|فارنا - من مصطفى جمعة|
فارنا غادة المدن العريقة على مدى الازمان، لؤلؤة البحر الأسود، ليست مدينة مثل كل المدن، او نقطة على خريطة الكون وأنما درة فريدة على الأرض، ماءُ بحرِها مداد وساحلها كتاب دون شعاع فضاءات تلاقي التاريخ مع الحضارات وعِناق البحارة الذي اذابهم الشوق الى شاطئها المسجَّرِ بالحنينِِ في لحظة صمت رسمت دهشة الشجن وقتَ اللقاء في أعينٍ نوارِسٍ بيضاءَ تصدُحُ.
فارنا صخرة صمدت عمراً على شطِّ الأماني، فتاة شاردة من الاحلام وكتب الاساطير ترى في وجهها عبقري التفاصيل لحظات رحيل الشمس الى الغروب حيث يكسوها بحلةٍ حمراءَ من شفقٍ تهدل فوقَ شطآنِ الصفاء.
قبل خمسة آلاف من السنين وضع البحارة الإغريق اول خط في سجل ميلادها حيث كانت اول مستعمرة في التاريخ في العام 585 لتصبح المدينة الاشهر على ساحل البحر الأسود ومنذ ذلك التاريخ اصبحت ذات أرواحٍ تأتلف معها إذا تعارفت أرواحكم، وتختلف إذا تناكرت.
بعد رحلة طويلة قطعت فيها اكثر من 19 ساعة ما بين الكويت الى صوفيا عبر الخطوط الجوية التركية جوا ثم من العاصمة البلغارية الى فارنا بعرض البلاد واستغرقت الرحلة ما يقارب السبع ساعات بالسيارة لكن عندما وصلت الى فارنا داعب وجهي المرهق نسيم بحرها المنعش فبث في روحٍ أتعبها الترحالُ روحَ جذلٍ افتقدتها طويلا ثم تلاشت كل أطياف الكآبة بلمسة ساحرة.
كانت مناسبة قيمة ودعوة تقدر من شركة سفريات رمسيس للسياحة والسفر لكي تكون «الراي» الصحيفة الوحيدة التي رافقت وفدها الاستطلاعي الى مدن الجمال في بلغاريا قبل ان يبدأ جسر تواصلها مع الكويت عبر رحلات طيران اسبوعية تطلقها «رمسيس» مباشرة من مطار الديرة الى فارنا بدءا من 20 يونيو الجاري سواء عبر رحلات جماعية يرافقها متخصصون في السياحة البلغارية لهم باع طويل في الاماكن ويجيدون التحدث بلغتها كبناء بلدها او الفردية، فمن خلال هذه الدعوة لامست اقدامنا مسالك الزمان وسارت على طرق الحضارات لكون فارنا المدينة الكنز التي يضم أحد متاحفها التاريخية أقدم كنز ذهبي في العالم، وصافحنا ايامها المقبلة وهي تستشرف المستقبل بروح وثابة من دون ملل او كلل لكونها هي في كل عصر مدينة الزمن الات رغم انها تأسست في القرن السادس قبل الميلاد وكان حينذاك اسمها (أوديسوس) وهو اسم قلعة كانت بمثابة منارة وفنارة على ساحلها أيام التراقيين، وظلت على هذا الاسم رغم توالي الحكام والحضارات، بل واحتفظت بذات الاسم حتى اثناء أثناء وقوعها تحت سيطرة البيزنطيين.
لكن في نهاية القرن السادس الميلادي دمرت هذه القلعة قلعة واستعادت فارنا اسمها الإغريقي القديم والذي مازالت تعرف به إلى يومنا هذا باستثناء الفترة منما بين العام (1949-1956) حيث اطلق اسم ستالين تيمنا بالقائد السوفيتي (جوزيف ستالين )
وفارنا هي ثاني أكبر المدن البغارية... وأكبر ميناء بلغاري... تقع على ساحل البحر الأسود في الجزء الشمالي الشرقي لبلغاريا...وتعد مركزا ثقافيا رفيعا تعقد فيه مهرجانات فنية وثقافية بشكل سنوي وأشهرهما مهرجان (صيف فارنا) ومهرجان السينما السنوي المتعارف عليه باسم الحب جنون- )، وعاصمة سياحية تنتشر في محيطها المصايف الفخمة الراقية مثل (ألبينا) و(الرمال الذهبية-زلاتني بياستسي) و(الصداقة-دروجبا) حيث يأمها السواح من مختلف أرجاء العالم... فارنا هي أيضا المدينة المضيفة للأحداث عديدة الثقافية المرموقة.
