها مبادرات عظيمة ينبغي أن تعمّم كما قلنا لدى أوساط الناس وأن نعمل على متابعتها، والتحذير من مغبة السير في الفتن المذهبية التي لا تبقي ولا تذر.
لا خلاف طبعاً حول تشابك الديني والسياسي في شكل لا يمكن فصم عراه، وهذا ما لاحت تباشيره قي الاقتتال العراقي - الإيراني الذي عانته الأمة العربية والإسلامية وكان المؤشر الأبرز إلى اندماج الديني بالسياسي، وهي أزمة أو معضلة لا ننكرها. ويبدو من الصعوبة فصل الديني عن السياسي في ظل الأجواء المشحونة في العراق وتداعياتها على أكثر من بلد عربي. الشعارات وحدها لا تكفي، ولعلنا كلنا متفقون على نبذ المذهبية علنا، ولكن هل مارسنا الدور نفسه في مجالسنا، أين يبدأ الديني أو السياسي؟ نجيب بصراحة أن السياسة تتكئ على الدين وتستغله لأغراضها بعدما نفدت بقية الوسائل، فالديني هو الاداة المحرضة، والسياسي هو الغاية القصوى لهذه الاثارات التي نرجو الله عز وجل أن ينجينا منها.
• هل التمذهب الراهن يرتبط بالبعد السياسي، وما حدود العلاقة بين السياسي والديني؟
- التمذهب الراهن ليس قائماً في ذاته من دون خلفية سياسية قد لا تبدو واضحة للعلن بادئ الأمر. ولكن من يتابع هذه التوترات المذهبية هنا وهناك لابد من أن يقف مع الرأي القائل أن الغاية هي بلا شك انقلابية وتسعى إلى انتزاع السلطة لمصلحتها. قد يبدو في ظاهر الأمر أن المعارضة المذهبية لا تسفر عن وجهها للوهلة الأولى، ذلك لأنها تسعى إلى الافادة من قوى معارضة قد لا تكون على المذهب نفسه وإنما من أجل أن تعتليها وتستغلها وتحاول أن تثبت للملأ أن المعارضة تلك غير مذهبية. وقد تنبهت العديد من الجهات المعارضة إلى خطورة دعم أطراف آخرين معارضين، لهم برامج خاصة بهم، سياسية وسلطوية ابتغت المذهبية وبعض المعارضين الآخرين لغرضها، وان كانوا على غير مذهبها من أجل تحقيق الحلم السياسي. أملنا أن ينهض العقلاء للقيام بدور مهم ومعرفة أن ما يحاك لهذه الأمة هو من صنيعة أعدائها، فحذار أن نكون مطية لأحد آملين من المولى عز وجل أن يوفق الكويت المحروسة أميراً وحكومة وشعباً في تجاوز هذه المحنة وأن يلهم الجميع التعقل والرشاد. وقد آن لهذه الأمة أن تستريح من مشكلاتها الداخلية المفتعلة لتخطو في طريق الازدهار والانماء.
هاني فحص: أهل الاعتدال بين الأديان والمذاهب أصبحوا استثناء
يشدد العلامة هاني فحص على أهمية الاعتراف بالآخر الديني كفعل شراكة، مشيراً إلى أن التعدد المذهبي أمر طبيعي، ولكن كل مذهب يسعى إلى احتكار رؤيته للمقدسات. ويرى أن التقريب بين المذاهب الإسلامية مسألة ضرورية، «لكنه شأن علمي خاص»، لافتاً إلى الدور التاريخي الذي أداه علماء أهل السُنّة والعلماء الشيعة في معرفة كل طرف للآخر.
