|القاهرة - من محمود الخولي|
جدّد عالم الفيزياء النظرية المصري الدكتور محمد النشائي دعوته إلى إنشاء هيئة قومية لـ «النانو تكنولوجي»، مؤكداً أهميتها في مجال التنمية على جميع الأصعدة الاقتصادية في مصر.**
واتهم النشائي في حوار لـ «الراي» أطرافاً، قال انها تنتمي إلى القطاع الخاص، بالرغبة في الاستيلاء على مشروعه الذي تقدم به إلى مجلس الشعب «البرلمان» المصري منذ أعوام، لأغراض خاصة بهم.
واعتبر النشائي أن إسرائيل هي السبب الرئيسي في الأزمة المثارة حالياً بين دول حوض النيل، مستبعداً في الوقت ذاته أن تقوم تل أبيب بأي هجوم على إيران في ظل تأكدها من امتلاك طهران لسلاح نووي. وفي موضوع متصل دعا عالم الفيزياء النظرية إلى الإسراع بإنشاء محطات نووية مصرية، خصوصاً مع تأكيده على عدم وجود أي جدوى من طاقة الرياح.
وهذا نص ما دار معه من حوار:
• دعوت منذ 12 عاماً تقريباً إلى إنشاء هيئة عليا لـ «النانو تكنولوجي» في مصر، والآن بعد كل هذه الأعوام لم يتحقق شيء، في حين ترصد دول مثل أميركا واليابان الملايين من الدولارات للاستفادة من تطبيقاتها... كيف ترى تلك القضية؟
- تنبهت من خلال قراءاتي لموضوع تقنية «النانو» إلى أنه موضوع المستقبل، بعد أن أدركت أن الخمسين عاماً المقبلة ستشهد تغييراً في نمط الحياة بسبب هذه التقنية المرتبطة بتقنية الطاقة الذرية، ودعوت لإنشاء هيئة عليا لـ «النانو تكنولوجي» في مصر، واستجابت الدولة إلى حد كبير، وطلب مني وزير التعليم والبحث العلمي، آنذاك، الدكتور عمرو عزت سلامة كتابة تقرير عن هذا الأمر.
وبالفعل بدأنا عمل خطط كي نعمل عليها، وفجأة تم تغيير الوزارة، وبالتالي توقف كل شيء، وبعدها صدر قرار بتعييني مستشاراً للوزير لشؤون «النانو تكنولوجي»، وبدأت في إعداد تقارير متخصصة عن هذا الأمر. لكن للأسف كلما انتهينا من إعداد تقرير افاجأ بمطالب أخرى، وشيئاً فشيئاً خرجت المسألة عن النطاق الذي كنت أتصوره، بعدها عدت إلى إنكلترا، ثم منها إلى السعودية مستشاراً علمياً لسمو الأمير ترك بن محمد آل سعود نائب وزير التعليم والبحث العلمي في ذلك الوقت، وتم توفير جميع الإمكانات لنبدأ مبادرة لـ «النانو تكنولوجي» في السعودية، وقيل لي «ما عليك إلا أن تفكر ونحن نحقق لك كل ما تريد»... فكانت البداية العربية لتكنولوجيا النانو في السعودية.
• لكن من المعروف أنه كانت هناك مناقشات في لجنة الصناعة في مجلس الشعب قبل أعوام لإجازة هذه المبادرة فماذا حدث؟
- هذا أمر مرّ عليه أكثر من خمسة أعوام، حين فوجئت باتصال تلفوني من رئيس مجلس الشعب الدكتور فتحي سرور يطلب مني العودة إلى مصر لشرح وجهة نظري ورؤيتي حول هذا الموضوع، فأخبرته بصعوبة الموقف لارتباطي بالعمل في السعودية، وأن الأمر يحتاج مخاطبة مصرية رسمية عبر مجلس الشعب إلى سمو الأمير ترك لاستئذانه في الحضور إلى مصر. وبالفعل خاطب الدكتور سرور المسؤولين في السعودية رسمياً، وعلى هذا عدت وذهبت لمجلس الشعب، ولمست ترحيباً من نواب البرلمان، ورغم هذه البدايات الجيدة إلا أنني فوجئت بتراجع الاهتمام بالموضوع.
• وبماذا تفسر الأمر؟
- قد تكون هناك مجموعات مختلفة لا تريدني، أو اعتقدت أن هذا الأمر ضد مصالحها الاقتصادية.