وفي قلب فارنا المدينة توجد أماكن سياحية عديدة ومتنوعة كالاسواق السياحية وقمم الجبال الشهيرة والتلفريك كما يوجد بالقرب من فارنا نهر الدانوب وعلى ضفافه توجد العديد من القرى السياحية، إضافة إلى المدن الترفيهية ومراكز الترفيه الخاصة بالعائلات، كما يوجد في منتجعات فارنا أكبر وأشهر المصحات العلاجية في العالم وتتوفر الينابيع الجوفية المعدنية الحارة لعلاج الكثير من الأمراض المزمنة
المدينة تقع في خليج فارنا،بالقرب في واد عميق هضبة أفرين. بنية المدينة يشبه المدرج لأنها تتبع منحنيات خليج فارنا. انها محاطة بالحدائق والكروم والبساتين، وتمتاز بالطبيعة الخلابة والجو المعتدل والشواطيء الرائعة
وعلى امتداد المنطقة من منتجعات البحر الأسود في البينا وبوموري في الشرق إلى فيلينجارد وساندانسكي في جنوب غرب البلاد اكتسبت فنادق فاخرة شهرة كبيرة بين البلغاريين والأجانب على حد سواء بسبب المستوى العالي لخدماتها.
ومازالت السياحة التي تشكل نسبة ثمانية بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد واحدة من المصادر المحدودة للعملة الصعبة في أفقر دول الاتحاد الأوروبي التي انكمش اقتصادها بنسبة خمسة بالمئة العام الماضي ومن المتوقع ألا يشهد أي نمو هذا العام.
وقال مدير احدى شركات السياحة في فارنا جاني شاركوف ان إيرادات السياحة الدولية لم تتأثر بالتراجع الاقتصادي في العام الماضي فبلغت 2.6 مليار يورو (3.46 مليار دولار).
وسجلت زيادة سنوية بنسبة 7.8 بالمئة في عدد زوار منتجعات التزلق على الجليد في أول شهرين من العام. والحجوزات المبكرة لفصل الصيف في تزايد كذلك مع توقع المزيد من الزوار من المانيا وروسيا ودول الخليج.
واضاف كانت فارنا قبل انهيار الشيوعية عام 1989 مزارا لابناء الدول الاسكندنافية والكتلة السوفيتية والشرق الأوسط هم من تعتاد رؤيتهم في منتجعات بلغاريا المتخصصة في علاج نطاق كبير من الحالات منها العقم، لكن في السنوات العشر الماضية سوقت بلغاريا نفسها أساسا باعتبارها وجهة غير مكلفة لقضاء عطلات الصيف والشتاء محولة انتباهها بعيدا عن مواردها الطبيعية المتنوعة.، وخاصة منتجعات الاستشفاء والميراث التاريخي، حيث جذبت سياحة الاستشفاء استثمارات بقيمة 5.4 مليار دولار في السنوات الخمس الماضية. واستثمرت شركات من وروسيا والكويت وقطر وعمان بالفعل أو ابدت اهتماما بالاستثمار في هذا المجال.
ومع ارتفاع أعداد المسنين في أوروبا وتوافر خدمات الاستشفاء على مدار العام تأمل الحكومة ومسؤولون من القطاع أن تقود سياحة الاستشفاء قطاع السياحة لتحقيق معدل نمو يبلغ عشرة في المئة.
وقال إفو مارينوف نائب وزير الاقتصاد «ما يمكننا تقديمه كميزة تنافسية هو تفردنا بالمياه المعدنية والمواقع ذات البيئة النظيفة والتوازن الجيد بين الجودة والسعر... الآفاق هائلة. «ولكن لجذب السياح خصوصا العرب والخليجيين بعيدا عن جمهورية التشيك والمجر أكبر منافسين لبلغاريا في هذا المجال يتعين على الحكومة انفاق المزيد على التسويق وإصلاح القطارات والحافلات والطرق غير الممهدة التي مازالت تحمل آثار العهد السوفياتي.
وتمكن القطاع من تغيير الاعتقاد الشائع لدى البلغاريين بأن منتجعات الاستشفاء مفيدة فقط لكبار السن الذين يشكون من آلام العظام. ويمثل البلغاريون نحو 80 بالمئة من زوار المنتجعات الفاخرة.
والزوار الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و40 عاما الذين جربوا الاستحمام في الينابيع مع أجدادهم أو في الرحلات المدرسية يعودون إليها الآن لتجديد حيويتهم.
بعد تفتخر بلدة هيسار بمجموعة رائعة من مئات حصى الكلى والمرارة والمثانة التي طردت من الأجسام المريضة بعد علاج بمياه 22 نبعا للمياه المعدنية في المنطقة.
ويقول الطبيب سفيتيا توجاروف من مركز الاستشفاء في البلدة الذي انتشرت حوله الفنادق في السنوات القليلة الماضية «نستخدم الماء كعلاج».
