سيداتي آنساتي سادتي... بقي على نهاية هذا المقال دقيقتان فقط من زمن القراءة السريعة؛ ورغم أن الروايةَ هي الحالة الأوسع للقصة العربية إلاّ أن تياراً أدبياً يرى أنه بات من القديم جداً بل من المرفوض الوصول إلى الرواية عن طريق القصة، لكن النواة الفنية والنشأة الفطرية لكليهما واحدة وربما من النشاز بل من التشويه أحياناً أن يخرج الإنسان عن الفطرة، (منتدى رواق الكلمة) والذي أسسه ويشرف عليه الدكتور ساجد العبدلي يقوم بنشاط ملموس ومشهود فهو ليس مكملاً للأندية الأدبية والمؤسسات الثقافية فحسب بل هو منافس حقيقي بهدوئه لبعض دُور الثقافة والأدب في شرقنا العتيق والتي تراوح مكانها! (منتدى رواق الكلمة) استضاف هذه المرة الأستاذ عدنان فرزات لتوقيع روايته الأولى «جمر النكايات»، حضر الأمسية جمع من الأدباء والنقاد والناشطين في مجال الثقافة وكَمٌّ من المهتمين بالأدب ونتاجه فضلاً عن حضور عدد من الكتّاب والصحافيين؛ تحكي الرواية تداخلاً إنسانياً تخالطه ممارسات سياسية في ثوب اجتماعي وبلغة شاعرية جميلة، أما شخصيات الرواية فقد قال فرزاتُ انهم أشخاص في بلدهم أشار إليهم بأسماء مشتقة من أسمائهم، بذلك أخذ الكاتبُ عناصرَ روايته وشخصياتها من صورة حية حقيقية في منطقة دير الزور في سورية، ما دعا البعض إلى التساؤل: ربما مضمون «جمر النكايات» هو خاص بتلك المنطقة وربما لا ينسحب على المجتمعات العربية مع اختلاف بيئاتها وأجواء الممارسات السياسية فيها! لكن جانبا إنسانياً واضحاً في «جمر النكايات» نلمسه أيضاً في كل رواية بل في كل عمل أدبي وهو ما شملته الرواية بأحداثها وما حملته بعنوانها؛ فمن البساطة في التفكير أن نُضَيِّق الحالة الإنسانية عامة والعربية خاصة التي عالجتها الرواية فنحصُرها بدير الزور إلاّ إذا كان سكان دير الزور قد قَدِمَ بعضهم من الفضاء عن طريق الأطباق الطائرة وليسوا من نسيج عربي تحكمه التقاليد وتؤثر فيه المبادئ! يا سيدي على العكس تماماً تلك المناطق الريفية ما زالتْ على بساطتها وأقرب إلى الفطرة بعيدة كل البعد عن ثقافة مستوردة مقيتة! ربما كرَّس الحضورُ في تلك الأمسية التعليق على مسألة الاختزال في مواقف وأحداث الرواية... وقد ركز عدد من الحضور على ذلك، لعلني أتفق مع لغة الكاتب في هذا الجانب لأن الواقع الذي طالما ندعو إلى ممارسته في الكتابة هي تلك السجية الطبيعية التي يلزم الكاتب عدم تجاهلها في نسجه لعناصر عمله، لا أن يدفعه حرصه على التجديد بقصد أو دون قصد لِيَتَجاوزَ واقعاً فطرياً حقيقياً ملموساً في المجتمع، إن فن كتابة القصة بطبيعته يعطي مجالاً للعقل لينطلق مع توقعاته وهذا ما نمارسه نحن حينما نحكي للآخرين عن أشياء حدثت معنا ونرويها لهم دون تفاصيل مملة من جانب ودون تفاصيل مهمة لكنها لا تعنينا ربما الآن في سياق الحدث، ولعلنا نستدعيها في سياق حدث آخر في القصة نفسها، وهذا ما أطلق عليه أهل الأدب بـ(الفجوة) وهو ما يتركه الكاتب ليتوقَّعه أو يُكَمِّلَهُ القارئُ كيفما شاء ما دامت تلك التتمة لا تمسُّ نسيجَ الأحداث ولا تدفعُ نحو هدف آخر لا يريدُهُ الكاتب، إذاً إنها فجوة قصصية في نسج روائي جميل... أعملَ فيها الكاتبُ أقلامَ النقّاد، وأثار بها حفيظةَ الأدباء، وانطلقَ مبدعاً مع الفطرة الإنسانية بعيداً عن الاستيراد في الكتابة دون وعي، قريباً بل معانقاً الواقع بأحداثه.


علي سويدان
Swaidan8@hotmail.com