|القاهرة- من أحمد شوقي|
«هي غواية القص، أو استراحة محارب، أو هي قيلولة تعود بعدها الأمور إلى مجرياتها ويستقيم الرجل ليكمل مشواره. لست مدفوعا بالغواية وحدها، كما لا أرغب في الخروج عن السياق، أنا فقط تواق لأن أقص حكاية صغيرة».
هذا مقطع من رواية «التكوين» الجزء الثاني من ملحمة «السراسوة»، يلخص ما فعله الروائي أحمد صبري أبوالفتوح في ملحمته، فهي خدعة تلك التي بدأ بها روايته الأولى، قصة صغيرة عن «الشيخ» الذي يأخذ ابنه ليعلمه في الأزهر الشريف، لكنه لم يكتف أبدا بتلك القصة الواحدة بل أخذته غواية القص فأخرج لنا هذا العمل الضخم. صاحب «السراسوة» لم يقصد من وراء ملحمته التأريخ لعائلة فقط، بل أراد أن يؤرخ لحقبة زمنية من تاريخ مصر، بعد صدور الطبعة الثالثة من روايته «الخروج» وقرب صدور الجزء الثالث من ملحمته «أيام أخرى».
وكان لـ «الراي» معه هذا الحوار:
• كثير منا يرى في سيرته الذاتية ما يستحق أن يروى لكنه دائما يقع في حيزه الشخصي الضيق، فكيف يستطيع الأديب أن يحول سيرته الذاتية إلى شيء قيم يستحق أن يروى؟
- هناك فارق بين السيرة الذاتية وحكايات العائلة، فالأخيرة ليست سيرتك الذاتية، إنما هي حكايات نقلت إليك وأنت حيالها متلقٍ بارد، فهي لم تترك فى جسدك أو نفسك ندوبا، عكس الأحداث التي تقع للكاتب شخصيا، والتي في سردها يكون محكوما بآثار تتركها الأحداث في نفسه، فقد يتخلص من ذاتية السرد وينطلق إلى آفاق الحكي، وقد يقع في أسر الندوب فيعجز عن أن يكون عميقا ومحايدا، ورأيي أن كل شيء يصلح للحكي، المهم هو كيف يحكيه المبدع، وكيف يربطه بالعام، فيشرك فيه القارئ، أي كيف يجعله إنسانيا.
• كتبت أجزاء «السراسوة» كاملة، ثم بدأت تنشرها جزءا بعد جزء، فهل كان لملاحظات القراء على الجزئين الأول والثاني تأثير دفعك للقيام بأي تعديلات في الأجزاء الباقية؟
- حدث ذلك ولكن بصورة جزئية، وإن كنت قد حافظت على الخط العام الذي تسير فيه الملحمة «الرواية»، فأنا مثلا لم أبتدع شخصية جديدة، أو أحذف شخصية كنت قد كتبتها، ولم أمح حدثا رئيسيا أو أضف حدثا جديدا، فقط اختصرت في بعض المناطق، وأسهبت في البعض الآخر لأحافظ على إيقاع العمل ورونقه، وكل ذلك تم بعد الملاحظات التي لم تكن كلها مؤاخذات، بل كانت في الكثير من الأحيان امتداحات دفعتني لأؤكد على الخط الرئيسي في العمل.
• إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون صريحا في سرده لسيرته الذاتية أو سيرة عائلته؟
- أرى أن الانتماء للرواية هو الأهم، وليس للأسرة أو السيرة، فحين تنتمي للرواية تكتب كما تشاء دون قيود، فالمحاذير تقتل الاسترسال، وتخلق حالة من التلبك يعاني منها العمل، وقد يشعر القارئ معها بانعدام القدرة على التواصل، والصدق والصراحة في كتابة الرواية هو الصدق الفني وليس صدق الحدث.
