كان لا بد من الانتظار بضعة أيام قبل محاولة السعي إلى فهم أبعاد التصعيد الذي يشهده لبنان حالياً. كانت ذروة التصعيد أحداث الأحد الماضي الذي سمي «الأحد الأسود» على خطوط التماس القديمة بين الشياح ذات الغالبية الشيعية وعين الرمانة ذات الغالبية المسيحية. يتبين الآن بشكل مفضوح أن ما شهدته بيروت في الأسابيع القليلة الماضية، أي منذ بدأت حملة إحراق الدواليب في الشوارع عبر مراهقين تشرّبوا الروح المذهبية يحتجون على انقطاع التيار الكهربائي، يدخل في سياق تغطية الجريمة الكبرى المتمثلة في اغتيال رفيق الحريري. كان ذلك اغتيالاً لمشروع إعادة الحياة إلى لبنان. ولذلك ليس مستغرباً استمرار الحملة الهادفة إلى اغتيال رفيق الحريري مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة بغية تغطية ما ارتكبه النظام السوري.كانت البداية الحقيقية لعملية التغطية للجريمة في الثامن من مارس 2005 عندما نزل «حزب الله» إلى الشارع بتظاهرة كبيرة بغية «شكر» النظام السوري. على ماذا يريد شكره... هل على اغتيال رفيق الحريري؟ أنزل الحزب الإيراني إلى الشارع عشرات الآلاف من أنصاره وأنصار أدواته رافعين شعارات واضحة كل الوضوح. كشف الحزب يومذاك أوراقه كلها. لم تعد هناك أسرار. كل ما في الأمر أن ما فشل به الرئيس اللبناني السابق الذي يخجل المرء من ذكر اسمه، تحول إلى مهمة على «حزب الله» تأديتها. كان الرئيس السابق الذي حصلت الجريمة في عهده الممدد قسراً يسعى إلى إخلاء مسرح الجريمة والتخلص من المعالم وفتح الطريق فوراً، وكأن اغتيال رفيق الحريري حادث سير. لم ينجح في ذلك رغم الجهود كلها التي بذلها والتي شملت نقل سيارات الموكب، بما في ذلك السيارة التي كان فيها رفيق الحريري إلى مكان آخر. كان المخطط يقضي بتأكيد أن الاغتيال حادث عابر، وكان من المتوقع ألاّ تتجاوز الردود تلك التي تلت اغتيال كمال جنبلاط في العام 1977 أو بشير الجميل في العام 1982 أو رينيه معوض في العام 1989 وعشرات الآخرين من المفتي حسن خالد، إلى نقيب الصحافة رياض طه، إلى الشيخ صبحي الصالح، إلى النائب ناظم القادري، إلى عشرات الضباط والجنود واللبنانيين بمن فيهم مستشار رئيس الجمهورية محمد شقير، أحد رفاق رياض الصلح...يتابع «حزب الله» حالياً المهمة التي فشل فيها الرئيس السابق الذي أخذ على عاتقه تغطية الجريمة بدعم من الجهاز الأمني - السوري - اللبناني الذي صار معظم أركانه في السجن. ينفذ الحزب، الذي يحتل الأملاك العامة والخاصة في وسط بيروت، المهمة التي فشل فيها الرئيس السابق الذي غادر بعبدا أخيراً، بإرسال مراهقين إلى الشارع ودفعهم إلى الاصطدام بالجيش. اكتشف الحزب الإيراني أن هذه اللعبة في غاية الخطورة في المناطق ذات الكثافة السنية. إنها لعبة لا يمكن ممارستها سوى في حدود معينة نظراً إلى أنها تزعج النظام الإيراني. ولهذا السبب نقل الدواليب المحترقة في اتجاه خط الشيّاح عين الرمانة. لم يكن مطلوباً يوم «الأحد الأسود» الاكتفاء بإثارة الغرائز المذهبية لدى المسيحيين والتذكير باندلاع الحرب الأهلية انطلاقاً من عين الرمانة في الثالث عشر من أبريل 1975 فحسب، وذلك بناء على توجيهات مباشرة من دمشق، بل كان جلياً أن المطلوب حرق الأوراق السياسية للعماد