مساكين المسؤولون في بلادنا العربية ومكتوب عليهم الشقاء ما بقوا في مناصبهم، فهم وحدهم من يتحمل عبء المسؤولية كاملة ويشقون في حياتهم العملية أعظم الشقاء... وتتمتع الشعوب بالرخاء والرفاهية نتيجة شقائهم ثم لا يأخذون سوى الذم والتذمر والانتقاد.
المسؤولون في البلاد العربية أجمع يقضون وقتهم كله في خدمة شعوبهم ويتركون مصالحهم واهتماماتهم وعائلاتهم حتى أنهم يتركون هواياتهم المفضلة، كل هذا من أجل شعوبهم، والشعوب تعيش حالة اللهو وممارسة الهوايات على قفا المسؤولين، فهؤلاء يفنون أعمارهم من أجل أن يعيش هؤلاء.
يكاد المسؤول في بلادنا لا يجد وقتاً حتى للاهتمام بنفسه أو صحته من زحمة العمل والانجاز... أتدرون كل هذا مقابل ماذا؟ انه لا يتسلم إلا راتباً شهرياً لا يتعدى في أحسن أحواله راتب أي دكتور في أي جامعة، ومع هذا فهو يترك تجارته وطموحاته المادية من أجل خدمتنا، وإذا ما تقاعد من وظيفته أو تركها أو أجبر على تركها بعد عام، أو أربعة أعوام، أو ربما أربعين عاما، فليس له إلا راتب تقاعدي يعتاش منه هو وأولاده بالكاد يسد حاجته، ولو قارن نفسه مع أقرانه الذين لم يدخلوا حقل المسؤولية، أو يتسلموا مناصب قيادية، فإنه يجدهم قد سبقوه بأعوام ضوئية وتفوقوا عليه مادياً.
المسؤول في بلادنا ملتزم بما تؤديه اليه الدولة من راتب، فهو يقضي الليل والنهار في العمل ومن أجل الشعب والوطن لكنه أبداً لا يمارس التجارة، أتدرون لماذا؟ لأن ممارسة التجارة لا تجوز له قانوناً، وهو كذلك لا يستطيع أن يبرم أي عقد من تحت الطاولة ويقبض عنه عمولة، أتدرون لماذا؟ لأنه أقسم يميناً على أداء المسؤولية بالصدق والأمانة، وهو لا يرتشي لأن الرشوة جريمة، ولا يحابي أحداً في قراراته من أجل أن يستفيد لأن هذا عيب على المسؤولين، ولا يتلقى الهدايا كالأراضي والشاليهات والسيارات والشيكات لأن في هذا شبهة رشوة... قلت لكم المسؤولين في بلادنا مساكين يتعبون من أجلنا.
بذل المسؤولون في بلادنا كل ما في وسعهم من أفكار فذة وقدرات جبارة وأوقات من أجل تنمية بلادنا وتطورها من أجل الاستفادة من ثرواتنا وفوائضنا المالية حتى يلحقونا بالأمم المتطورة، لكنا نحن الشعوب من وقف حجر عثرة في طريقهم فلم تنهض هممنا للسير على خططهم الذكية ولم نقف معهم بل وقفنا ضدهم.
في الحروب والنزاعات السياسية نجد مسؤولينا في الصفوف الأولية... هم من يدفع ثمن هذه الحروب، وللأسف غالباً ما نكون نحن من اتخذ قرارها، نحن لا نشقى في حروبنا ولا يقتل أحد من أبنائنا. وفي خلافاتنا السياسية نحن لا نتأثر أبداً لا على مستوى معيشتنا ولا في مناحي حياتنا لكن انظروا كم يدفع هؤلاء المسؤولون المساكين من أثمان باهظة نتيجة قراراتنا الخاطئة.
هل سمعتم عن مسؤول في بلادنا صدر ضده حكم لأنه سرق، أو اختلس، أو ارتشى، أو أتى فعلاً مجرماً؟ بالطبع لا، ولو سمعتم عن أحد فإنها حالات نادرة ونادرة جداً أيضاً وبلا أي شك فإن هذا المسؤول مظلوم أو وقع في حبال شبكة احتيال، لكننا نسمع كل يوم عن عشرات أو مئات من أفراد الشعب يصدر ضد أحدهم حكم بالحبس (3 أعوام) لأنه سرق من فرد آخر من الشعب 100 دينار، ونسمع عن آخر حكم عليـه بالسجن لمدة (10 أعوام) لأنه اختلس ألف دينار من المؤسسة التي يعمل بها، كما نسمع عمن سجن لمدة (15 عاما) لأنه خان الأمانة بمبلغ 100 الف دينار في الشركة المسؤول عنها. انظروا... إن نفوسنا لا تعف عن هذه المبالغ الزهيدة ومن العدل والإنصاف أن نعاقب على ما اقترفت أيدينا، لكن هؤلاء المسؤولين تعف أنفسهم عن المال العام، وعن الرشوة والتربح والسمسرة، علماً بأن تحت أيديهم (ملايين الدنانير) ولا يمدون عليها يداً لأن نفوسهم عفيفة مراعية للحرام تخاف العواقب ولذلك فإنك لا تسمع عن أحدهم أنه حبس، أو عوقب بأي عقوبة.
نحن الشعوب سبب البلاوي كلها وهؤلاء مساكين، ورغم كل هذا فهم لا يسمعون منا سوى الانتقاد والتذمر والشكوى فلا نحن عملنا معهم ولا نحن أكرمناهم بسكوتنا... نحن نستحق الإعدام ليعيش هؤلاء، نستحق الحرق ليحيا هؤلاء حتى يكونوا ملاذاً وأمناً ورخاءً للأوطان.


محمد صالح السبتي
yousef-8080@hotmail.com