• قمت في الرواية بفضح عصر نعده في تاريخنا عصرا ذهبيا، فماذا كنت تقصد من ذلك؟
- أنا لم أفضح عصر محمد علي، بل سردت ما يطلق عليه «التاريخ الموازي»، وهو تاريخ الناس وليس الحكام، ولهذا فإن الحداثيين يقولون إن الأدب هو أحد روافد التاريخ، وهذا في اعتقادي صحيح، فلقد أنشأ محمد علي باشا دولة عصرية، أو لنقل قطع شوطا كبيرا في سبيل ذلك، ولكنه قضى على بوادر الطبقة المتوسطة المصرية التي كانت في سبيلها لأن تتحقق في الواقع المصري قبل مجيئه، بعد أن احتكر كل شيء، فسلب تلك الطبقة الوليدة مقدرات نشأتها وتجذرها في التربة المصرية، وأنشأ طبقته الأرستقراطية من بقايا المماليك والأتراك والجراكسة والأرمن والأرناؤوط بأن منحهم الاقطاعيات والامتيازات، وهذا ما اضطررت لكشفه وأنا أكتب الرواية، غير قاصد أن أدين عصرا أو أن أمتدح غيره.
• أصدرت قبل «السراسوة» ثلاثة أعمال هي: «طائر الشوك» و«وفاة المعلم حنا» و«جمهورية الأرضين»، ولكن برز اسمك في عالم الرواية بعد «السراسوة»، فما تعليقك؟
- أعمالى كأبنائي، أحبهم على درجة متساوية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن أعمالي السابقة كان لها صدى أرضاني وقتها، فيكفي أن طبعاتها الأولى نفدت، وكون الناشر لم يطبع منها طبعات أخرى فذلك أمر يرجع له، وإلى أمراض الحياة الثقافية المصرية وموات النقد الأدبي أو ضعفه إذا كان لايزال حيا.
• أنت من أبناء جيل السبعينات بالميلاد، لكنك أصدرت أول أعمالك العام 1998، فلماذا كل هذا التأخير في النشر، وهل تهتم بفكرة الأجيال؟
- أنا من جيل السبعينات، وكتبت ونشرت لي قصص في بعض الصحف والمجلات، ولكني لم أنشر كتابا، وقد كتبت روايتي «طائر الشوك» و«جمهورية الأرضين» بعد معاناة شديدة، فـ «السراسوة» كانت تفسد عليّ كتاباتي، وتطل دائما برأسها تطالب بحقها أن تكون أول أعمالي، وأخذ ذلك مني عقدين كاملين لأنتصر عليها، وأحجمها، وأضعها في صندوق أمتعتي مهدهدا إياها لتنتظر قليلا، ولما هدأت، تمكنت من كتابة الروايتين ونشرت أيضا مجموعة «وفاة المعلم حنا»، ثم أخرجتها من صندوق أمتعتي وتعاملت معها بحنو وحب تحسدها عليه أجمل امرأة.
• نال الجزءان الأول والثاني من الرواية اهتماما نقديا وإعلاميا لافتا، ومع ذلك أشرت في إحدى ندواتك أنها لم تأخذ حقها، كيف تفسر ذلك؟
- ما معنى أن يسعى إليك ناقد كبير ليقول لك إن ملحمة «السراسوة» هي أقصى ما يمكن للكلاسيكية أن تبدعه من فن، وأنها كنز لا يفرغ، ثم لا يكتب عنها سطرا واحدا، بل وتقرأه بعد أيام يكتب عن أعمال تافهة، أو حتى ضعيفة، لقد حدث ذلك معي مرارا، وسبب لي ضيقا، وأخيرا اكتشفت أنني لا أنتمي إلى دكان من الدكاكين الأدبية التي تدفع نقاد الدكان للحديث عن الأعمال، كما أن انتمائي القومي يجعل الكثيرين يمتنعون عن الكتابة عن أعمالي، فالكثيرون منهم إما ماركسيون، أو من دعاة النيو ليبرالية، الذين يناصبون القوميين العداء، وقد فعلوا ذلك مرارا مع فتحي غانم، وأسامة أنور عكاشة، ومع محفوظ عبدالرحمن، وهللوا عندما هاجم عكاشة فكرة العروبة، فهل أفعل مثله كي يكتبوا عن أعمالى؟، وعلى الرغم من هذا صادفت «السراسوة» حظا رائعا لدى الكثيرين، بعضهم نقاد وأكثرهم أدباء كبار، وهذا يرضيني.