ميشال سليمان قائد الجيش المرشح الوفاقي لرئاسة الجمهورية أيضاً. ومن أجل تحقيق الأهداف المطلوب تحقيقها، كان الاصطدام المتعمّد بالجيش ومحاولة الإساءة إلى جنوده. باختصار شديد، كان الهدف إثارة الجنود والتضحية بالشبان من أجل استغلال دم الشهداء في مرحلة لاحقة. ولا شك أن «حزب الله» نجح في ذلك إلى حد كبير بدليل نجاحه في جعل شبان يسقطون قتلى من جهة، وفي إخافة أهل عين الرمانة المسيحيين من جهة أخرى وتذكيرهم بأن ثمة من عليه نقل مكان سكنه قريباً. لم يكن في استطاعة «حزب الله» السعي إلى تحقيق ما يصبو إليه لولا ذلك الغطاء الذي توفره له تلك الأداة المسيحية المسماة «الجنرال». لا يتقن ميشال عون، الحاقد كل ما هو ناجح وحضاري، سوى مهمة واحدة هي الإساءة إلى لبنان والمسيحيين خصوصاً تهجير من لم يهاجر منهم. ولذلك لم يعد يصدر عنه بعد أحداث «الأحد الأسود» سوى الكلام الذي لا معنى له، في حين كان مطلوباً أكثر من أي وقت الوقوف مع لبنان، ومع الذين يرفضون تغطية الجرائم التي ذهب ضحيتها أشرف اللبنانيين من رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما... إلى النقيب وسام عيد الذي ذنبه الوحيد المساعدة في كشف هوية القتلة!سيستغل «حزب الله» استشهاد مجموعة من الشبان في أحداث «الأحد الأسود» إلى أبعد حدود، علماً أن المسؤول عن الجريمة من دفع بهؤلاء إلى التظاهر وإحراق الدواليب لأسباب لا علاقة لها بالكهرباء وانقطاعها، بمقدار ما أن لها علاقة بتغطية الجريمة التي وراءها النظام السوري. في النهاية، كل ما يجري حالياً يندرج في سياق ما جرى منذ الرابع عشر من فبراير 2005 يوم اغتيال رفيق الحريري. هناك نظام مسؤول عن الجريمة وهناك من يسعى إلى تغطية الجريمة انصياعاً لرغبة هذا النظام المتحالف مع النظام الإيراني الذي سيتبين يوماً أنه لم يكن بعيداً عن الانقلاب الذي يتعرض له الوطن الصغير الذي أعاده رفيق الحريري إلى الخريطة السياسية الإقليمية والدولية بفضل مشروع الإنماء والإعمار. بدأ الانقلاب بالتمديد للرئيس اللبناني في سبتمبر من العام 2004. ولمّا لم يسكت اللبنانيون على التمديد، جاءت محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة. ولما استمرّت المقاومة جاء اغتيال رفيق الحريري... ثم جاءت تظاهرة الثامن من مارس لتغطية الجريمة. من اغتيال سمير قصير في الثاني من يونيو 2005 إلى يومنا هذا مروراً بالاغتيالات الأخرى كلها والتفجيرات بما في ذلك حرب صيف العام 2006، هناك مهمة واحدة تمارسها القوى التي شاركت في تظاهرة الثامن من مارس التي سعت إلى الحؤول دون الانسحاب العسكري السوري من لبنان. تقتصر المهمة على شكر النظام السوري على ما قام به وتغطية جرائمه... والتأكيد أن لبنان «ساحة» للمحور الإيراني - السوري. في ظل هذه المعطيات وهذا السياق، من يستغرب ما حصل يوم «الأحد الأسود»؟ من يستغرب افتعال صدام في منطقة بيروتية حساسة طائفياً يوم اجتماع المجلس الوزاري العربي في القاهرة؟ أوليست تلك رسالة للعرب أيضاً فحواها إما أن يرضخوا للمحور الإيراني - السوري في لبنان، بما في ذلك الانتهاء من المحكمة الدولية وإما تعطيلها... وإما البلد مقبل على حرب أهلية.

خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن