ربما هو استغباء منا للآخرين وظناً أننا نحن الأذكياء خلافاً للذين نتعامل معهم؛ فإذا رأينا شخصاً هادئَ الملامح أو ناعماً في وسامته أو رائعاً في ابتسامته ظننّا أنه شخص بسيط أو (على البركة) ويمكننا استغلالُه! فَنُمْعِنُ في التعامل معه على هذا الوتيرة، تماماً كما أمْعنّا فترة ليست بالقصيرة فظَلَمْنا النعامةَ حين اتهمْناها أنها تُدخل رأسها في الأرض لأنها جبانة وغبية! ورُحنا نطلق مُسمّى (النعامة) على كل شخص نصفه بالجُبنِ والغباء ونقول له يا (نعامة)، لكننا اكتشفنا اليوم أن النعامة إنما تُدخل رأسها في التراب كي تسمع ذبذبات صوتية تُقدِّرُ من خلالها نوع وحجم ومسافة الخطر الذي يُحدِقُ بها، ربما يكون مسلسل تخوين الأمة بأكملها مستمراً بقصد ودون قصد لإخراجها أمام العالم بصورة تصفها بالغدر والخيانة، لا أريد أن أكرر الكلام في قضية بعينها فكثيراً ما تطرَّقنا لها، لكن القضية نفسها أُثيرت من جديد حيث أشار الكاتب محمد حسنين هيكل إلى الرئيس الراحل محمد أنور السادات في برنامج (تجربة حياة) على "قناة الجزيرة" في قوله: "إنه قبل ثلاثة أيام من وفاة عبد الناصر كان هناك حوار بين عبد الناصر والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في جناح عبدالناصر بفندق النيل هيلتون وقال هيكلُ ان الحوار احتدم بينهما وتسبب في ضيق لعبد الناصر وبدا منفعلاً، وأضاف "وإن كان قد حاول عبد الناصر كتمان ذلك وقال لعرفات: إمّا ننزل غرفة الاجتماعات ونُنهي المؤتمر ونفض الموضوع ونتكلم كلام جد ونتفق... وتابع هيكل: السادات لاحظ انفعال عبد الناصر فقال له: يارَيِّس إنت محتاج فنجان قهوة وأنا ح أعمله لك بإيدي، وبالفعل دخل السادات المطبخ المرفق بالجناح وعمل فنجان القهوة لكنه أخرج محمد داوود وهو رجل نوبى وكان مسؤولاً عن مطبخ الرئيس عبد الناصر، أخرجه السادات من المطبخ وعمل فنجان القهوة وجابه بنفسه قدامي وشربه عبد الناصر". إلا أن هيكل في الوقت نفسه قال بعد سرده القصة "لا أحد يمكن تصديق هذا لأن الموضوع لا يمكن القطع فيه إلا بوجود دليل مادي"... انتهى كلام هيكل. وكأننا كنا نتابع فيلماً عربياً من أيام السبعينيات، قلتُ وأكرر لا أريد أن أُقحم نفسي بالغيب كما يقحمها الآخرون ولكن ما دام أنه لا دليل ملموساً أنَّ السادات وضع سُمّاً لعبدالناصر فَلِمَ نستحضر أمراً لا دليل على صحته، وما الهدف الآن من إثارته؟ إن طلبَ السادات من مسؤول المطبخ محمد داوود أن يخرج من المطبخ ليس دليلاً على أن السادات وضع سُمّاً لعبدالناصر، أعتقد أن هناك أساليب كثيرة ومتاحة أمام السادات لو أراد أن يتخلص من عبدالناصر كما فُعِلَ بالسادات نفسِه، لا أدري هل كان من المعقول أن يُعِدَّ الساداتُ القهوةَ وإلى جانبه جنباً إلى جنب مسؤولُ المطبخ؟ الناس مقامات والأصول أصول؛ تصوَّر أن تقوم بقيادة سيارتِكَ وسائِقُكَ يجلس إلى جانِبِكَ أو في الكرسي الخلفي؟ كفانا عبثاً بالكلام والأفعال، وكفانا اتهاماً وتشويها لرموز الأمة لنزيد من جراحها، لكن يبدو مزعجاً أن يصرف الإنسان كثيراً من وقته في سبيل قضية لا ناقة له فيها ولا جمل ولا حتى نعامة!
علي سويدان
Swaidan8@hotmail.com
علي سويدان
Swaidan8@hotmail.com