• وما الذي يجعلك ترجح نظرية المؤامرة لتفسير ذلك؟
- لأنني فوجئت بعالم مرموق يصرح لإحدى الصحف المصرية الخاصة اليومية بالقول: لا شيء اسمه «النانو تكنولوجي»، فحدثت بلبلة، ولكنني أخيراً بدأت أستوعب أن إقصائي عن «النانو تكنولوجي» كان عملية مرتبة ومنظمة وذات مغزى. وأعتقد أن هناك محاولات من بعض المحسوبين على القطاع الخاص للاستيلاء على المساعدات العلمية الأميركية للعالم الإسلامي، وتوصلت إلى قناعة بأن هناك مخططاً من بعض الجهات كي تتجه المساعدات الأميركية إلى القطاع الخاص بدلاً من المؤسسات أو الهيئات الحكومية.
• كم كانت الميزانية التي كنت قد حددتها لهذه المبادرة؟
- حددت خمسين مليون جنيه في تقريري لمجلس الشعب، وحين قيل لي إنها ميزانية كبيرة قلت لهم: مستعد للمساهمة المالية، وما أطلبه هو تيسير الإجراءات الحكومية فقط.
• لعل من الممكن أن يكون هناك مشروع عربي مشترك في «النانو تكنولوجي»؟
- نحتاج أولاً إلى مشروع مصري، كما أن بعض الدول الخليجية بدأت التحرك في هذا المجال.
فالكويت خصصت مليون دولار من خلال «المعهد الكويتي للأبحاث» كميزانية لإنشاء هيئة «النانو تكنولوجي»، وقد قطعت شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، وفي السعودية أيضاً اتخذت خطوات مهمة.
• وأين إيران وإسرائيل من هذه التقنية؟
- إسرائيل هي أفضل دولة في هذا المجال بالنسبة لحجمها بعد أميركا واليابان، أما إيران فقد أصبحت دولة ثانوية من الدرجة الأولى، كما أنها دولة نووية من الدرجة الأولى.
• على ذكر إسرائيل... هل تعتقد أنها وراء أزمة دول حوض النيل؟
- بالطبع ومن دون أن يكون لدي أي براهين، فأنا متأكد من ذلك، لأنني أعرف طريقتهم التي تعتمد على العلم للحصول على أشياء غير علمية... كالظلم، والاحتلال، والاستبداد، وافتعال الأزمات بين الدول وبعضها.
• وماذا عما يتردد عن تمويل أميركا لمشروعات السدود في دول المنبع؟
- أميركا دورها أقل، وإذا كان هناك شيء فهو عن طريق اللوبي الصهيوني، وأعتقد أن الموقف الأميركي تجاه العالم الإسلامي وأفريقيا، تحت راية أوباما، أفضل بكثير عما سبق، ثم إنه إذا كان هناك تمويل أميركي كما تقول، فهذا ليس نكاية في مصر، ولكن لعلاقات خاصة مع دول الحوض.
أما إسرائيل فهي تفعل أي شيء وكل شيء لإضعاف مركز مصر، فهي تعتبرها عدوها الأول، فلا فلسطين، ولا العراق، ولا سورية، ولا لبنان، أو حتى إيران، تهم إسرائيل بقدر انزعاجها من قوة مصر ودورها في المنطقة.
• وكيف ترى الصورة الإيرانية تجاه إسرائيل؟
- التاريخ يقول ان إيران كانت أهم حليف لإسرائيل طوال الوقت، حتى جاءت الحكومة الإسلامية فتصادما، وأخشى ما أخشاه أنه عند نقطة معينة تتحد الحكومتان الإيرانية والإسرائيلية ضد مصالح العرب، خصوصاً مصر.
• كيف ترى ظاهرة الاعتصامات العمالية المتكررة على أرصفة البرلمان المصري؟
- أراها ذات حدين إذ لابد للإنسان أن يسأل نفسه عن أسبابها، ومن دون شك هناك أسباب موضوعية، ومن ناحية أخرى لا أشك لحظة في أن هذه الاعتصامات تستخدم إعلامياً ضد مصر ومصالحها. بالطبع لدي تعاطف مع هؤلاء العمال، لكني أرى أن الحكمة تستطيع معالجة الأشياء.