• العام الماضي قال الروائي إبراهيم عبدالمجيد: عندما لا تنافس رواية «السراسوة» على «البوكر» فكيف تكون هذه الجائزة حقيقية؟ تعليقا على عدم ترشيحها للقائمة الفائزة بالجائزة، لكنك شاركت بالجزء الثاني من الرواية هذا العام، في حين اتجه البعض لمقاطعتها، فهل اختلف الأمر؟
- كنت أقرب إلى مقاطعة جائزة «البوكر» هذا العام، ولكن الناشر دفع بالعمل بعد أن أقنعني، وأردت أن أثبت لنفسي أولا أن إمكانية تعافي الفعل العربي من أمراضه أمر ممكن، وعلى هذا دفعت برواية «التكوين» لتنافس في مضمار الجائزة، ولا أعرف ما إذا كان الأمر قد تغير أم لا، ولكنى آمل أن يكون الأمر أكثر شفافية ومصداقية وموضوعية من العام السابق، وألا تدخل الجائزة لعبة التوازنات.
• غابت عن الحياة الروائية في مصر خلال السنوات الأخيرة الأعمال التي يمكن وصفها بالملحمية، هل حقيقة أن الرواية الجديدة ـ بكثافتها وصغر حجمها ـ هي التي تحتل صدارة المشهد الروائي المصري في الفترة الأخيرة؟
- إشكالية النوفيلا، أو الرواية القصيرة شأنها شأن قصيدة النثر، تتلقى الهجوم تلو الهجوم ومحاولة إلصاق الضعف بأصحابها، وهذا في حد ذاته غير صحيح، فكاتب مثل حسين عبدالعليم يكتب روايات قصيرة على أعلى مستوى، ويتذوقها القارئ كفنجان القهوة «المحوّج»، لكن في الوقت نفسه الرواية الطويلة والمتوسطة كانت ولا تزال موجودة، ولم تنته أبدا، لا من مصر ولا من أي مكان في العالم، ومشكلة «السراسوة» تكمن في تحديها للوضع الروائي المصري والعربي الذي ظن البعض أنه ثابت لا يتغير، فإذا بها تقتحم الميدان وتدعو للمبارزة، ولقد انتصرت «السراسوة»، وأعادت الاعتبار لفن الرواية ولسحر الفن وللطرائق الجديدة في السرد.
• تؤكد آراء الكثيرين ممن قرأ جزءي «السراسوة» أن «التكوين» أفضل من «الخروج»، فما رأيك؟
- لست مع تلك الآراء على استقامة الخط، فـ «الخروج» كالأب الذي يحمل الهموم فوق كتفيه، ففيها المئة صحيفة الأولى التي تمثل «فرشة» للروايات الخمس، لكنها من بداية فصل «إن كانت هي النهاية فلنجعلها لا تنسى» تأخذ القارئ وتسحره، أما «التكوين» فهي رواية الصراع، صراع الإخوة وصراع الأضداد وصراع النفس، وهذا ما يعطيها الزخم والسحر.
• في الفترة الأخيرة أثيرت قضايا عديدة ضد حرية التعبير، فهل تعتبرها ظاهرة ؟ وما تعليقك عليها؟
- نعم هي ظاهرة، وتأخذ أوضاعا مختلفة للهجوم، فمرة يهاجمون التراث، ومرة يهاجمون الأعمال الإبداعية، فالظلاميون يريدون أن يصبوا الناس في قوالب لتسهل السيطرة عليهم وقيادتهم إلى الجحيم بدعوى أنهم يقودونهم إلى الخلاص، ومعركتنا مع الظلاميين آتية بلا ريب، لكن ما يؤرقني هو أن الدولة كأداة ليست مملوكة لنا، فهي إلى الظلاميين أقرب.
