| دمشق - من جانبلات شكاي - بيروت - «الراي» |
اتسم المشهد السياسي اللبناني باستعادته حيوية لافتة على مستويات مختلفة ما من شأنه ان يساعد على تخطي بعض الذيول التي تركها الانقسام الحكومي حول التصويت على العقوبات الدولية على ايران الاسبوع الماضي والمضي نحو تنفيذ عدد من الملفات العالقة داخلياً.
وهذه الحيوية اتخذت طابعاً متزامناً امس مع انعقاد القمة الثالثة بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد في دمشق، في حين كان مجلس النواب يعقد ثاني جلسة تشريعية له منذ تشكيل الحكومة الحالية.
وما قبل القمة والجلسة كانت الحكومة قد خطت نحو انجاز مناقشة الموازنة العامة واقرارها في جلسة اخيرة ستعقد بعد غد الجمعة وهي المرة الاولى منذ خمس سنوات يصار فيها الى اقرار الموازنة.
واذ انتظرت الاوساط السياسية النتائج التفصيلية للقمة اللبنانية السورية كمؤشر اساسي لابراز التطورات الايجابية الحاصلة في ملف العلاقات اللبنانية السورية، اعتبرت مصادر واسعة الاطلاع لـ «الراي» ان المناخ الاقليمي وما يرتبه من تحديات وأخطار على لبنان طغى على هذه القمة وان كانت المسائل الثنائية استحوذت على جانب اساسي منها. ذلك ان ملف الاتفاقات الثنائية الذي امكن التوصل الى تحقيق تقدم بارز حياله في اجتماعات اللجنة التحضيرية التقنية قبل يومين، كان من الدوافع الايجابية التي تزامنت مع انعقاد القمة لكنها تُركت لمسارها الجاري بين الحكومتين في انتظار انعقاد الهيئة المشتركة التي يرأسها رئيسا الوزراء في كل من البلدين. اما الجانب الاقليمي فبدا العامل الاهم نظراً الى استمرار التحديات الضاغطة والتي تقول المصادر نفسها انها باتت تهدد لبنان من اتجاهين هما التطورات المتعلقة بتداعيات الهجوم الاسرائيلي على «اسطول الحرية» من جهة، وتداعيات العقوبات الدولية على ايران من جهة اخرى. وفي كلا الاتجاهين فان لسورية دوراً محورياً في الاضطلاع به تجاه لبنان ومعه في مواجهة هذين الاستحقاقين.
ولعله لم يكن من المصادفة ان توجه اسرائيل امس، وفي اللحظة التي كان فيها الرئيس سليمان يتأهب للمغادرة الى دمشق، تحذيراً الى لبنان في شأن الاعداد لسفينتين في اطار سفن «اسطول الحرية» ستتوجهان الى ساحل غزة قريباً بذريعة ان «حزب الله» هو من يقف وراءهما.
واذا كانت القمة اللبنانية - السورية أطلت على هذا المشهد الاقليمي الشديد الالتباس والخطورة، فان الجانب الداخلي من المشهد السياسي عكس واقعاً مختلفاً. ذلك ان عودة مجلس النواب الى الانعقاد والحركة الكثيفة المتصلة بالملفات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تساعدان على بلورة استقرار داخلي تقول المصادر انه ما كان ممكناً ثباته لولا ازدياد مؤشرات التنسيق مع سورية في هذه المرحلة الحرجة. ومع ان كثيراً يرسمون علامات الشكوك والتحفظ عن بعض هذه المؤشرات في انتظار ظهور معالم عملية لاعادة التطبيع مع سورية، فان المصادر تقول ان المرحلة المقبلة مرشحة للمضي في هذا الخيار بفعل حسابات واقعية لا بديل منها خصوصاً مع ازدياد مؤشرات الخطورة في المناخ الاقليمي.
في موازاة ذلك، التأم البرلمان اللبناني في جلسة تشريعية لم تخلُ من «حماوة مضبوطة» على خلفيات ملفات مالية وسياسية داخلية واقليمية، في حين برز اعلان الاتحاد العمالي العام تعليق اضرابه الذي كان مقررا غداً الى وقت لم يحدد بانتظار ما سيؤول اليه الحوار مع اللجنة الوزارية التي شكلها مجلس الوزراء في جلسته اول من امس برئاسة الحريري لدرس المطالب العمالية.
ومعظم الملفات الثنائية والإقليمية كانت حاضرة على طاولة محادثات الرئيس السوري مع نظيره اللبناني في جلستين: الأولى منهما كانت موسعة والثانية اقتصرت عليهما.
فـ «المجلس الأعلى المشترك» برئاسة الأسد وسليمان، سيعقد قريبا لتعميق العلاقات واعتماد الاتفاقات التي تم إنجازها من الطرفين، أما التوجيه بتجاوز ملف الحدود الشائك فاتخذ سواء على الحدود البرية أو البحرية.
موقع رئاسة الجمهورية في لبنان، وعلى خلاف الانتقادات التي تلقاها أخيرا ممن يحسب في الساحة اللبنانية على دمشق، فهو يلقى كل الدعم من سورية التي ترى فيه «ضمانة» للسلم الداخلي اللبناني، وسيلبي الأسد دعوة سليمان لزيارة لبنان «في الوقت المناسب».
وكما هو حال الاتفاق على الملفات الثنائية، كان الحال بالنسبة للمواضيع السياسية الإقليمية. فاللقاء انتهى بالاتفاق على استمرار التنسيق لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، والأمل باتخاذ مواقف عربية وإسلامية لكسر حصار غزة، مع التأكيد على أجراء تحقيق دولي لمعاقبة العدوان الإسرائيلي على «أسطول الحرية»، والتشديد على تحقيق المصالحة الفلسطينية.