• وما تعليقك على قرار اتحاد المصريين في أوروبا برفع دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية لمنعهم من التصويت في الانتخابات المقبلة؟
- غالبية دول العالم المتقدم تسمح لأبنائها في الخارج بالتصويت في الانتخابات، وإنكلترا على سبيل المثال لم تتأثر على الإطلاق بأصوات الإنكليز المقيمين بالخارج، لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن اعتماد نتيجة الانتخابات النهائية من دون عدّ أصوات المغتربين من خلال السفارات الإنكليزية المنتشرة في العالم. أما في مصر فلا أعرف مشاكل هذه المسألة أو أبعادها، وهل من الممكن أن يساء استخدام هذا الحق، غير أنني أُثمن القرارات المصرية التي تصدر في مثل هذا الشأن.
• كيف ترى خريطة من أطلقوا على أنفسهم «الجمعية الوطنية للتغيير» برئاسة الدكتور محمد البرادعي؟
- أراها تجمع بين ناس نواياهم طيبة وآخرين نواياهم سيئة، وكما يقولون فإن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، وخاصة حين يغيب العقل.
• الحديث عن المواطنة في مصر يتصاعد من آن لآخر، كيف ترى العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر؟
- لا أفهم مغزى هذا التوصيف الذي شاع استخدامه خلال العقدين الأخيرين للتعبير عن فصل الدين عن الدولة، فأنا أرى أننا مواطنون بالدرجة الأولى من دون أن أدخل في مسألة تغيير المادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن الدين الإسلامي هو دين الدولة الرسمي، وأرفض الدخول في مثل هذه المناقشات باعتبارها تفاهات، هذا الكلام لم يحدث حتى في عهد الاحتلال، ولم يطرح حين كانت فلسفة الإنكليز «فرق تسد» لضرب علاقة المسلمين بالمسيحيين في مصر في مقتل، فقد كان حب المصريين لبلدهم هو الشوكة التي صعبت على الاحتلال الإنكليزي لمصر نزعها من حلوقهم بترابط المسلمين والمسيحيين، والتاريخ يذكر كيف أن المسلمين كانوا يصوتون لصالح مكرم عبيد القبطي، والأقباط لصالح النحاس باشا المسلم، وأعتقد أن هناك من يسعى لتضخيم الحوادث الفردية التي تحدث من حين لآخر.
• هل تتفق مع المطالبين بإنشاء أحزاب سياسية على خلفية دينية؟
- من يرد أن يؤسس حزباً سياسياً وفق القواعد القانونية المعمول بها في مصر فليفعل، أما حكاية المرجعية الدينية فتحتاج إلى تفسير، وهذه الأمور لا تقلقني، لكن إذا أتى حزب يقول أنصاره ومؤسسوه إن المسيحي لا يمكن أن يكون رئيساً للجمهورية، أو أن يتعسف ضد المرأة وحقها في أن تتبوأ المناصب العليا في الدولة حتى رئاستها للجمهورية، فهو كلام مرفوض وغير مقبول نهائياً.
• على ذكر المرأة كيف ترى وضعها في مصر الآن؟
- وصلت لمرحلة كبيرة من النضج، بما يوازي تقدير الدولة لها باستثناء عهود سابقة كانت في أوضاع أقل من الحالية.
• أحال وزير التربية والتعليم في مصر الدكتور أحمد زكي بدر المناهج الإسلامية والمسيحية إلى مفتي الجمهورية وبابا الأقباط الأرثوذكس البابا شنودة لتقييمها... كيف ترى هذا التوجه؟
- في الحقيقة لم يشغلني هذا الأمر، لأني لا أعتقد أن هناك فتنة بسبب هذه المناهج، حسبما يوحي البعض أو يريد ذلك، وسوف أردد قول الرئيس عبدالناصر «موتوا بغيظكم... لن تروا فتنة في مصر»، ولكن إذا كانت المناهج تفرق أو تستعدي المسلم على القبطي، أو العكس، فهذا شيء مشين وله آثاره السلبية على المواطنين، ومن ثم على المجتمع، وأعتقد أن من أسباب ذلك الأمر وبالدرجة الأولى هو الفقر الذي يولد الجهل.
• وكيف تريد أن نبدأ إنشاء مبادرة للنانو تكنولوجي واعتماد العلم كسبيل للنهضة والتنمية، وبيننا هذه النسبة العالية من الأمية؟
- أحتاج إلى عشرة علماء حقيقيين، وهؤلاء وحدهم قادرون على إحداث تقدم علمي رهيب، فهذا شيء وذاك شيء آخر، ثم أن هناك فرقاً بين أن أنادي بمبادرة لـ «النانو تكنولوجي» خلال هيئة قومية هدفها دعم الاقتصاد الوطني وبين مفهوم التنمية.
