أنا مسلم سني، ولدت لأبوين مسلمين سنيين، عرفت تعاليم الاسلام بالسليقة والتلقي، وبهما قرأت التاريخ وعرفت منهج أهلي، كما علموني... وعرفت من خلالهم مذهب السنة العقدي والفقهي بالسليقة والتلقي أيضاً، صديق عمري (فاضل) مسلم شيعي ولد لأبوين مسلمين شيعيين، عرف الاسلام بالسليقة أيضاً، وعرف مذهب أهله وقرأ التاريخ والفقه من وجهة نظر روايات الشيعة... كل هذا تم بالتلقي، وبه تعلم العقيدة والفقه.
أنا لم أدرس المذهب الجعفري عقيدة وفقهاً حتى اختار أي المذهبين أدين الله به، لكني بقيت كما نشئت دون دراسة مقارنة مثلي فعل صديقي (فاضل).
لنا صديق مشترك اسمه (جاك) مسيحي كاثوليكي، ولد لأبوين مسيحيين عرف دين أهله كما عرفنا نحن، يذهب كل أسبوع ليحضر قداس الأحد، له جار يهودي اسمه (ديفيد) حاله كحالنا في التلقي والسليقة حين تعلم دين أهله وتربى عليه.
أياً منا لم يدرس الأديان ليقارن بينها، وأنا وفاضل لم ندرس المذاهب الأخرى غير مذهب كلاً منا، كنت في شبابي أقرأ بعض كتب الشيعة لكن لا لأتعرف عليها بل لأعرف خطئها فقط، (فاضل) فعل الشيء ذاته، كنا نقرأ بأعيننا لكن أذهاننا مغلقة، نقرر أن رأي المخالف خطأ قبل أن نسمعه، عندنا قناعات مسبقة راسخة بهذا الشيء، وعندما بدأت وفاضل قراءة شيء عن المسيحية أو اليهودية كنا نبحث عن الأخطاء لا لنتعلم شيء أو نعرف وجهة نظر الآخرين.
أخبرني (جاك) أنه فعل الشيء نفسه عندما قرأ عن الاسلام، وصارح ديفيد فاضل بالقصة ذاتها.
أتساءل ما المطلوب من غيرنا، كمسلين، في ظل حياة مدنية وتعقيدات... هل المطلوب من كل مسيحى أو يهودي مثلاً أن يدرس الأديان كلها دراسة مقارنة متجردة ليعتنق الدين الذي يتوصل أنه صحيح، هل المطلوب منهم أن يدخلوا الى الدين الاسلامي دون تفكير، كم يستغرق من الوقت مثل هذه الدراسة لأي شخص، وكم سوف يقضي من حياته في ظلها؟
على مستوى المسلمين هل المطلوب مني أو من صديقي (فاضل) أن ندرس المذاهب الاسلامية كلها بتجرد وعمق لنقتنع بأحد المذاهب، ومثلي يجب أن يفعل فاضل؟ فكما أعتقد بصحة وصواب ديني ومذهبي... يعتقد غيري الشيء ذاته، وبالقناعات الراسخة ذاتها.
هذه الفلسفة والفكرة لا علاقة لها بايماننا بديننا وعقيدتنا... لها علاقة فقط بطريقة مناقشتنا للآخرين واحترام آرائهم ومعتقداتهم، أقول احترامها لا من باب الشك في معتقداتنا وتهوين أمور الدين بل من باب وجود العذر لهم.
إن كان من أصول ديننا الدعوة اليه، فيجب أن ندعو الله من هذا المنطلق... منطلق أن غيرنا نشىء تنشئتنا وله ما رسخ في يقينه من عقائد وهو يرانا بذات العين التي نراها به. وفي سبيل الدعوة الى ما نعتقد صحته يجب أن يقر في نفوسنا إحترام الآخرين وتقديرهم لا إزدراءهم والحط من مكانتهم.
على مستوانا كمسلمين يجب أن تسود هذه الفكرة بيننا فكرة تقدير وإحترام الآخر وإن كان من نقاش علمي فكري فيجب أن لا يخرج من هذا الإطار.
حتى لا يشك أحد... أنا مسلم وعميق الايمان أيضاً، لكني أطرح هذه الفلسفة التي أؤمن بها وإن كانت النتائج تمر بمرحلة مخاض صعبة.


محمد صالح السبتي
yousef-8080@hotmail.com