|   القاهرة - من أغاريد مصطفى   |

بعد فتوى إرضاع الموظفة لزميلها في العمل لإباحة الخلوة بينهما، والتي أثارت جدلا واسعا حتى وقت قريب - انتهى بتنحية صاحب الفتوى من رئاسة قسم الحديث في كلية أصول الدين وفي جامعة الأزهر، بالرغم من تراجعه عن الفتوى - قفزت فتوى جديدة مثيرة أطلقها وكيل كلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر في القاهرة، حرم فيها ركوب المرأة بمفردها سيارة التاكسي أو سيارة العائلة مع السائق من دون محرم خاصة ليلا لأنها خلوة غير شرعية!وكيل كلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر في القاهرة الدكتور عبد الله سمك... أفتى في إحدى القنوات الفضائية بأنه لا يجوز للمرأة أن تتواجد ليلا مع سائق التاكسي من دون محرم.معتبرا أن ذلك خلوة غير شرعية بينهما، ولا تستطيع المرأة أن تأمن على نفسها وسط الظلام بمفردها، ومشيرا إلى أنه إذا كان الوقت نهارا فإنه لا توجد حرمة في ركوب الفتاة مع سائق التاكسي.وبالنسبة لركوب المرأة مع سائق سيارة الأسرة بمفردها فإن الدكتور سمك يرى ضرورة توافر شروط عدة لجواز ذلك، وهي: أن يكون السائق حسن السمعة والسير والسلوك، وأن يكون متقدما في السن، ومتزوجا، واشترط كذلك ألا تركب الزوجة أو الابنة مع السائق من دون محرم، وذلك من باب أخذ الحيطة والحذر حفاظا على أعراض النساء، في ظل ثقافة عدم الانضباط والفوضى التي تسود المجتمع حاليا بسبب ما تبثه وسائل الإعلام من إثارة. الفتوى أثارت ردود أفعال غاضبة بين علماء الدين الذين أجمعوا على رفضها جملة وتفصيلا، وأكدوا أنها فتوى غريبة ضد الزمن والعقل والمنطق، وتأتي في إطار فوضى الفتاوى التي تبثها القنوات الفضائية.أساتذة الفقه والشريعة قالوا لـ «الراي»: إن المفهوم الشرعي الصحيح للخلوة بين المرأة والرجل لا ينطبق على حالة تواجد المرأة بمفردها داخل سيارة التاكسي أو سيارة العائلة مع السائق، باعتبار أن السيارة تتحرك وسط الآلاف من المواطنين في الشوارع، بينما الخلوة غير الشرعية بمفهومها الصحيح تعني انفراد الرجل والمرأة في مكان مغلق تماما ولا يدخل عليهما أحد فيه. وقالت العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر في القاهرة الدكتورة سعاد صالح: فتوى تحريم ركوب المرأة التاكسي مرفوضة، لأن شروط الخلوة غير الشرعية لا تتوافر في هذه الحالة.مشيرة إلى أن الأحاديث النبوية الصحيحة التي تحدثت عن الخلوة منها «لا يخلو رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما، قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ فقال - صلى الله عليه وسلم»: «الحمو الموت»، والمقصود بالحمو أي أقارب الزوج من الرجال «كأخيه وعمه».وأوضحت الدكتورة سعاد في تصريحات لـ «الراي» أن الفقهاء وضعوا شروطا لتعريف الخلوة غير الشرعية، وهي: أن يجتمع الرجل والمرأة في مكان يأمنان فيه عدم الوصول إليهما، وألا يكون هناك مانع شرعي مثل أن تكون المرأة حائضا، فإذا تحققت تلك الشروط في أي اجتماع بين رجل وامرأة كان خلوة محرمة، وهذا لا يتوافر في حالة سيارة التاكسي.وأكدت أستاذة العقيدة الإسلامية - في جامعة الأزهر الدكتورة آمنة نصير أن فتوى الدكتور عبد الله سمك كانت صادمة بالنسبة لها، وأرجعتها إلى أننا نعيش مرحلة من الفوضى في الأحكام الدينية والتي تحدث بلبلة في المجتمع.وقالت: إن وظيفة رجل الدين ليست إطلاق فتاوى وآراء غير مسؤولة تكون نتيجتها إلهاء الناس وإبعادهم عن الصواب.وأوضحت الدكتورة آمنة أن قضية الخلوة الشرعية وغير الشرعية محسومة في الشريعة الإسلامية.مشيرة إلى أن الخلوة تتحقق عندما يكون الرجل والمرأة خلف باب مغلق ومؤمن لا يقتحمه أحد، أما التاكسي فإنه يسير في الشوارع ويمر وسط الناس، فكيف تكون المرأة في خلوة غير شرعية مع سائق التاكسي وسط الآلاف من البشر؟! وأضافت: التاكسي وسيلة لتيسير الحياة على الناس، فلماذا نصعب الأمور على أنفسنا؟.وكيل الأزهر الشريف «السابق» الشيخ محمود عاشور قال: هناك فتاوى ظهرت أخيراً وأثارت بلبلة ويسعى أصحابها إلى تعريف الناس بهم ونيل الشهرة، ولكن سرعان ما تختفي تلك الفتاوى الغريبة والمرفوضة، والتي لا يقبلها عقل أو منطق، كما أنها لا تقوم على أسس دينية أو علمية.وأضاف: نحن الآن بحاجة إلى فقه الواقع الذي نعيشه، محذرا من أن الفتاوى الدينية الخاصة بالخلوة بين الرجل والمرأة إذا كانت غريبة ومثيرة فإنها تحدث خللا في المعاملة بين الرجال والنساء.مشيرا في تصريحات لـ «الراي» إلى فتاوى أخرى أكثر غرابة مثل الشيخ الذي قال: إن السيدة إذا كانت بمكان بمفردها مع كلب ذكر فإنها خلوة محرمة، وعمل المكوجي في كي وتنظيف ملابس النساء خلوة محرمة، بل قال البعض إن ذهاب المرأة للعلاج عند الطبيب خلوة محرمة.وأكد الشيخ عاشور أن الخلوة بمفهومها الصحيح هي انفراد الرجل والمرأة في مكان مغلق لا يدخل عليهما فيه أحد، أو يكونان فيه بمأمن من أن ينظر أو يعلم بهما أحد.وأشارت أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر الدكتورة ملكة زرار إلى أن معظم الفتاوى الخاصة بالخلوة بين الرجل والمرأة والتي صدرت أخيراً كانت من دون ضوابط فأحدثت بلبلة في المجتمع.وأضافت قائلة: بدلا من أن يجمع العلماء المسلمون على رأي واحد، أصبحوا يفرقونهم حول قضايا محسومة من قبل، مؤكدة أن الفقيه يجب عليه عدم الإفتاء إلا على أسس وقواعد وشروط تسمح له بالاجتهاد في الدين.