• كيف؟
- أنا لا أتحدث عن العلم من زاوية التنمية، إنما من زاوية رفع المستوى، وأرجو ألا يحدث تداخل في هذه الأمور.
• بمعنى؟
- عندما يكون عندي عشر جامعات سيئة المستوى العالمي، وأقوم بزيادة عددها إلى 45 جامعة سيئة المستوى، هنا لم ترفع الزيادة من مستوى التعليم، إنما تعني زيادة في العدد، في الكم وليس في الكيف.
• إذاً المشاريع التي تقوم بها الحكومة ليست تنموية في تقديرك؟
- بالطبع ليست تنموية، لأنها لم تغير أو ترفع من المستوى العلمي، ولكن إذا تغير المستوى وارتقى، هنا نكون قد وصلنا للتقدم الحقيقي... أي للكتلة الحرجة التي بعدها نستطيع التحليق في سماء النهضة.
• إذاً مشروع «النانو تكنولوجي» ليس للتنمية من وجهة نظرك.
- بالطبع ليس لذلك، ولكن لرفع المستوى، فالعالم العربي به 280 مليون نسمة، لكن على كثرتهم يقفون في ركن الحائط مقارنة بخمسة ملايين إسرائيلي متقدمين عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، لذا يجب التفريق بين رفع المستوى والتنمية.
• الاحصاءات تؤكد أن هناك 34 ألف براءة اختراع في أدراج أكاديمية البحث العلمي فكيف تقول بانخفاض المستوى؟
- العبرة ليست في عدد الأبحاث وبراءات الاختراع، ثم من الذي قيم هذه البراءات، وإذا كانت متميزة كما تقول لماذا لا نرى نتيجة؟
• ربما وراءها ضعف التمويل، أو عدم وجود ميزانية؟
- بالطبع لدينا ميزانية وإلا كيف خرج هذا العدد المهول من الأبحاث وبراءات الاختراع.
• إذاً بِمَ تفسر أنت المسألة؟
- هذه ليست اختراعات، لأن الاختراع يأتي من العلم، فإذا لم يكن العلم موجوداً من الأصل، فعلى أي شيء استند هؤلاء لما يسمونه اختراعات.
• كيف ترى مشروع توشكى الآن؟
- مشروع تنموي بلا شك، وله قيمته، صحيح أن هناك من يؤيده وهناك من يرفضه، لكن أرى أن لدينا مشاكل كثيرة تحتاج لعلاج أيسر من التنمية في هذا المشروع، الذي يحتاج لإمكانات وموارد سخية غير متوافرة لدينا.
• ما سبب تأخير إنشاء محطة نووية في مصر؟
- المنافسات غير الشريفة وراء هذا التأخير بالطبع، وهو ما يزعجني بشدة، لأننا بحاجة لإنشاء عشرين محطة وليس واحدة، وسواء كان هذا المشروع في الضبعة، أو في غيرها، فالمهم أنه لا بد أن نبدأ ونسرع في التحرك دون إبطاء.
• هناك من يردد أن العقد المقبل هو عقد طاقة الرياح كمصدر للكهرباء وليس الوقود النووي... ما تعليقك؟
- هذا كلام فارغ. أي طاقة غير البترول باستثناء النووي لن تفيد، ومن يتصور أن المستقبل لطاقة الرياح مخطئ، اللهم إلا في البلاد التي بها فوبيا من النووي، مثل ألمانيا مثلاً.
• وكيف ترى النووي الإيراني؟
- يسير في الطريق الصحيح.
• لكن هناك تخوفاً من عقوبات أميركية أو ضربة إسرائيلية ضد طهران؟
- ليس هناك من وجهة نظري أي خطر على إيران، أميركا الآن دولة عاقلة تحت رئاسة أوباما، وما تسمعه أو تقرأ عنه من هنا أو هناك مجرد «تهويش في الهواء»، ثم ان إيران لديها كذلك قنابل ذرية بدائية تمكنها من أحداث جسيمة في الشرق الأوسط، صحيح أن إيران سوف تفقد الكثير، لكن سوف تنمحي إسرائيل في المقابل من على الخريطة، ومعها بالطبع ستتحمل لبنان والأردن وأجزاء من مصر أخطاراً كبيرة... لذا لابد من تجنب حدوث أي معركة نووية في المنطقة.
جدّد عالم الفيزياء النظرية المصري الدكتور محمد النشائي دعوته إلى إنشاء هيئة قومية لـ «النانو تكنولوجي»، مؤكداً أهميتها في مجال التنمية على جميع الأصعدة الاقتصادية في مصر.**
واتهم النشائي في حوار لـ «الراي» أطرافاً، قال انها تنتمي إلى القطاع الخاص، بالرغبة في الاستيلاء على مشروعه الذي تقدم به إلى مجلس الشعب «البرلمان» المصري منذ أعوام، لأغراض خاصة بهم.
واعتبر النشائي أن إسرائيل هي السبب الرئيسي في الأزمة المثارة حالياً بين دول حوض النيل، مستبعداً في الوقت ذاته أن تقوم تل أبيب بأي هجوم على إيران في ظل تأكدها من امتلاك طهران لسلاح نووي. وفي موضوع متصل دعا عالم الفيزياء النظرية إلى الإسراع بإنشاء محطات نووية مصرية، خصوصاً مع تأكيده على عدم وجود أي جدوى من طاقة الرياح.
وهذا نص ما دار معه من حوار:
• دعوت منذ 12 عاماً تقريباً إلى إنشاء هيئة عليا لـ «النانو تكنولوجي» في مصر، والآن بعد كل هذه الأعوام لم يتحقق شيء، في حين ترصد دول مثل أميركا واليابان الملايين من الدولارات للاستفادة من تطبيقاتها... كيف ترى تلك القضية؟
- تنبهت من خلال قراءاتي لموضوع تقنية «النانو» إلى أنه موضوع المستقبل، بعد أن أدركت أن الخمسين عاماً المقبلة ستشهد تغييراً في نمط الحياة بسبب هذه التقنية المرتبطة بتقنية الطاقة الذرية، ودعوت لإنشاء هيئة عليا لـ «النانو تكنولوجي» في مصر، واستجابت الدولة إلى حد كبير، وطلب مني وزير التعليم والبحث العلمي، آنذاك، الدكتور عمرو عزت سلامة كتابة تقرير عن هذا الأمر.
وبالفعل بدأنا عمل خطط كي نعمل عليها، وفجأة تم تغيير الوزارة، وبالتالي توقف كل شيء، وبعدها صدر قرار بتعييني مستشاراً للوزير لشؤون «النانو تكنولوجي»، وبدأت في إعداد تقارير متخصصة عن هذا الأمر. لكن للأسف كلما انتهينا من إعداد تقرير افاجأ بمطالب أخرى، وشيئاً فشيئاً خرجت المسألة عن النطاق الذي كنت أتصوره، بعدها عدت إلى إنكلترا، ثم منها إلى السعودية مستشاراً علمياً لسمو الأمير ترك بن محمد آل سعود نائب وزير التعليم والبحث العلمي في ذلك الوقت، وتم توفير جميع الإمكانات لنبدأ مبادرة لـ «النانو تكنولوجي» في السعودية، وقيل لي «ما عليك إلا أن تفكر ونحن نحقق لك كل ما تريد»... فكانت البداية العربية لتكنولوجيا النانو في السعودية.
• لكن من المعروف أنه كانت هناك مناقشات في لجنة الصناعة في مجلس الشعب قبل أعوام لإجازة هذه المبادرة فماذا حدث؟
- هذا أمر مرّ عليه أكثر من خمسة أعوام، حين فوجئت باتصال تلفوني من رئيس مجلس الشعب الدكتور فتحي سرور يطلب مني العودة إلى مصر لشرح وجهة نظري ورؤيتي حول هذا الموضوع، فأخبرته بصعوبة الموقف لارتباطي بالعمل في السعودية، وأن الأمر يحتاج مخاطبة مصرية رسمية عبر مجلس الشعب إلى سمو الأمير ترك لاستئذانه في الحضور إلى مصر. وبالفعل خاطب الدكتور سرور المسؤولين في السعودية رسمياً، وعلى هذا عدت وذهبت لمجلس الشعب، ولمست ترحيباً من نواب البرلمان، ورغم هذه البدايات الجيدة إلا أنني فوجئت بتراجع الاهتمام بالموضوع.
• وبماذا تفسر الأمر؟
- قد تكون هناك مجموعات مختلفة لا تريدني، أو اعتقدت أن هذا الأمر ضد مصالحها الاقتصادية.
• وما الذي يجعلك ترجح نظرية المؤامرة لتفسير ذلك؟
- لأنني فوجئت بعالم مرموق يصرح لإحدى الصحف المصرية الخاصة اليومية بالقول: لا شيء اسمه «النانو تكنولوجي»، فحدثت بلبلة، ولكنني أخيراً بدأت أستوعب أن إقصائي عن «النانو تكنولوجي» كان عملية مرتبة ومنظمة وذات مغزى. وأعتقد أن هناك محاولات من بعض المحسوبين على القطاع الخاص للاستيلاء على المساعدات العلمية الأميركية للعالم الإسلامي، وتوصلت إلى قناعة بأن هناك مخططاً من بعض الجهات كي تتجه المساعدات الأميركية إلى القطاع الخاص بدلاً من المؤسسات أو الهيئات الحكومية.
• كم كانت الميزانية التي كنت قد حددتها لهذه المبادرة؟
- حددت خمسين مليون جنيه في تقريري لمجلس الشعب، وحين قيل لي إنها ميزانية كبيرة قلت لهم: مستعد للمساهمة المالية، وما أطلبه هو تيسير الإجراءات الحكومية فقط.
• لعل من الممكن أن يكون هناك مشروع عربي مشترك في «النانو تكنولوجي»؟
- نحتاج أولاً إلى مشروع مصري، كما أن بعض الدول الخليجية بدأت التحرك في هذا المجال.
فالكويت خصصت مليون دولار من خلال «المعهد الكويتي للأبحاث» كميزانية لإنشاء هيئة «النانو تكنولوجي»، وقد قطعت شوطاً كبيراً في هذا الاتجاه، وفي السعودية أيضاً اتخذت خطوات مهمة.
• وأين إيران وإسرائيل من هذه التقنية؟
- إسرائيل هي أفضل دولة في هذا المجال بالنسبة لحجمها بعد أميركا واليابان، أما إيران فقد أصبحت دولة ثانوية من الدرجة الأولى، كما أنها دولة نووية من الدرجة الأولى.
• على ذكر إسرائيل... هل تعتقد أنها وراء أزمة دول حوض النيل؟
- بالطبع ومن دون أن يكون لدي أي براهين، فأنا متأكد من ذلك، لأنني أعرف طريقتهم التي تعتمد على العلم للحصول على أشياء غير علمية... كالظلم، والاحتلال، والاستبداد، وافتعال الأزمات بين الدول وبعضها.
• وماذا عما يتردد عن تمويل أميركا لمشروعات السدود في دول المنبع؟
- أميركا دورها أقل، وإذا كان هناك شيء فهو عن طريق اللوبي الصهيوني، وأعتقد أن الموقف الأميركي تجاه العالم الإسلامي وأفريقيا، تحت راية أوباما، أفضل بكثير عما سبق، ثم إنه إذا كان هناك تمويل أميركي كما تقول، فهذا ليس نكاية في مصر، ولكن لعلاقات خاصة مع دول الحوض.
أما إسرائيل فهي تفعل أي شيء وكل شيء لإضعاف مركز مصر، فهي تعتبرها عدوها الأول، فلا فلسطين، ولا العراق، ولا سورية، ولا لبنان، أو حتى إيران، تهم إسرائيل بقدر انزعاجها من قوة مصر ودورها في المنطقة.
• وكيف ترى الصورة الإيرانية تجاه إسرائيل؟
- التاريخ يقول ان إيران كانت أهم حليف لإسرائيل طوال الوقت، حتى جاءت الحكومة الإسلامية فتصادما، وأخشى ما أخشاه أنه عند نقطة معينة تتحد الحكومتان الإيرانية والإسرائيلية ضد مصالح العرب، خصوصاً مصر.
• كيف ترى ظاهرة الاعتصامات العمالية المتكررة على أرصفة البرلمان المصري؟
- أراها ذات حدين إذ لابد للإنسان أن يسأل نفسه عن أسبابها، ومن دون شك هناك أسباب موضوعية، ومن ناحية أخرى لا أشك لحظة في أن هذه الاعتصامات تستخدم إعلامياً ضد مصر ومصالحها. بالطبع لدي تعاطف مع هؤلاء العمال، لكني أرى أن الحكمة تستطيع معالجة الأشياء.
• وما تعليقك على قرار اتحاد المصريين في أوروبا برفع دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية لمنعهم من التصويت في الانتخابات المقبلة؟
- غالبية دول العالم المتقدم تسمح لأبنائها في الخارج بالتصويت في الانتخابات، وإنكلترا على سبيل المثال لم تتأثر على الإطلاق بأصوات الإنكليز المقيمين بالخارج، لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن اعتماد نتيجة الانتخابات النهائية من دون عدّ أصوات المغتربين من خلال السفارات الإنكليزية المنتشرة في العالم. أما في مصر فلا أعرف مشاكل هذه المسألة أو أبعادها، وهل من الممكن أن يساء استخدام هذا الحق، غير أنني أُثمن القرارات المصرية التي تصدر في مثل هذا الشأن.
• كيف ترى خريطة من أطلقوا على أنفسهم «الجمعية الوطنية للتغيير» برئاسة الدكتور محمد البرادعي؟
- أراها تجمع بين ناس نواياهم طيبة وآخرين نواياهم سيئة، وكما يقولون فإن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، وخاصة حين يغيب العقل.
• الحديث عن المواطنة في مصر يتصاعد من آن لآخر، كيف ترى العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر؟
- لا أفهم مغزى هذا التوصيف الذي شاع استخدامه خلال العقدين الأخيرين للتعبير عن فصل الدين عن الدولة، فأنا أرى أننا مواطنون بالدرجة الأولى من دون أن أدخل في مسألة تغيير المادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن الدين الإسلامي هو دين الدولة الرسمي، وأرفض الدخول في مثل هذه المناقشات باعتبارها تفاهات، هذا الكلام لم يحدث حتى في عهد الاحتلال، ولم يطرح حين كانت فلسفة الإنكليز «فرق تسد» لضرب علاقة المسلمين بالمسيحيين في مصر في مقتل، فقد كان حب المصريين لبلدهم هو الشوكة التي صعبت على الاحتلال الإنكليزي لمصر نزعها من حلوقهم بترابط المسلمين والمسيحيين، والتاريخ يذكر كيف أن المسلمين كانوا يصوتون لصالح مكرم عبيد القبطي، والأقباط لصالح النحاس باشا المسلم، وأعتقد أن هناك من يسعى لتضخيم الحوادث الفردية التي تحدث من حين لآخر.
• هل تتفق مع المطالبين بإنشاء أحزاب سياسية على خلفية دينية؟
- من يرد أن يؤسس حزباً سياسياً وفق القواعد القانونية المعمول بها في مصر فليفعل، أما حكاية المرجعية الدينية فتحتاج إلى تفسير، وهذه الأمور لا تقلقني، لكن إذا أتى حزب يقول أنصاره ومؤسسوه إن المسيحي لا يمكن أن يكون رئيساً للجمهورية، أو أن يتعسف ضد المرأة وحقها في أن تتبوأ المناصب العليا في الدولة حتى رئاستها للجمهورية، فهو كلام مرفوض وغير مقبول نهائياً.
• على ذكر المرأة كيف ترى وضعها في مصر الآن؟
- وصلت لمرحلة كبيرة من النضج، بما يوازي تقدير الدولة لها باستثناء عهود سابقة كانت في أوضاع أقل من الحالية.
• أحال وزير التربية والتعليم في مصر الدكتور أحمد زكي بدر المناهج الإسلامية والمسيحية إلى مفتي الجمهورية وبابا الأقباط الأرثوذكس البابا شنودة لتقييمها... كيف ترى هذا التوجه؟
- في الحقيقة لم يشغلني هذا الأمر، لأني لا أعتقد أن هناك فتنة بسبب هذه المناهج، حسبما يوحي البعض أو يريد ذلك، وسوف أردد قول الرئيس عبدالناصر «موتوا بغيظكم... لن تروا فتنة في مصر»، ولكن إذا كانت المناهج تفرق أو تستعدي المسلم على القبطي، أو العكس، فهذا شيء مشين وله آثاره السلبية على المواطنين، ومن ثم على المجتمع، وأعتقد أن من أسباب ذلك الأمر وبالدرجة الأولى هو الفقر الذي يولد الجهل.
• وكيف تريد أن نبدأ إنشاء مبادرة للنانو تكنولوجي واعتماد العلم كسبيل للنهضة والتنمية، وبيننا هذه النسبة العالية من الأمية؟
- أحتاج إلى عشرة علماء حقيقيين، وهؤلاء وحدهم قادرون على إحداث تقدم علمي رهيب، فهذا شيء وذاك شيء آخر، ثم أن هناك فرقاً بين أن أنادي بمبادرة لـ «النانو تكنولوجي» خلال هيئة قومية هدفها دعم الاقتصاد الوطني وبين مفهوم التنمية.
• كيف؟
- أنا لا أتحدث عن العلم من زاوية التنمية، إنما من زاوية رفع المستوى، وأرجو ألا يحدث تداخل في هذه الأمور.
• بمعنى؟
- عندما يكون عندي عشر جامعات سيئة المستوى العالمي، وأقوم بزيادة عددها إلى 45 جامعة سيئة المستوى، هنا لم ترفع الزيادة من مستوى التعليم، إنما تعني زيادة في العدد، في الكم وليس في الكيف.
• إذاً المشاريع التي تقوم بها الحكومة ليست تنموية في تقديرك؟
- بالطبع ليست تنموية، لأنها لم تغير أو ترفع من المستوى العلمي، ولكن إذا تغير المستوى وارتقى، هنا نكون قد وصلنا للتقدم الحقيقي... أي للكتلة الحرجة التي بعدها نستطيع التحليق في سماء النهضة.
• إذاً مشروع «النانو تكنولوجي» ليس للتنمية من وجهة نظرك.
- بالطبع ليس لذلك، ولكن لرفع المستوى، فالعالم العربي به 280 مليون نسمة، لكن على كثرتهم يقفون في ركن الحائط مقارنة بخمسة ملايين إسرائيلي متقدمين عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، لذا يجب التفريق بين رفع المستوى والتنمية.
• الاحصاءات تؤكد أن هناك 34 ألف براءة اختراع في أدراج أكاديمية البحث العلمي فكيف تقول بانخفاض المستوى؟
- العبرة ليست في عدد الأبحاث وبراءات الاختراع، ثم من الذي قيم هذه البراءات، وإذا كانت متميزة كما تقول لماذا لا نرى نتيجة؟
• ربما وراءها ضعف التمويل، أو عدم وجود ميزانية؟
- بالطبع لدينا ميزانية وإلا كيف خرج هذا العدد المهول من الأبحاث وبراءات الاختراع.
• إذاً بِمَ تفسر أنت المسألة؟
- هذه ليست اختراعات، لأن الاختراع يأتي من العلم، فإذا لم يكن العلم موجوداً من الأصل، فعلى أي شيء استند هؤلاء لما يسمونه اختراعات.
• كيف ترى مشروع توشكى الآن؟
- مشروع تنموي بلا شك، وله قيمته، صحيح أن هناك من يؤيده وهناك من يرفضه، لكن أرى أن لدينا مشاكل كثيرة تحتاج لعلاج أيسر من التنمية في هذا المشروع، الذي يحتاج لإمكانات وموارد سخية غير متوافرة لدينا.
• ما سبب تأخير إنشاء محطة نووية في مصر؟
- المنافسات غير الشريفة وراء هذا التأخير بالطبع، وهو ما يزعجني بشدة، لأننا بحاجة لإنشاء عشرين محطة وليس واحدة، وسواء كان هذا المشروع في الضبعة، أو في غيرها، فالمهم أنه لا بد أن نبدأ ونسرع في التحرك دون إبطاء.
• هناك من يردد أن العقد المقبل هو عقد طاقة الرياح كمصدر للكهرباء وليس الوقود النووي... ما تعليقك؟
- هذا كلام فارغ. أي طاقة غير البترول باستثناء النووي لن تفيد، ومن يتصور أن المستقبل لطاقة الرياح مخطئ، اللهم إلا في البلاد التي بها فوبيا من النووي، مثل ألمانيا مثلاً.
• وكيف ترى النووي الإيراني؟
- يسير في الطريق الصحيح.
• لكن هناك تخوفاً من عقوبات أميركية أو ضربة إسرائيلية ضد طهران؟
- ليس هناك من وجهة نظري أي خطر على إيران، أميركا الآن دولة عاقلة تحت رئاسة أوباما، وما تسمعه أو تقرأ عنه من هنا أو هناك مجرد «تهويش في الهواء»، ثم ان إيران لديها كذلك قنابل ذرية بدائية تمكنها من أحداث جسيمة في الشرق الأوسط، صحيح أن إيران سوف تفقد الكثير، لكن سوف تنمحي إسرائيل في المقابل من على الخريطة، ومعها بالطبع ستتحمل لبنان والأردن وأجزاء من مصر أخطاراً كبيرة... لذا لابد من تجنب حدوث أي معركة نووية في المنطقة.