وهيسار التي أسسها الرومان وكانت محاطة ذات يوم بجدران عالية لحماية ينابيع الاستشفاء واحدة من عشرات المنتجعات في بلغاريا التي تحاول انعاش تقاليد البالنيولوجي وهو العلاج عن طريق الاستحمام في مياه الينابيع الذي طالما اجتذب السياح الاثرياء للمنطقة.
و بلغاريا هدية الطبيعة لحواضر مدنها،لما فيها من انهار، بحيرات، شواطئ رملية ذهبية، سهول فسيحة، جبال مرتفعة، غابات خضراء، وهذا خلق تنوعا نادرا في بلاد وارض واحدة، تعتبر المياه المعدنية المنتشرة في كل أرجاء البلاد السبب الرئيسي في وجود حمامات ومصحات المياه المعدنية والصحية. وفي الجبال يكتشف السائح عالما ملونا من الغابات والمراعي، وتشكيلات من الصخور والقرى الأثرية.
ومن الخيارات الجيدة اكتشاف بلغاريا عبر النزهات والتجول وركوب الدراجات الهوائية أو ظهور الخيل. السفر إلى بلغاريا يعني امكانية تنوع وتعدد الأنشطة، فهي أيضا مقصد مهم لمحبي الطيور وعلم النبات وتغطي المناطق المحمية 6 في المئة من مساحتها.
من الناحية التاريخية بلغاريا واحدة من الدول ذات الماضي العريق ودليل ذلك انتشار الكنوز الأثرية الذهبية في كل مكان، والمجموعات المعمارية والصخور التي تمنح الارتياح حيث تنتصب فوقها الأديرة التي تروي تاريخ إيمان واعتقادات الناس الذين عاشوا على هذه الأراضي منذ مئات الأعوام. بلغاريا ارض الورود، والقرى فيها لا تزال محافظة على هويتها لناحية التقاليد، الألوان، الإيقاعات، والأطعمة المحلية اللذيذة.
مر العديد من الشعوب عبر الأراضي البلقانية: القرطاجيون، اليونانيون، الرومان، الصقليون، الأتراك العثمانيون، وقد ترك كل شعب من هذه الشعوب في بلغاريا آثاراً وأساليب حياة تدل على ثقافتهم، معرفتهم، وحكمتهم. لقد شكلت هذه البلاد دوما تقاطع طرق بين القارات وبوابة بين آسيا وأوروبا.
وأثبتت البعثة الفرنسية البلغارية المشتركة عبر ما وجدته من بقايا إنسان في كهف كوزانيكا أن الأراضي البلغارية كانت أولى المناطق المسكونة في أوروبا. وتوجد المصنوعات الذهبية اليدوية الأولى في العالم حاليا في المتحف الأثري في مدينة فارنا الساحلية، إضافة الى آثار أخرى من المقابر والمعابد والأقنعة الذهبية والأدوات الزراعية السلافية والفخاريات الطينية
وتمتع القرى البلغارية بهندسة معمارية تحاكي التاريخ من منازلها خشبية مثل «كوبرفيشتيتسا»، «بوزنتسي» «كوفاشفيتسا»، «شيروكالاكا»، «زيرافتا». وقد أعيد ترميمها بشكل رائع وتضم منازل ذات اسقف خشبية مزخرفة، نوافذ مقوسة، وجداريات فيها تأثيرات أوروبية غربية. كما تنتشر فيها الجسور التركية والطرق التجارية الرومانية. وللهندسة البلغارية وجود في قرى مثل «بانسكو»، «ارباناسي»، «ملينك»، «فيلكو تارنوفو» «وبلوفديف». ومن الممتع في بلغاريا حضور المهرجانات التقليدية ورؤية الفنون والحرف اليدوية. وتغطي الجبال والمواقع الطبيعية ومنها وادي الورود، حيث الآلاف من الورود تنمو وتزهر في يونيو ويوليو.
و بحيرة سريبارنا، تحتوي على أكثر من 180 نوعا من الطيور المحمية. وجبال فيرن، عبارة عن هرم رخامي بارتفاع 2914م ومنتزه عام. ونهر روبوتامو،على ساحل البحر الأسود تنمو وتعيش فيه أنواع نادرة من النباتات والحيوانات.
و صخور بلوغراد شيك، مجموعات من الصخور الرائعة عمرها يزيد على 200 مليون سنة. و- ملنيك، وهي عبارة عن أهرام حجرية رملية مرتفعة تعانق السماء. و- شلال رايسكوبراسكالو،تتساقط مياهه من ارتفاع 124م. والساحل الشمالي للبحر الأسود يتألف من منحدرات تحوي طيورا نادرة. والبحيرات السبع، في منتزه ريلا الوطني.
و كهف ياغودينا، داخله تشكيلات رائعة من الصخور الشبيهة باللآلئ.