مهما كان الإنسان سيئاً في نظر نفسه أو كانت سيرته الذاتية مليئة بالأخطاء فإن ذلك كله ليس سبباً كيْ يكرَهَ نفسه! بل من طبيعة الإنسان أن يلتمس الأعذار لنفسه، وفي الوقت ذاته ليس صحيحاً أن يدفعَهُ حبُّه لنفسه إلى تجاهل أخطائها، لذلك كان الاعتراف بالخطأ فضيلة وكان النقدُ الذاتيُّ باباً من أبواب تطوير الإنسان لذاته، إذاً انتقادُنا لأنفسِنا نحن العرب وتفكيرُنا بصوت مسموع لم يكن ولن يكون في يومٍ من الأيام خطيئة أو ذريعة أمام ضعاف الإرادة حتى يفتحوا الباب للآخرين من غير العرب ليتدخَّلوا في شؤوننا! تحت مسميات إحلال الديموقراطية أو بذريعة نزع السلاح النووي؛ فأهلُ مكةَ أدرى بشِعابِها، فعلى سبيل المثال: ليس هناك تناقض إن كنا ضدَّ العراق في سياساته العدوانية تجاه شعبه وتجاه جيرانه في حقبته السابقة وفي الوقت نفسه أن نقف إلى جانبه ضد العدوان الأجنبي عليه! فليس في الموقفيْنِ أيُّ تناقض، هكذا يُنظر للأمور حسب مصلحة الأمة! إن مسألة التوازن واستحضار العقل بجوٍّ من الهدوء يَهَبُ أصحابَ القرار قدرات مضاعفة للوصول إلى أنسب الآراء وأفضل الحلول، أمّا الانحياز دون وعي إلى طرف من الأطراف في أي نزاع (عربي - عربي) أو (عربي - أجنبي) من غير الإمعان في أسباب هذا النزاع وشبهة افتعاله من أطراف غير واضحة في الصورة وعدم النظر في عواقب الأمور، كلُّها عوامل تدفعُ نحو انتكاسة الأمة أو تهدف إلى التورط في النزاعات والحروب، نتسرع أحياناً في الاستجابة للتراشق في ما بيننا كما نتسرع تماماً في تمجيد بعضنا دون وعي ودون اتزان، ربما لو وقف العرب جميعاً في ما مضى ضد السياسة في العراق وقفةَ شجاعةٍ وحزم ورفضوا انجرافه نحو الحرب مع إيران لما طالتْ يدُه بعد ذلك لِينالَ من شعبه ومن جيرانه! إن الوعيَ الذي يجب أن تتملَّكَهُ عقولُنا وعيٌ يستحضر أمامنا التريُّثَ قبل الاستعجال في تمجيد أحدٍ أو مهاجمته! إنَّ عقول البشر هي التي تصنعُ التاريخ وتكتبُ سطورَهُ فكيف نُهملُ عقولَنا بعيداً عن الوعي واستقراء المستقبل؟ لعل أسهل حرب خاضتها أميركيا في تاريخها هي حرب دخولها العراقَ وبغداد لكنها كانت أسوأ خطوة خطتها في تاريخها، لا لشيء ولكن لأن خطوة دخولها العراق كانت الفصلَ الأول من رواية الحلم الأميركيِّ في المنطقة وهو (الشرق الأوسط الكبير)؛ والشرق الأوسط الكبير مصطلح أطلقته إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش على منطقة واسعة تضم باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا إضافة إلى العالم العربي في إطار مشروع شامل يسعى إلى تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي حسب ادعائها، وأُعلن عن ذلك في مارس عام 2004م بعد أن عرضته أميركا على مجموعة الدول الصناعية الثماني، لتبدأ ارهاصات الفصل الثاني من هذا الحلم وهو تطويق سورية المجاورة للعراق من جانب والمجاورة لإِسرائيل من جانب آخر ومحاولة استهدافها من الداخل عن طريق اتهامها بتمرير المقاتلين نحو العراق وعدم ضبط