• ما قراءتكم لما يحدث بين الحين والآخر من تعرض لزوجات الرسول، وما شابه؟
- المشكلة في رأيي هي مشكلة الأديان التوحيدية عموماً والمذاهب المتفرعة عنها خصوصاً. كلنا نعتبر أن مكوِّنات إيماننا والتزامتنا الدينية تؤدي إلى إلغاء الآخر، ومن هنا تأتي الشتائم المتواصلة والمتنامية كماً ونوعاً لمقدسات الآخرين، وكأن الدين والتدِّين يتلخص فيها. وأعود دائماً إلى دور الدولة في عدم قدرتها على جمع مكوّنات اجتماعها الاثنية والدينية على مشروع وطني واحد، يحوّل توتر الهويات نزوعاً حقيقياً نحو المواطنَة والاندماج والعيش المشترك. وعلى هذا، إذا قررت الدولة أن تقوم بوظيفتها كحاضن فإنها تصغي إلى مجتمعها وطليعته العلمية بداعي الشراكة، فتكون بذلك قد ألزمت مجتمعها وطليعته الإصغاء إليها، أي إقامة العلاقة على الحوار الذي يجعل الدولة تتبصر في تعدد اجتماعها، وتتلمس علاماته في تكوينها، فإن تراجَعَ منسوبه تراجع دورها وفعلها وإن تقدم هذا المنسوب التعددي تقدمت الدولة والمجتمع. إذا، لابد للدولة من أن تنشط أدوات الحوار والاندماج، ما يوفر لها حراكاً يحفظها ويجددها كضرورة اجتماع بالولاء والنقد معاً، ويمنع الاعتراض عليها من أن يتحول سعياً لنقضها أو تقويضها. وعندما تختار الدولة أن تنفصل عن اجتماعها، تكف عن الإصغاء، فيكفّ الاجتماع عن الإصغاء إليها. فإذا كابرت الدولة ردت بالاشتغال على تظهير الفوارق بين مكونات اجتماعها وطلائعه العلمية لتجد مكانها ومكانتها في السجال الذي يؤول إلى الصراع الأهلي، مغرياً المجتمع بالاستقواء على الدولة جراء استقوائها عليه. وفي العادة فإن الدولة تستثمر الفوارق الكمية في مكونات اجتماعها فتغري الغالبية بموافقتها على أنها، أي الدولة، حافظة مصالحها، ما يغري حالات أقلوية أن تتذرع بفكر آخر (قومي مثلاً) لتغري جماعتها بالهيمنة والاستئثار وتهميش الغالبية، وهذه الحال تختزن عنفاً مضاعفاً عندما تنقلب الأمور التي تنقلب عادة وإن طال الزمان.
إن الدولة هي أساس في مسألة التقارب أو التقريب، وعليها أن ترعى حركة التقارب، فتمنحها حريتها الكاملة، وتساعدها في تجديد طرائقها العلمية، من دون أهداف سياسية أو سلطوية مباشرة واختزالية تفضي إلى المصادرة والتعطيل. وهذه ليست دعوة إلى التنصل من السياسة، أو إقصاء الدولة في حيز ما عن شأنها السياسي الذي هو أهم وظائفها، بل ان في إمكان الدولة أن تتحول حاصداً سياسياً ماهراً بقدر ما تساهم في رعاية الزرع والزراع وحمايتهم.