«هي غواية القص، أو استراحة محارب، أو هي قيلولة تعود بعدها الأمور إلى مجرياتها ويستقيم الرجل ليكمل مشواره. لست مدفوعا بالغواية وحدها، كما لا أرغب في الخروج عن السياق، أنا فقط تواق لأن أقص حكاية صغيرة».
هذا مقطع من رواية «التكوين» الجزء الثاني من ملحمة «السراسوة»، يلخص ما فعله الروائي أحمد صبري أبوالفتوح في ملحمته، فهي خدعة تلك التي بدأ بها روايته الأولى، قصة صغيرة عن «الشيخ» الذي يأخذ ابنه ليعلمه في الأزهر الشريف، لكنه لم يكتف أبدا بتلك القصة الواحدة بل أخذته غواية القص فأخرج لنا هذا العمل الضخم. صاحب «السراسوة» لم يقصد من وراء ملحمته التأريخ لعائلة فقط، بل أراد أن يؤرخ لحقبة زمنية من تاريخ مصر، بعد صدور الطبعة الثالثة من روايته «الخروج» وقرب صدور الجزء الثالث من ملحمته «أيام أخرى».
وكان لـ «الراي» معه هذا الحوار:
• كثير منا يرى في سيرته الذاتية ما يستحق أن يروى لكنه دائما يقع في حيزه الشخصي الضيق، فكيف يستطيع الأديب أن يحول سيرته الذاتية إلى شيء قيم يستحق أن يروى؟
- هناك فارق بين السيرة الذاتية وحكايات العائلة، فالأخيرة ليست سيرتك الذاتية، إنما هي حكايات نقلت إليك وأنت حيالها متلقٍ بارد، فهي لم تترك فى جسدك أو نفسك ندوبا، عكس الأحداث التي تقع للكاتب شخصيا، والتي في سردها يكون محكوما بآثار تتركها الأحداث في نفسه، فقد يتخلص من ذاتية السرد وينطلق إلى آفاق الحكي، وقد يقع في أسر الندوب فيعجز عن أن يكون عميقا ومحايدا، ورأيي أن كل شيء يصلح للحكي، المهم هو كيف يحكيه المبدع، وكيف يربطه بالعام، فيشرك فيه القارئ، أي كيف يجعله إنسانيا.
• كتبت أجزاء «السراسوة» كاملة، ثم بدأت تنشرها جزءا بعد جزء، فهل كان لملاحظات القراء على الجزئين الأول والثاني تأثير دفعك للقيام بأي تعديلات في الأجزاء الباقية؟
- حدث ذلك ولكن بصورة جزئية، وإن كنت قد حافظت على الخط العام الذي تسير فيه الملحمة «الرواية»، فأنا مثلا لم أبتدع شخصية جديدة، أو أحذف شخصية كنت قد كتبتها، ولم أمح حدثا رئيسيا أو أضف حدثا جديدا، فقط اختصرت في بعض المناطق، وأسهبت في البعض الآخر لأحافظ على إيقاع العمل ورونقه، وكل ذلك تم بعد الملاحظات التي لم تكن كلها مؤاخذات، بل كانت في الكثير من الأحيان امتداحات دفعتني لأؤكد على الخط الرئيسي في العمل.
• إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون صريحا في سرده لسيرته الذاتية أو سيرة عائلته؟
- أرى أن الانتماء للرواية هو الأهم، وليس للأسرة أو السيرة، فحين تنتمي للرواية تكتب كما تشاء دون قيود، فالمحاذير تقتل الاسترسال، وتخلق حالة من التلبك يعاني منها العمل، وقد يشعر القارئ معها بانعدام القدرة على التواصل، والصدق والصراحة في كتابة الرواية هو الصدق الفني وليس صدق الحدث.