الحدود معه، مع اتهامها باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005م، ثم إيوائها للمنظمات الفلسطينية، وكانت حرب إسرائيل على لبنان في يوليو عام 2006م من عناصر الفصل الثاني لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وجاء تفعيل نشاط ما يسمى (جبهة الخلاص) في 15 سبتمبر أيضاً عام 2006م والتي تجمعُ عبدالحليم خدام مع «الإخوان المسلمين» وآخرين، ليقول يومها عبدالحليم خدّام: (جبهة الخلاص ستركز على العمل داخل سورية لتسريع عملية التغيير)؛ وسرعان ما حصل التغيير ولكن في جبهة الخلاص فانفرطتْ هذه الجبهة عام 2009م بانفراط حلم (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير)؛ وهكذا ومع عدم وعينا لكل هذا تعثَّرتْ مجريات تلك الرواية من ارضاخ المنطقة بأسرها تحت الموجة الأميركية، وكعادة السياسيين إنْ عجزوا عن الوصول إلى الهدف بالقوة والمواجهة سلكوا طريقاً أُخرى إلى الهدف نفسه، وتبدأ السياسة الأميركية الجديدة تجاه سورية ولكن هذه المرة بطلب الودِّ من سورية التي ثبتتْ أمام كل ما جرى؛ إن الإدارة الأميركية الجديدة لا تحمل سياسة جديدة بسبب أنها إدارة جديدة كما نظن نحن! إن السياسة الأميركية تقوم على استراتيجيات عامة وخطط مرحلية لها بدائل ويجري اللجوء إلى البدائل حسب التطورات في الساحة، فلا يظن أحد أن الرئيس الأميركي أوباما قد حمل شيئاً جديداً نحو الشرق، إن شعب الولايات المتحدة الأميركية لا يُسلِّم مصلحة وطنه وسياستها وثرواتها وأرواح أبنائه بيد شخص واحد كما نفعل نحن العرب! بل سلكتْ أميركيا الآن سياسة أخرى على أنغام التقارب السوري - التركيِّ، ومرآتُها إسرائيلُ اليوم ترى مصلحتَها ألا تسير في طريق المفاوضات على الجولان مع سورية بشكل سريع لأنها بوجود الوسيط التركيِّ ستقفُ موقفاً ضعيفاً في التفاوض ولن تستطيع حينها فرض ما تريد، وأهم ما تريده إسرائيل من سورية التخلِّي عن دعم القضية الفلسطينية ورموزها لتنفرد السلطةُ الفلسطينية بمفاوضاتها مع إسرائيل باسم الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، وتريد إسرائيل أيضاً من سورية أن تبتعد عن لبنان ومقاومته، وكل ذلك لا تستطيع إسرائيلُ فَرْضَهُ في هذه المرحلة وبوجود الوسيط تركيا، فقامت بمهاجمة أُسطول الحرية ليس لمنع طعامٍ أو شرابٍ عن غزة، فمصرُ قد أراحتْ إسرائيلَ من هذا الجانب؛ فهي تنظم حركة الدخول والخروج على معبر رفح وتفجر الأنفاق على أصحابها وتبني الجدار الفولاذي! بل هاجمت إسرائيل «أسطول الحرية» لتعكِّرَ صفوَ العلاقة مع تركيا وتُشعرَ الشعب التركي أن «حزبَ العدالة والتنمية» الذي انتخبه قد جلب لتركيا الخصومات مع إسرائيل والغرب بتقرُّبه من العرب وقضاياهم، وهاجمت إسرائيلُ «أسطول الحرية» أيضاً لتُعَطِّل الوساطة التركية في المفاوضات على الجولان وتلعب مع الوقت إلى آخر! إنها السياسة... فالقويُّ إنْ لم تقدرْ عليهِ فصاحبْهُ.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com