| القاهرة - من محمد عبدالفتاح |
خص الله بعض البشر بمواهب تميزهم عن غيرهم، وخواص فريدة تؤهلهم لأن يتفوقوا وأن يبدعوا في مجال ما، وعلى مر التاريخ، بدت قدرة الله تعالى واضحة، في براعم اصطفاهم بقدرات خارقة، ومواهب متفردة، نمت وترعرت وتوهجت، عندما وجدت تربة خصبة، وأجواء ملائمة ترحب بالإبداع وتعظم من شأنه، كما أن منها من لم تمنعه متاريس الجهل والتخلف وظروف الحياة الصعبة والقاسية، من البزوغ والظهور بقوة كشمس لا يحجب أشعتها حاجب.
وعلى مدى 15 حلقة، تغوص «الراي» في بحار العباقرة الصغار، الذين نضجت عقولهم مبكرا فأبدعوا في شتى مجالات الحياة سواء الفنية أو العلمية أو العسكرية وقدموا للبشرية خدمات جليلة واختراعات مميزة وهم دون العشرين عاما، لنعلم كيف تربوا، وكيف عاشوا، وكيف بزغت مواهبهم، وكيف تحدوا الصعاب وتغلبوا عليها، وكيف وكيف... ونتعرف عن قرب على ابتكاراتهم واختراعاتهم المميزة التي أفادت ولاتزال تفيد البشرية إلى يومنا هذا منذ أن كانت مجرد فكرة في أذهانهم إلى أن خرجت إلى النور ومراحل تطورها.
وهذه الحلقات ليس الغرض منها التسلية والترفيه في نهار شهر الصيام، ولكنها دروس بليغة، نتعلم منها كيف نكتشف الموهبة ونرعاها ونقدم لها العون والاهتمام، حتى نجني من ورائها المردود الطيب، كما نقدم هذه النماذج المشرفة لأبنائنا الصغار كي يستفيدوا منها ويتخذوا من هؤلاء العباقرة قدوة لهم، ونؤكد أن العباقرة الصغار أولى بالاهتمام والرعاية من سواهم أنصاف الموهوبين الذين يستحوذون على الاهتمام الأكبر والدعم المطلق رغم إسهاماتهم الهزيلة وغير المؤثرة في حياة البشر.
إننا في مجتمعاتنا العربية، نحتاج إلى مجتمع يهتم بمواهب أبنائه الصغار، بدلا من أن يجهد نفسه في تحطيمها بقصد أو من دون قصد؛ فلا يجني إلا فشلا وتدنيا وتأخرا وترهلا على كل المستويات... نحتاج منظومة بناء متكاملة متفاهمة، تعرف هدفها وترسم طريقها جيدا، وتنقب عن المواهب، وتسقيها بماء الحب والتقدير والاحترام والرعاية؛ لتعود إلينا بالخير والنماء، فالاهتمام بموهبة واحدة يعادل الاهتمام بعشر أو عشرين بل ألف من الشخصيات العادية التقليدي

هو واحد من أبرز علماء المسلمين استطاع بفضل عبقريته الفذة أن يسبق عصره وزمانه ويتوصل إلى اكتشافات وابتكارات مازال العلم الحديث يعتمد عليها حتى الآن... وكان موسوعة جامعة لكل العلوم من «طب وفلك وكيمياء وفلسفة ومنطق وغيرها»... انه أبو الطب أو الشيخ الرئيس العالم العلامة العبقري ابن سينا الذي أظهر نبوغا شديدا منذ طفولته المبكرة وبرزت عبقريته الفذة قبل أن يتم العاشرة من عمره، وعندما وصل إلى الثامنة عشرة كان قد ألم بعلوم الطب والفلسفة وأصبح من أشهر أطباء عصره وعالج الأمير من مرض عضال ألم به.