• قمت في الرواية بفضح عصر نعده في تاريخنا عصرا ذهبيا، فماذا كنت تقصد من ذلك؟
- أنا لم أفضح عصر محمد علي، بل سردت ما يطلق عليه «التاريخ الموازي»، وهو تاريخ الناس وليس الحكام، ولهذا فإن الحداثيين يقولون إن الأدب هو أحد روافد التاريخ، وهذا في اعتقادي صحيح، فلقد أنشأ محمد علي باشا دولة عصرية، أو لنقل قطع شوطا كبيرا في سبيل ذلك، ولكنه قضى على بوادر الطبقة المتوسطة المصرية التي كانت في سبيلها لأن تتحقق في الواقع المصري قبل مجيئه، بعد أن احتكر كل شيء، فسلب تلك الطبقة الوليدة مقدرات نشأتها وتجذرها في التربة المصرية، وأنشأ طبقته الأرستقراطية من بقايا المماليك والأتراك والجراكسة والأرمن والأرناؤوط بأن منحهم الاقطاعيات والامتيازات، وهذا ما اضطررت لكشفه وأنا أكتب الرواية، غير قاصد أن أدين عصرا أو أن أمتدح غيره.
• أصدرت قبل «السراسوة» ثلاثة أعمال هي: «طائر الشوك» و«وفاة المعلم حنا» و«جمهورية الأرضين»، ولكن برز اسمك في عالم الرواية بعد «السراسوة»، فما تعليقك؟
- أعمالى كأبنائي، أحبهم على درجة متساوية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن أعمالي السابقة كان لها صدى أرضاني وقتها، فيكفي أن طبعاتها الأولى نفدت، وكون الناشر لم يطبع منها طبعات أخرى فذلك أمر يرجع له، وإلى أمراض الحياة الثقافية المصرية وموات النقد الأدبي أو ضعفه إذا كان لايزال حيا.
• أنت من أبناء جيل السبعينات بالميلاد، لكنك أصدرت أول أعمالك العام 1998، فلماذا كل هذا التأخير في النشر، وهل تهتم بفكرة الأجيال؟
- أنا من جيل السبعينات، وكتبت ونشرت لي قصص في بعض الصحف والمجلات، ولكني لم أنشر كتابا، وقد كتبت روايتي «طائر الشوك» و«جمهورية الأرضين» بعد معاناة شديدة، فـ «السراسوة» كانت تفسد عليّ كتاباتي، وتطل دائما برأسها تطالب بحقها أن تكون أول أعمالي، وأخذ ذلك مني عقدين كاملين لأنتصر عليها، وأحجمها، وأضعها في صندوق أمتعتي مهدهدا إياها لتنتظر قليلا، ولما هدأت، تمكنت من كتابة الروايتين ونشرت أيضا مجموعة «وفاة المعلم حنا»، ثم أخرجتها من صندوق أمتعتي وتعاملت معها بحنو وحب تحسدها عليه أجمل امرأة.
• نال الجزءان الأول والثاني من الرواية اهتماما نقديا وإعلاميا لافتا، ومع ذلك أشرت في إحدى ندواتك أنها لم تأخذ حقها، كيف تفسر ذلك؟
- ما معنى أن يسعى إليك ناقد كبير ليقول لك إن ملحمة «السراسوة» هي أقصى ما يمكن للكلاسيكية أن تبدعه من فن، وأنها كنز لا يفرغ، ثم لا يكتب عنها سطرا واحدا، بل وتقرأه بعد أيام يكتب عن أعمال تافهة، أو حتى ضعيفة، لقد حدث ذلك معي مرارا، وسبب لي ضيقا، وأخيرا اكتشفت أنني لا أنتمي إلى دكان من الدكاكين الأدبية التي تدفع نقاد الدكان للحديث عن الأعمال، كما أن انتمائي القومي يجعل الكثيرين يمتنعون عن الكتابة عن أعمالي، فالكثيرون منهم إما ماركسيون، أو من دعاة النيو ليبرالية، الذين يناصبون القوميين العداء، وقد فعلوا ذلك مرارا مع فتحي غانم، وأسامة أنور عكاشة، ومع محفوظ عبدالرحمن، وهللوا عندما هاجم عكاشة فكرة العروبة، فهل أفعل مثله كي يكتبوا عن أعمالى؟، وعلى الرغم من هذا صادفت «السراسوة» حظا رائعا لدى الكثيرين، بعضهم نقاد وأكثرهم أدباء كبار، وهذا يرضيني.
