| د. عبدالرؤوف الكمالي* |
كل مسلم يتمنى ويرجو ان ينال محبة خالقه ومولاه جل وعلا، لأن من احبه الله تعالى فقد فاز في الدنيا والآخرة، وتحققت له السعادة التي لا مثيل لها، والحفظ بجميع انواعه، ففي الحديث القدسي: «ان الله قال: من عادى لي وليا فقد اذنته بالحرب، وما تقرب الي عبدي بشيء احب الي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه، فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وانا اكره مساءلته (رواه البخاري).
ثم ان الانسان بعد ذلك يتمنى محبة الناس له، لأن الانسان لا يعيش وحيدا، وانما هو ضمن مجتمع يخالطه ويتعامل معه ويحتاج اليه، ولا شك ان محبة الناس له تورثه الراحة والسكينة والسعادة، ويشعر بالامن والامان وهذا غاية ما يصبو اليه الانسان في امور دنياه.
فالسؤال: هل من طريق جامع، وعنوان واضح لتحقيق تلك المحبتين؟ والجواب نعم، وهو ما ورد في هذا الحديث الشريف، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: «اتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله: دلني على عمل اذا انا عملته احبني الله واحبني الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في ايدي الناس يحبوك» (رواه ابن ماجة).
وهذا من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبعبارة مختصرة دله على معان كثيرة وعظيمة، وهي في الوقت نفسه واضحة بينة، وسهلة قابلة للتطبيق والعمل، وذلك لمن وفقه الله تعالى.
«ازهد في الدنيا يحبك الله»: نعم، ان الدنيا دار فتن وشهوات، قد جعلها الله تعالى كذلك ليبتلي عباده، فينظر من الذي يطيع منهم؟ ومن الذي يعصي؟ قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور)، وقال سبحانه (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب).
واعلم - اخي القارئ الكريم - بأن الزهد في الدنيا امر صعب عمليا وتطبيقيا، ولكن المسلم الذي قوي ايمانه بالله تعالى، يعلم علم اليقين ان الزهد فيها هو طريق الربح فيها وفي الآخرة، فمن اعتقد هذا وطبقه نجح في اختبار الدنيا ايما نجاح، وجنى الثمار التي لم تكن بالحسبان، قال الله عز وجل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)، فمن الذي يعتقد جزما بأن التقوى هي سبب الرزق والبركة وليس التقاتل على الدنيا؟
وقال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، واتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له».
واقرأ قوله تعالى (وما انفقتم من نفقة او نذرتم من نذر فإن الله يخلفه وهو خير الرازقين). ومثله قوله صلى الله عليه وسلم «ما نقص مال من صدقة» (رواه مسلم)، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الزاهدين، وما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض، وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا امة ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وارضا جعلها صدقة، فلنا فيه الاسوة الحسنة، والقدوة الكاملة، نسأل الله عز وجل ان يرزقنا محبته واتباعه، وان نكون من الزاهدين المحتسبين... وللحديث بقية، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

* استاذ الفقه بكلية التربية الأساسية