• هل الانشقاق الديني - السياسي الذي عرفه الإسلام منذ الفتنة الكبرى هو الذي يعزز التوتر الديني بين السُنّة والشيعة؟
- التعدد المذهبي أمر طبيعي جداً ومن دون تعدد تتعرض أي أطروحة دينية أو فكرية كبيرة إلى الزوال. التعدد هو تظهير للاختلاف الضروري، معرفياً وسياسياً، وإذا كان هذا التعدد في ذاته مسؤولاً عن مساوئ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية، فلابد من أن يكون قد تأسس على الأوائل شيعياً، ولابد من أن يكون قد تأسس على الإمام علي وأئمته من أهل البيت، وهو براء قطعاً من هذا المُلك من الفعل ومن الرضى. عند السُنة تأسس هذا القطع على أبي بكر وعمر وعثمان، وأنا ابرؤهم من الرضى وممارسة الشتيمة والإلغاء، وما أتحدث عنه هو غير الصراع السياسي. هذا المُلك تأسس بعد عهد الراشدي، عندما طغى الانموذج الكسروي، وقد انزعج منه كثيراً عمر بن عبد العزيز، وحاول أن يضع حداً له. هذا المُلك لا أساس له لا في العقيدة ولا في الأصل الإسلامي المشترك، لأن كل فقهاء الشيعة مثلاً يكيفون العلاقات مع أهل المذاهب الأخرى على أساس المشترك الإسلامي، الإيماني، من الزواج إلى البيع والتجارة. وككل الفقهاء يحترمون الاختلاف الفقهي، وفي رأيي كل مذهب يلزم أهل المذهب الآخر بفقهه. لا يمكن أن أنسى محاولة المأمون في علاقته مع المعتزلة، وبعده أخوه المعتصم على عكس منه. ما يمكن أن يكون منشطاً لسلوك التنابذ بين أهل المذاهب يعود إلى أننا غير مشغولين بتفعيل المسار الحضاري الإسلامي، الذي أنتجناه معاً عربا ومسلمين وغير مسلمين ومؤمنين وغير مؤمنين، شوافع وأحنافا، زيدية ومالكية، حنبلية، وشيعية اثني عشرية واسماعيلية. الأمة ليست مشغولة بعمل ما، باطروحة ما، وقلة العمل تتسبب بسوء الأخلاق، وسوء الخلق سببه البطالة الحضارية. والمؤسف أن رجال الدين عموماً يلتحقون بالجماهير، ويستعملون خطابين، خطاب الاستنكار أو التنصل والتشجيع، والرضا سراً. والأخطر من هذا أن الخطاب السري السجالي والتنابذي أصبح عنيفاً. أهل الاعتدال ودعاة الأدب من الأديان والمذاهب الاسلامية أصبحوا استثناء، وكأنهم لا يمثلون أحداً إلاّ أنفسهم. هذه ليست دعوة إلى الكفّ عن الاعتدال، فالأدب الديني، القرآني، والنبوي، والعلمي، يخاطب كل الناس، وهذا ليس يأساً أو استسلاماً لأن مساحة الاعتدال تتسع بهدوء وعمق.
• إلى أي مدى تساهم شعارات الوسطية والتقريب بين المذاهب الإسلامية في تدوير الزوايا الخلافية؟
- لا أستخدم تعبير التقريب بين المذاهب الإسلامية، هذه مسألة علمية لا نفرض عليها مشاعرنا، وإن كان المفروض أن نراعيها. والسؤال: كيف نقرب بين أهل المذاهب أو بين المسلمين والمسيحيين؟ ليس التقريب بين المذاهب مستحيلاً، لكنه شأن علمي خاص جداً، وعندما يطرح التقريب بين المذاهب أمام أهل المذاهب، يحلم كل طرف بتغليب مذهبه على الآخر، ويحاول البعض أن يلفق فكرة مشتركة، وأحياناً يكون هناك دافع أو هاجس إلى تغيير ما في المنظومة العقيدية، لدى طرف واحد أو الأطراف جميعاً. هذه مقدمة للخراب، لأن العقائد في وعي أصحابها مقدسة، ولا يمكن العمل فيها، العمل يكون من خارجها، في العلاقات والقيم والمصالح المشتركة، وحين يتم ذلك، يتسرب شيء منها عبر الاشتغال على المرن في المنظومة العقيدية، وتجنب الثابت. طبعاً، التقريب بين أهل المذاهب الاسلامية يصنعه المجتمع أولاً، عبر وعيه ومصالحه المشتركة، التي تحض على اكتشاف القيم المشتركة، وتكون بحماية الدولة، ويغذيه العلماء المدنيون والدينيون. لكن من يحميه يمكن أن يخربه، والذي يغذيه يمكن أن يسممه، وهذا ما هو حاصل لدينا في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وسؤالي: هل نستطيع أن نحفظ وحدة المذهب الواحد إذا عُزلنا تماماً عن أهل المذهب الآخر؟. في تقديري أن النزاع والتوتر والانقسام ينتقل في شكل قوي الينا، إلى الطرف النابذ، ومن هنا قلت مرة في لقاء مغلق، مسيحي