| إبراهيم صموئيل |
/>الباحثون عن منجى لأنفسهم من صخب كأس العالم في جنوب إفريقيا لن يظفروا بركن أو ملجأ أو مخبأ! عبثاً سيحاول غير المهتمين، «فضلاً عن النافرين من هذه اللعبة»، أن يأووا إلى جزيرة أو خلوة بعيداً عن الصياح والصراخ، بل والتشاجر!
/>ستتقافز الكرة الملوّنة لتلاحقهم إلى بيوتهم وأماكن عملهم وجامعاتهم وحارات منازلهم وشوارع مرورهم... إلى محطات تلفزتهم المفضّلة، وإذاعاتهم وحتى إلى هواتفهم المحمولة: «اشترك في مسابقة كذا تنل بطاقة سفر إلى جنوب إفريقيا لمشاهدة المباريات على نحو حي ومباشر» ما من مفر لهم حتى لو التزموا أسرّة نومهم لأن الصيحات ستهاجمهم من النوافذ المجاورة والشوارع والسيارات مع كل فوز لهذا المنتحب أو ذاك على مدار شهر كامل وتقتحم غرفهم!
/>أحسب أن من الأفضل أن ينخرطوا في المونديال، ويتحمّسوا لمنتخب دولة ما، وينتصروا لفوزه، ويناقشوا مجريات المباراة، فالكرة طوال شهر كامل ستطير فوق رؤوسهم وتدلف إلى آذانهم وتتراقص أمام أعينهم مهما حاولوا التجاهل أو الاستخفاف أو ما شاكل ذلك إزاء هذه اللعبة.
/>في الحربين العالميتين نأت بعض الدول بنفسها، أما في «حرب» كأس العالم كل أربع سنوات مرة «علاوة على الحروب المحلية والإقليمية في الدوري وكؤوس القارات»، فما من أحد في بقاع الأرض يمكنه أن يقول: «لا علاقة لي بما يجري» بل إن إحدى المشكلات الكبرى مصادفة بدء المونديال مع امتحانات المدارس الإعدادية والثانوية في غير بلد عربي مما يهيّج جنون الأهل حول مصائر أبنائهم الذين وإنْ تظاهروا بالالتفات إلى الدراسة والاستعداد للامتحانات فإن الهتافات وحدها التي تملأ المدن والقرى والبلدات كافية لإشغال أذهانهم بغير الدراسة!
/>عدد من الأزواج علّقوا على جدران منازلهم لوائح تعليمات صارمة موجّهة إلى الزوجات على الخصوص «اللواتي غالباً لا يُعِرنَّ اهتماماً لمشاغل الرجال هذه»، تتعلّق بالكيفيات والأوضاع التي يجب على الأسرة أن تكون عليها خلال المونديال، وحصر المشاهدة برغبات الأب وأبنائه الصبيان خصوصاً دون أي مسلسل أو أغنية أو ما شابه ذلك!
/>باختصار: ثمة قيامة لا سبيل لإقعادها!
/>ولهذا، فالأفضل والأرحم لغير العابئين بكرة القدم أن يتظاهروا بالاهتمام، ويحاولوا المشاركة، لأن المشاركة في الهرج والصياح ـ حتى من دون معرفة بقوانين اللعبة وتقدّم الفائز وخروج الخاسر وركلات الترجيح ..الخ ـ من شأنه أن يخفّف الوقع الثقيل والكابوس اليومي على الأذن والنفس عبر الهروب إلى الأمام إذ لا مهرب للخلف إطلاقاً!
/>لا مهرب، لأنك ستسمع جارك المتاخم لبيتك يدافع عن منتخبه بالقول: «نحن» أعددنا أنفسنا جيداً للفوز بالكأس في هذا المونديال، ليردَّ عليه جار آخر قائلاً: «أنتم» لم تتمكنوا من الفوز بكأس الدوري في بلادكم حتى تفوزوا بكأس العالم!! ويقتحم جار أبعد موجّهاً كلامه للجارين معاً: في الحقيقة لا «أنتم» ولا «هم» بل «نحن» من أجمعت استطلاعات الرأي على فوز منتخبنا بالكأس والأيام بيننا!
/>وفي غمرة المشاحنة والجدال ستكتشف أن الضمائر المنفصلة لا تعني أبداً بلدان المتكلم والمخاطَب والغائب العربية، بل الأجنبية دوماً كالبرازيل والأرجنتين وانكلترا وغيرها وإِنْ كان المتشاحنون قد استخدموا تلك الضمائر في غير دلالاتها الطبيعية المعتادة!
/>رغم هذا، فإن لم تكن الكأس الذهبية بالذات هي محط الاهتمام لدى البعض فإن الأجواء الكرنفالية، والاحتفالات، والألوان، والرقصات... تستحق المتابعة بل وتغري بها وتعد بالبهجة في غيابٍ شبه تامّ لبهجات عربية خالصة في حياتنا!
/>