النشأة
في العام 980 ميلادية ولد أبوعلي الحسين بن عبدالله بن الحسين بن علي بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس، لأسرة فارسية الأصل في قرية «أفشنة» في بخارى الخاضعة آنذاك للدولة السامانيةـ وبحسب ويكبيديا الرقمية الإلكترونية وفي مراحل الطفولة الأولى ظهرت عليه علامات النبوغ فكان دائم السؤال عن الأشياء التي لا يعرفها، وله مقدرة عظيمة على الحفظ مكنته من إتمام حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة، بعد ذلك اتجه إلى دراسة الفقه والفلسفة والأدب والطب، ثم حدث أن قدم إلى بخارى عالم متخصص بعلوم الفلسفة والمنطق اسمه «أبوعبد الله النائلي»، فاستضافه والد ابن سينا، وطلب إليه أن يلقن ابنه شيئا من علومه، فما كان من هذا العالم إلا أن تفرغ لتلميذه، ولقنه دروسا من كتاب «المدخل إلى علم المنطق»، فاكتشف المعلم انه امام تلميذ عبقري فتعجب لذلك أشد العجب نظرا لصغر سنه.
وبحسب كتب التاريخ العربي ومواقع الإنترنت... فإن العلامة ابن سينا لم يقتصر في البحث والدراسة على فرع واحد من فروع العلم، فقد قرأ في علوم مختلفة ومتباينة، إلا أنه أحس بميل شديد إلى علوم الطب فأقبل عليها بنهم منقطع النظير، وكثيرا ما كان يعتمد على نفسه وعبقريته الفذة في تحصيل هذه العلوم الصعبة، وفي بعض الأحيان عندما كانت تقف أمامه مسألة صعبة أو أمر محير كان يستشير طبيبيّ الأمير نوح: أبا سهل المسيحي، وأبا منصور الحسن بن نوح.
ظل العبقري الشاب يدرس ويبحث في الطب وعلومه سنوات إلى أن أصبح واحدا من أشهر الأطباء... في تلك الأيام انتشرت الأمراض بين الناس في مدينة بخارى واشتد فتكها بالفقراء الذين لا يجدون ثمن العلاج، ولأن الأطباء في بخارى كانوا قليلي العدد فقد بالغوا في أجورهم.
أما الطبيب العبقري الشاب ابن سينا فلم يبالغ في أجره بل كان يبذل جهده في علاج الفقراء في المساجد والمنازل، ومن هنا نال بين أهل بخارى شهرة واسعة لرحمته وفضله، وأصبح مصدرا للدهشة والإعجاب بين أصدقائه وبني قومه، وأيضا أقبل عليه الأطباء ليستفيدوا من علمه الغزير، وسنه حينذاك لم تكن قد تجاوزت السادسة عشرة، فكان يتعامل معهم بأدب جم وتواضع شديد.
أما شهرته فقد تضاعفت وأصبحت سيرته على كل لسان عندما نجح في علاج الأمير نوح من مرض عضال بعد أن عجز طبيباه الكبيران في علاجه... وما حدث آنذاك أن الأمير مرض في شدة ويئس طبيباه من علاجه بعد أن استنفدا كل المحاولات، فقررا استدعاء ابن سينا ولم يجدا مفرّا من استشارته رغم حداثة سنه ورغم أنه تتلمذ على أيديهما، فجاء الطبيب الصغير إلى مجلس الأمير وما أن دخله حتى تغير لون وجهه من الخجل، وقال لأستاذيه في تواضع شديد: كيف أعالج أميرا أنتما طبيباه وكلاكما لي أستاذ؟ فقالا له بكل تقدير: يا أبا علي، لقد صرت من الطب في مكانة رفيعة ونحن نعرف تواضعك، فذهب وفحص الأمير، واستطاع أن يصف العلاج الصحيح الذي جعله الله سببا في شفائه، فقربه الأمير من مجلسه، وأذن له بالاطلاع على دار كتبه.
ولقد فرغ ابن سينا من تحصيل جميع العلوم من لغة وفقه وحساب وهندسة ومنطق وفلسفة وطب، ووقف على تفصيلاتها ودقائقها وأغراضها وهو في سن الثامنة عشرة، إلا علما واحدا استعصي عليه ولم يفهمه وهو علم ما بعد الطبيعة «الإلهيات». وحسب كتب السيرة الذاتية فقد قرأ كتاب أرسطو في هذا العلم ولم يفهم منه شيئا، وأعاد قراءته «40» مرة حتى حفظه عن ظهر قلب دون أن يفهمه. وفي يوم من الأيام ذهب إلى السوق فعرض عليه دلال كتابا صغيرا في علوم ما بعد الطبيعة، فرده ابن سينا ردا متبرما متحججا بأنه علم لا فائدة منه. فأخبره الدلال بأن الكتاب سعره 3 دنانير فقط وصاحبه في حاجة إلى ثمنه، فاشتراه منه فإذا هو كتاب الفارابي في علوم ما بعد الطبيعة. فأسرع ابن سينا إلى البيت وقرأه بدقة وتركيز وما أن انتهى منه حتى تمكن من فهم كل ماعجز عن إدراكه من كتاب أرسطو، ففرح لهذا وتصدق كثيرا على الفقراء.

رحلات ابن سينا
بعد أن اضطربت أمور الدولة السامانية، وبعد أن مات والده والأمير نوح، خرج ابن سينا من بخارى إلى كركانج، وكان يلبس زي الفقهاء، فأكرمه أمير خوارزم وقرر له راتبا شهريا يساعده على الحياة الكريمة. وانتقل بعد ذلك إلى جرجان وخراسان وقصد الأمير قابوس فأكرم وفادته. ولما أسر الأمير قابوس وسجن غادر إلى دهستان ومرض بها مرضا صعبا، فعاد إلى جرجان وفيها تنقل ابن سينا من قصر أمير إلى آخر حتى تقلد الوزارة وبذلك دخل العبقري الشاب إلى مجال السياسة وهو مجال غريب عليه ولا يفهم فيه الكثير ولا يجيد التعامل مع المكائد.
أهم مؤلفاته