متخصص، انني أوافق على أن يسيطر المسلمون على المسيحيين في لبنان، شرط أن يؤكد المسلمون أنهم لن يتذابحوا، والعكس صحيح بالنسبة إلى المسيحيين والسنة والشيعة وكل أطراف المختلف، والتعدد الديني والاثني. نحن من أهل الدعوة إلى وعي الهوية المركبة، التي يصبح فيها الآخر المختلف شرطاً من شروطها، ومن دونه تصبح فقيرة وقابلة للانقسام. من هنا فإن أمن أي مذهب أو دين مشروط بأمن الآخرين. وليس سراً أن عدداً من علماء أهل السُّنَّة، كانوا متهمين بالتَّشيُّع لدى المتعصبين من السُّنَّة فقط، وهم القلّة، وأنَّ عدداً منهم من الشيعة، كانوا متهمين بالتَّسنُّن لدى القلة المتعصبة من الشِّيعة. وكان البعض ملتبساً، أي متلبساً بكامل حقيقته الإسلاميَّة والإيمانيَّة، كجمال الدِّين الأفغاني الّذي كان التباسه بين السُّنَّة والشِّيعة، وبين إيران وأفغانستان، توكيداً لانتمائه ووعيه لهذا الانتماء، ما رفعه إلى مصاف الرائد والمعلم لعلماء ومفكرين نصارى ومسلمين، وامتد الأثر المحمود لهذا الالتباس الحميد، إلى نماذج من العلماء والمفكرين، لَم تلتبس هويتهم المذهبية، أو البعد المذهبي من هويتهم المركبة، ولكنهم أطلوا على المذاهب الأخرى وأهلها إطلالة المؤمن بأنَّ الآخر مكمل للهوية. هنا يقع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت ومعهما فريق جماعة التقريب، التي ازدهرت في القاهرة المحروسة من أواسط ثلاثينات القرن المنصرم إلى أواسط ستيناته، واستطاعت السماحة المصريّة أن تمنح العالِم الشِّيعي الإيراني الشيخ محمد تقي القمي، وعن استحقاق، دور النَّاظم الكريم المكرَّم، فاستقبلت القاهرة مجموعة من كبار علماء الشِّيعة الإماميّة والزَّيديّة والإسماعيليّة والإباضيّة، مع فقهاء المذاهب الأربعة، وبحثوا عن المشتركات في الفقه وأصوله وفي المنظومة العقيدية لكلِّ مذهب، واكتشفوا أنَّ كثيراً من الخلافات لا تعدو أن تكون لفظية، وكانوا على مفصل إسقاط الدَّولة العثمانيّة والتَّجزئة وارتفاع صوت الحداثيين على الوصفة الغربية، فبحثوا في التحدِيات والمخاطر المشتركة والمصالح المشتركة والمصير المشترك، وقرروا أن ينشطوا الجسم العلمي الإسلامي والروح الإسلاميَّة لإنتاج المضادات الحيوية للإلغاء، واعتماد الممانعة بالتضامن ضماناً للسلامة أو الحدِّ من الخسائر. ولمعت أسماء كالسيِّد محسن الأمين، الّذي أصرَّ على أن يكون عالِم دمشق قبل التَّجزئة وبعدها، وعلى قلّة عدد الشِّيعة فيها وفي الدَّولة السوريّة الجديدة، فرفعه سنَّة دمشق وسورية إلى مقام المرجعيّة للمدينة والوطن السوري كلَّه. كما لمع اسم السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء نجم مؤتمر القدس في أواسط الثلاثينات، والشيخ عبدالكريم الزنجاني والشيخ سليم البشرين والشيخ عبدالمجيد سليم، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، ومحمد علوبة باشا، والشيخ محمود شلتوت، ولَم تكن مجالس التَقريب والتقارب تخلو من الشيخ حسن البنا. وامتد الأثر إلى جيلٍ ثانٍ كان من أسمائه القريبة إلى العقل والقلب والنَاس، الشيخ محمد الغزالي والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ عبد الكريم الخطيب، والشيخ محمد محمد المدني والشيخ محمود أبو رية، والشيخ عبد المقصود شلتوت، والشيخ السيِّد سابق، وغيرهم... وعندما صدر كتاب «الحالة الدِّينيّة» في مصر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في الأهرام، قبل اعوام، بإشراف الأستاذ نبيل عبد الفتاح، اكتشفنا أحد أسرار مصر والأزهر والذي لا تكفي في تفسيره مركزية ضريح الحسين ومسجده، ومسجد السيِّدة زينب في القاهرة عمراناً وعامرين، ولا مركزيّة أهل البيت في التَّكوين المصري، اكتشفنا مؤشِّراً علمياً إلى الرَّحابة المصريّة، وهو أنَّ هذا الأزهر الشَّريف لا يقلُّ عن خمسة عشر من مجموع شيوخه العظام، عدد الّذين لَم يكن لهم مذهب فقهيّ خاص.
