ماذا يمكن أنْ يحصل لو تنازل معاويةُ بن أبي سفيان وأجَّل المطالبة بالبحث عن قتلةِ عثمان إلى الانتهاء من البتِّ في مسألة الخلافة، وماذا يمكن أن يحصل إنْ أسرع عليُّ بن أبي طالب واستجاب لطلب معاوية وبدأ الاثنان البحثَ عن قتلة عثمان أولاً وقبل البتِّ في مسألة الخلافة؟ وتوصَّلا لتفاهم لإدارة البلاد إلى أنْ يصطلحَ الطرفان على حاكم واحد تتوحد عليه الأمة، ولكن بعدما قُتِلَ الخليفةُ الراشد عثمان بن عفان، طالب معاويةُ بن أبي سفيان بتنفيذ القصاص بالقَتَلَة، وقد أخذ معاويةُ قميصَ عثمان دليلاً على مقتله، وفي تلك الآونة تولّى الحكم الخليفةُ الراشد علي بن أبي طالب ورأى أن يؤجل البحث عن القاتل حتى يستتب الأمر في الدولة خصوصاً أن قَتَلةَ عثمان قد توزَّعوا في البلاد والأمصار، لكن معاوية طالب بالثأر من القتلة لأن بني أمية هم أولياء الدم في تلك القضية، ورفض إعطاء البيعة لعليٍّ حتى تُحلَّ قضية مقتل عثمان، فلو كان عليٌّ يعرفُ مكان قتلة عثمان لما تأخر عن أنْ يقودهم للقصاص، ولو كان معاويةُ قادراً على الوصول إلى قتلة عثمان لما تأخر عن الاقتصاص منهم؟ إذاً أين المشكلة؟ إنها الفتنة التي يجب أن يستفيد العرب منها جميعاً بعدم الاستسلام لمن يُشعل نارها بيننا، إنه الوعي وإنه التريثُ قبل التصريح أو التصرُّف، فحين يُمَهِّلُ الإنسان في الأمر يُتيح له الوقت أن يفكِّر في عواقب ما سيقدم عليه من فعل أو حتى كلمة يصرح بها؛ فكما أن الدنيا قامت ولم تقعد وقت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فاليوم لننظر كيف قعدت الدنيا كلُّها لتستمع للرئيس سعد الحريري ليبيِّنَ للجميع عناصر مُضِيِّه بمسؤولياته الجديدة، وإعلان ما أخذ من معطيات متاحة أمامه، ثم ليعلن رفضه أنْ تصبح قضية التحقيق في مقتل أبيه باباً للفتنة داعياً إلى وحدة الصف والتكاتف من أجل لبنان ومن أجل دوره في تضامنٍ عربي مأمول، إن تمتع أصحاب القرار بالروية والتمهُّل تجاه أحداثٍ في المنطقة والتروّي تجاه تصريحاتِ الآخرين يمنح صاحبه أُفقاً واسعاً لخيارات كثيرة، وعلى النقيض من ذلك فإن التعجلَ في التصريح تجاه كل أمر وحيال كل حدث يضيِّقُ مساحات الاختيار، ويشلُّ قدرة الإنسان عن اللجوء إلى حلول أخرى فيما يواجه من قضايا مختلفة، إذاً التريُّث الذي يمارسه الرئيس سعد الحريري والذي حافظ به على حد مناسب يجعله أكثر حرية في الانطلاق نحو علاقات مفتوحة مع سورية خاصة ومع الآخرين عامة، حريٌّ بنا أن تكون الوحدة الوطنية وسلامة العلاقات بيننا نحن العرب خط أحمر لا يجوز تجاوزه، لأن المساس بالوطن ووحدته غدر والتحريض ضد الأمة خيانة، وتنازل الإنسان لأبناء أمته مكرمة تُحفظُ له، وخطوة لإفشال أي محاولة للإيقاع بين الأهل في الوطن الواحد، أو بين أوطاننا على امتداد الشرق، قالتِ العربُ قديماً «أخي إنْ لم يُطِعْني أطعتُه».


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com