• العام الماضي قال الروائي إبراهيم عبدالمجيد: عندما لا تنافس رواية «السراسوة» على «البوكر» فكيف تكون هذه الجائزة حقيقية؟ تعليقا على عدم ترشيحها للقائمة الفائزة بالجائزة، لكنك شاركت بالجزء الثاني من الرواية هذا العام، في حين اتجه البعض لمقاطعتها، فهل اختلف الأمر؟
- كنت أقرب إلى مقاطعة جائزة «البوكر» هذا العام، ولكن الناشر دفع بالعمل بعد أن أقنعني، وأردت أن أثبت لنفسي أولا أن إمكانية تعافي الفعل العربي من أمراضه أمر ممكن، وعلى هذا دفعت برواية «التكوين» لتنافس في مضمار الجائزة، ولا أعرف ما إذا كان الأمر قد تغير أم لا، ولكنى آمل أن يكون الأمر أكثر شفافية ومصداقية وموضوعية من العام السابق، وألا تدخل الجائزة لعبة التوازنات.
• غابت عن الحياة الروائية في مصر خلال السنوات الأخيرة الأعمال التي يمكن وصفها بالملحمية، هل حقيقة أن الرواية الجديدة ـ بكثافتها وصغر حجمها ـ هي التي تحتل صدارة المشهد الروائي المصري في الفترة الأخيرة؟
- إشكالية النوفيلا، أو الرواية القصيرة شأنها شأن قصيدة النثر، تتلقى الهجوم تلو الهجوم ومحاولة إلصاق الضعف بأصحابها، وهذا في حد ذاته غير صحيح، فكاتب مثل حسين عبدالعليم يكتب روايات قصيرة على أعلى مستوى، ويتذوقها القارئ كفنجان القهوة «المحوّج»، لكن في الوقت نفسه الرواية الطويلة والمتوسطة كانت ولا تزال موجودة، ولم تنته أبدا، لا من مصر ولا من أي مكان في العالم، ومشكلة «السراسوة» تكمن في تحديها للوضع الروائي المصري والعربي الذي ظن البعض أنه ثابت لا يتغير، فإذا بها تقتحم الميدان وتدعو للمبارزة، ولقد انتصرت «السراسوة»، وأعادت الاعتبار لفن الرواية ولسحر الفن وللطرائق الجديدة في السرد.
• تؤكد آراء الكثيرين ممن قرأ جزءي «السراسوة» أن «التكوين» أفضل من «الخروج»، فما رأيك؟
- لست مع تلك الآراء على استقامة الخط، فـ «الخروج» كالأب الذي يحمل الهموم فوق كتفيه، ففيها المئة صحيفة الأولى التي تمثل «فرشة» للروايات الخمس، لكنها من بداية فصل «إن كانت هي النهاية فلنجعلها لا تنسى» تأخذ القارئ وتسحره، أما «التكوين» فهي رواية الصراع، صراع الإخوة وصراع الأضداد وصراع النفس، وهذا ما يعطيها الزخم والسحر.
• في الفترة الأخيرة أثيرت قضايا عديدة ضد حرية التعبير، فهل تعتبرها ظاهرة ؟ وما تعليقك عليها؟
- نعم هي ظاهرة، وتأخذ أوضاعا مختلفة للهجوم، فمرة يهاجمون التراث، ومرة يهاجمون الأعمال الإبداعية، فالظلاميون يريدون أن يصبوا الناس في قوالب لتسهل السيطرة عليهم وقيادتهم إلى الجحيم بدعوى أنهم يقودونهم إلى الخلاص، ومعركتنا مع الظلاميين آتية بلا ريب، لكن ما يؤرقني هو أن الدولة كأداة ليست مملوكة لنا، فهي إلى الظلاميين أقرب.