والعالَم الّذي لا يعرف له مذهب هو أقرب إلى طبيعة النحلة، التي تختار، عن دربة ودأب وهمَّة وكفاءة، من الزَّهر ما كان غنياً بالرحيق، تحيله عسلاً، بإذن اللَّه، من دون أن تسأل زهرة أو وردة عن اسمها.
• هل يمكن مقارنة ما يشهده العالم العربي من طفرة التمذهب بما حدث خلال حقبة الحروب الدينية في اوروبا ابان القرون الوسطى؟
- لا أريد أن أؤرخ لهذه اللحظة التي انتهت، لقد انحلت المسألة عندما أضعف الاوروبيون ذاكرتهم القديمة، والبعيدة، أو ألغوها في بعض الاحيان، فأخذوا يتأملون في دورهم الجديد، ويتذكرون مستقبلهم، فكفوا عن نبش القبور واستحضار الجيف، وبنوا ثقافة تضامنية، قائمة على القانون وحرية الاختيار والتحرر والمواطنة، والاحساس بضرورة بناء ثقافة مشتركة من أجل عيش مشترك خالٍ من الأوهام. ما يعني أنهم قطعوا مع 500 عام من الحروب الدينية، فمتى نقطع؟ إن لم نقطع تقطعنا، وانقطعنا، وتقطعت فينا السبل، وتحولت أعدادنا أعباء تاريخية، وتحولت ثرواتنا مصدر نقمة، وتحول دينناً نكداً يومياً، والمطلوب من أهل الديانات الثلاث، ومن المذاهب الإسلامية، على أقل تقدير التأمل في الحقيقة الروحية، والتسامي والحوار وطلب المعرفة بالشراكة والمحبة.
• هل يمكن القول إن العقل الديني الإسلامي لا يتقبل النقد خصوصاً إذا ما قارناه بتجربة المسيحية الغربية، وأي دور للنقد في تدوير الزوايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية؟
- عقل المسلمين لا يتقبل النقد، أما العقل الإسلامي فهو يشترط النقد. في النص القرآني حرص شديد على المراجعة ومعرفة الرأي الآخر، ومراعاة حال الزمان والمكان، والإنسان، إضافة إلى أن القرآن الكريميحض على التعقل، وهذا المسار هو الذي دفع علماء المسلمين من أهل الأسئلة والقلق المعرفي والروحي، إلى أن يمارسوا نقداً عميقاً في العام الإسلامي وفي الخاص المذهبي. في حين أن العلمانيين العرب، امضوا كل فترة ما بعد عصر النهضة الحديثة في الوطن العربي، وهم يشتمون الدين بذريعة العقل والعقلانية، وقليلاً ما وجدنا نصاً نقدياً بالمعنى العلمي، لأن التقديس هو بمثابة التقويض، وهؤلاء معدودون على الأصابع وليسوا مهجوسين بالتعميمات الايديولوجية، لأنهم ينقدون ثم ينقدون نقدهم، وهناك نوع من التثاقف والتمايز بينهم، عدا عن أن عددا من رجال الدين أو من علماء الدين المدنيين والمعممين يمارسون النقد، ما يبشر ولو بعد زمن طويل بنهوض مدرسة نقدية واسعة ومؤثرة، تهدف إلى تجديد الإسلام والتجدد به لا إلغائه.