وحسب مصادر لبنانية، فإن سليمان وصل أمس، عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا إلى مطار المزة في دمشق على متن طائرة رئاسية برفقة وفد رسمي ضم وزيري الصحة العامة محمد جواد خليفة والدولة عدنان القصار، الوزير السابق ناجي البستاني، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية ناظم الخوري، المدير العام لرئاسة الجمهورية السفير ناجي أبي عاصي، وعددا من المستشارين.
وكان الأسد على رأس مستقبلي سليمان في المطار، كما حضر الاستقبال وزيرا الخارجية وليد المعلم، والصحة رضا سعيد، والأمين العام لـ «المجلس الأعلى السوري - اللبناني» نصري خوري، وسفير سورية لدى لبنان علي عبد الكريم علي، وسفير لبنان لدى سورية ميشال خوري وأركان السفارة.
وتوجه الأسد وضيفه إلى قصر الشعب، حيث عقدا على الفور لقاء موسعاً ضم عن الجانب السوري: نائب الرئيس فاروق الشرع، والمعلم، والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان، ووزير شؤون رئاسة الجمهورية منصور عزام والوزير سعيد والسفير علي، وعن الجانب اللبناني حضر اللقاء الموسع الوزيران قصار وخليفة والسفير خوري، وعدد من المسؤولين اللبنانيين، كما حضر اللقاء نصري خوري.
وعقد الأسد وسليمان جلسة أخرى ثنائية، ثم أقام الرئيس السوري مأدبة غداء تكريماً للرئيس اللبناني حضرها أعضاء الوفدين الرسميين.
وحسب البيان السوري الرسمي، فإن مباحثات الأسد وسليمان في الجلستين الثنائية والموسعة تناولت «العلاقات الأخوية التي تجمع سورية ولبنان وضرورة المضي في تعزيزها بما يتلاءم مع طموحات شعبي البلدين الشقيقين وتم تأكيد أهمية إزالة كل ما من شأنه أن يعرقل مسيرة تطور هذه العلاقات». وأكد الأسد أن «سورية تدعم موقع رئاسة الجمهورية في لبنان وترى فيه ضمانة للسلم الداخلي اللبناني». وذكر البيان أن الرئيسين عبرا «عن ارتياحهما لما تم إنجازه على صعيد أعمال اللجنة التحضيرية المشتركة وضرورة استمرار العمل وصولاً إلى الربط بين المؤسسات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتربوية في البلدين الشقيقين لما فيه خير وازدهار الشعبين السوري واللبناني».
وذكر البيان السوري أنه «جرت مناقشة عقد اجتماع المجلس الأعلى السوري اللبناني في وقت قريب لبحث مختلف جوانب العلاقات الأخوية بين لبنان وسورية وسبل تطويرها وتعميقها واعتماد أعمال هيئة المتابعة والتنسيق وسائر اللجان المشتركة والاتفاقيات التي تم إنجازها من الطرفين».
وجاءت زيارة سليمان إلى دمشق بعد يومين من إنهاء سورية ولبنان دراسة 15 وثيقة ومذكرتين تتضمنان برنامجاً تنفيذياً لا يمكن أن يدخلا حيز التنفيذ إلا بعد توقيع الاتفاقيات المتعلقة بهما، والتي من المقرر توقيعها خلال اجتماعات اللجنة العليا المشتركة المقرر عقدها خلال الفترة القادمة برئاسة رئيسي وزراء البلدين.
وتتناول الاتفاقيات والوثائق مجالات النقل والاقتصاد والسياحة والبيئة والتعليم والزراعة والثقافة والعدل والتربية، إضافة إلى تنظيم العمالة المتبادلة وخصوصا منها السورية في لبنان.
وأوضح البيان الرئاسي السوري أن لقاء الأسد وسليمان جرى فيه أيضا «الحديث عن الحدود البرية والبحرية المشتركة والاتفاق على توجيه اللجان بدراسة الحقوق الوطنية لسورية ولبنان في مياههما الإقليمية وعلى استكمال جمع المعلومات والمعطيات من قبل كل جانب تمهيداً للمباشرة بعملية تحديد وترسيم هذه الحدود في أقرب وقت»، كما تم التأكيد على «دراسة الوضع على الحدود البرية بما يتناسب مع العلاقات الأخوية التاريخية بين الشعبين وضمان مصالح واستقرار وازدهار المواطنين على جانبي الحدود».
وعلى الصعيد السياسي والإقليمي ذكر البيان أنه «جرى بحث التطورات الخطرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وأهمية استمرار التنسيق بين البلدين الشقيقين لمواجهة التهديدات الإسرائيلية المتكررة ضد دول المنطقة والتي تستهدف خصوصاً لبنان وسورية». وأوضح البيان أن «الأسد وسليمان حيا المواقف المشرفة التي تتبناها تركيا تجاه القضايا العربية الأساسية ولاسيما القضية الفلسطينية، وعبرا عن أملهما في أن تتخذ الدول العربية والإسلامية مواقف حازمة لكسر الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة».
وفي هذا السياق وبما يؤكد رفض كل من دمشق وبيروت لقرار الحكومة الإسرائيلية تشكيل «لجنة تدقيق» إسرائيلية داخلية «أكد الرئيسان دعمهما القوي لإجراء تحقيق دولي ومعاقبة المسؤولين عن العدوان الذي شنته إسرائيل ضد أسطول الحرية في المياه الدولية».
وختم البيان إنه «جرى التأكيد على ضرورة بذل كل جهد ممكن لتحقيق المصالحة الفلسطينية باعتبارها أساساً لا غنى عنه للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي».