بين حين وآخر يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اقناع العالم العربي والعالم الغربي بأن القدس الشرقية في فلسطين هي ملك للشعب الاسرائيلي (اليهود)، وان القدس اصلا ليست مستوطنة بل هي عاصمة اسرائيل للأبد، ولا يمكن نكران الصلة بين الشعب اليهودي والقدس تاريخيا، وللرد على هذه الادعاءات الكاذبة، اورد استاذ التاريخ في جامعة ميتشيغان الاميركية خوان كول 10 اسباب رئيسية تثبت عدم صحة ادعاء نتنياهو ان القدس الشرقية ملك للاسرائيليين اليهود، يفند فيها مزاعم رئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي بشأن المدينة المقدسة، وقال كول في بحثه الجريء: خاطب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو «مؤتمر لجنة الشؤون العامة الاميركية الاسرائيلية - ايباك» بتاريخ 22 مارس 2010 قائلا ان القدس ليست مستوطنة، وان الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وارض اسرائيل لا يمكن نكرانها، وان الشعب اليهودي كان يبني القدس قبل 3000 عام والشعب اليهودي يبني القدس اليوم، وقال ان القدس عاصمتنا بلا منازع وكان ذلك أمام مستمعيه المصفقين الـ 7500 الذين اكد لهم بأنه ببساطة يتبع سياسات الحكومات الاسرائيلية السابقة منذ احتلال القدس في حرب الايام الستة العام 1967 (...) لقد خلط نتنياهو كليشيهات رومانسية - قومية بسلسلة من التأكيدات التاريخية «المغلوطة» ولكن الاكثر اهمية كان كل ما تركه خارج التاريخ واستشهاده بتاريخه المحرف وغير الدقيق بدلا من النظر الى القوانين، والحقوق، او اللياقة الانسانية العامة نحو الآخرين وليس فقط نحو مجموعته العرقية! لذا اورد هنا الاسباب التي يعتبر فيها «نتنياهو» مخطئا خطأ فادحا وتثبت ان القدس الشرقية ليست ملكا له: في القانون الدولي، القدس الشرقية منطقة محتلة، مثلها مثل انحاء الضفة الغربية الاخرى والتي ضمتها اسرائيل من جانب واحد الى قضاء القدس، غير ان «اتفاقية جنيف الرابعة» للعام 1949 وقوانين «لاهاي» للعام 1907 تمنع القوى المحتلة من تغيير اساليب حياة المدنيين الذين هم تحت الاحتلال وتمنع توطين اناس من بلد المحتلين في الارض المحتلة. ان طرد اسرائيل فلسطينيين من منازلهم في القدس الشرقية واغتصابها ممتلكات فلسطينية هناك، وتوطينها اسرائيليين على ارض فلسطينية هي كلها «انتهاكات سافرة» للقانون الدولي وان ادعاءات الاسرائيليين انهم لا يحتلون الفلسطينيين لأن الفلسطينيين ليس لهم دولة هي ادعاءات قاسية ومجرد لغو لا يقيم اي حجة سليمة، كما ان ادعاءات الاسرائيليين بأنهم يبنون على ارض فضاء مثيرة للضحك! وقال «ان باحتي الخلفية فارغة ولكن هذا لا يعطي نتنياهو الحق لبناء مجمع شقق عليها».
الحكومات الاسرائيلية لم تكن في الواقع متحدة او على سياسة ثابتة بشأن ما ستفعله بالنسبة الى القدس الشرقية والضفة الغربية وذلك بخلاف ما يقوله نتنياهو ولقد تم تبني «خطة غاليلي» للاستيطان في الضفة الغربية العام 1973 واعطى رئيس الوزراء اسحق رابين تعهدات كجزء من عملية سلام اوسلو بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية ومنح الفلسطينيين دولة، وهما وعدان اغتاله بسببهما اليمين الاسرائيلي المتطرف والذي تدعم بعض عناصره الآن حكومة نتنياهو، في وقت حديث حداثة العام 2000 ادعى رئيس الوزراء آنذاك ايهود باراك انه اعطى تعهدات شفوية بأنه يمكن للفلسطينيين ان يأخذوا الضفة الغربية برمتها تقريبا وان تكون لهم ترتيبات يمكن بموجبها ان تصبح القدس الشرقية عاصمتهم. وقد حاول نتنياهو اعطاء انطباع بأن سياسة «ليكود» اليمينية المتطرفة بخصوص القدس الشرقية والضفة الغربية هي سياسة اشتركت فيها الحكومات الاسرائيلية السابقة كلها، ولكن هذا ببساطة ليس صحيحا!
القومية الرومانسية تتخيل شعبا باعتباره خالدا وله صلة ابدية بقطعة ارض معينة، ولكن طريقة التفكير هذه تعتبر خيالية وميثولوجية، فالشعوب تتكون وتتغير واحيانا ينتهي وجودها مع انه قد يكون لهم نسل تخلوا عن ذلك الدين او تلك الاتينية او اللغة، فقد تحرك الآدميون في كل انحاء الارض وهم غير مرتبطين مباشرة بأي رقعة أرض بطريقة حصرية بالنظر الى ان مجموعات كثيرة عاشت على معظم قطع الاراضي، فالقدس لم يؤسسها اليهود، اي اتباع الديانة اليهودية. لقد اسست المدينة بين العام 3000 قبل ميلاد المسيح و2600 عام قبل ميلاده بأيدي اناس ساميين غربيين او بأيدي الكنعانيين، وهم الأجداد المشتركون للفلسطينيين واللبنانيين، وكثير من السوريين والاردنيين، ويهود كثيرون، ولكن عندما اسست المدينة لم يكن اليهود موجودين!
اسست القدس على شرف الإله القديم شالم «سالم»، والكلمة لا تعني مدينة السلام وانما مكان شالم المعمور (المبني).
لم يكن الشعب اليهودي يقوم ببناء القدس قبل 3000 عام اي العام 1000 قبل الميلاد بالمرة! وليس من الواضح بدقة متى اتخذت اليهودية كديانة متركزة على عبادة الإله الواحد، شكلا راسخا، ويبدو ان هذا كان تطورا متأخرا بالنظر الى انه لم يتم العثور على اي شيء سوى «الآلهة الكنعانية» في المواقع الاثرية طوال حقبة 100 ق.م ولم يحصل غزو لفلسطين الجغرافية من مصر من جانب عبيد سابقين في اعوام القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وكانت الاهرامات قد بنيت قبل ذلك بزمن طويل ولم يستخدم عبيد في بنائها، ولا يعرف سجل الحوادث في عهد رمسيس الثاني والمدون على جدار الاقصر عن اي حالات تمرد عبيد كبيرة او هرب عبيد الى شبه جزيرة سيناء، هذا ولم تسمع المصادر المصرية عن موسى او الـ 12 طاعونا... وغير ذلك، لقد برز اليهود واليهودية من طبقة اجتماعية معينة من الكنعانيين على مدى فترة قرون من الزمن داخل فلسطين.
القدس ليس فقط لم يبنها الشعب اليهودي الذي من الأرجح انه لم يكن «موجودا» حينها في العام 1000 قبل الميلاد ولكن من المرجح ان القدس لم تكن مسكونة عند تلك النقطة من التاريخ، ويبدو ان القدس كانت مهجورة ما بين 1000 قبل الميلاد و900 قبل الميلاد، وهي التواريخ التقليدية للمملكة المتحدة في عهد داود وسليمان، ولذلك فإن القدس لم تكن «مدينة داود» لأنه لم تكن هناك مدينة في الفترة التي قيل انه عاش فيها. وليست هناك اي اشارة في علم الآثار الى قصور رائعة او دول عظيمة في تلك الفترة، والألواح الآشورية التي سجلت حينها حتى ابسط الاحداث في انحاء الشرق الاوسط، مثل ما تفعله مملكات عربيات، لا تعلم شيئا عن اي مملكة عظيمة لداود وسليمان في فلسطين الجغرافية!
وبما ان علم الآثار لا يظهر وجود «مملكة يهودية» او ممالك في فترة ما يسمى بالهيكل الاول فليس من الواضح متى بالضبط يكون الشعب اليهودي قد حكم القدس باستثناء مملكة الحشمونائيم وقد احتل «البابليون» القدس العام 722 وسيطروا عليها العام 597 وحكموها الى ان وجدوا انفسهم يتعرضون للغزو العام 539 على يد «الاخميديين» في ايران القديمة. وحكم احفاد الاسكندر البطالمة، القدس حتى 198 عندما استولى احفاد آخرون للاسكندر، السلوقيون، على المدينة ومع الثورة المكابية العام 168 قبل الميلاد، لم يحكم الحشمونائيم اليهود القدس حتى 37 قبل الميلاد! ولكن انتيغونوس الثاني ماتاثياس آخر الحشمونائيم، استولى على القدس فقط مساعدة من سلالة البارثيين العام 40 قبل الميلاد، وحكم «هيرودوس من العام 37 حتى غزا الرومانيون ما سموه فلسطين العام 6 بعد الميلاد، وحكم الرومانيون ثم الامبراطورية الرومانية الشرقية البيزنطية القدس من 6 بعد الميلاد حتى 614 بعد الميلاد عندما احتلتها الامبراطورية الساسانية الايرانية التي حكمت المدينة حتى 629 عندما اعاد البيزنطيون احتلالها. وسيطر المسلمون على القدس العام 638 وحكموها حتى 1099 عندما احتلها الصليبيون بقتل او طرد اليهود والمسلمين من المدينة، واستعادها المسلمون تحت قيادة صلاح الدين العام 1187 بعد الميلاد وسمحوا لليهود بالعودة، وحكمها المسلمون حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، او لما مجموعة 1192 عاما. ان اتباع اليهودية لم يؤسسوا القدس، فقد كانت قائمة لنحو 2700 عام ربما قبل نهوض اي شيء قد نعرفه كيهودية، والحكم اليهودي لم يكن ربما اطول من 170 عاما او نحو ذلك، في مملكة الحشمونائيم.
بناء على ذلك، فإنه اذا كان البناء التاريخي للقدس والصلة التاريخية بالقدس تؤسس السيادة مثلما يزعم نتنياهو، فإن هناك مجموعات تملك حقا اكبر بادعاء السيادة على المدينة: أ- المسلمون: الذين حكموها وبنوها على مدى 1191 عاما. ب- المصريون: الذين حكموها كدولة تابعة لبضع مئات من الأعوام في الالفية الثانية قبل الميلاد. ج- الايطاليون: الذين حكموها الـ444 عاما حتى سقوط الامبراطورية الرومانية العام 450 بعد الميلاد. د- الفرس: الذين حكموها الـ 205 أعوام تحت الاخميديين، ولثلاثة اعوام في عهد البارثيين (بما ان الحشمونائيم كانوا فعليا تابعين لهم) ولـ 15 عاما تحت حكم الساسانيين. هـ- اليونانيون: الذين حكموها لأكثر من 160 عاما اذا اعتبرنا البطالمة والسلوقيين يونانيين، واذا اعتبرناهم مصريين وسوريين، فإن هذا سيزيد الادعاء المصري ويطرح ادعاء سوريا. و- والدول الخليفة للبيزنطينيين، التي يمكن ان تكون اما يونانية واما تركية، والتي حكمت القدس لـ 188 عاما، رغم انها اذا اعتبرنها الوريثة بأنها يونانية واضفنا فترة السلالات الهيلينية اليونانية التي حكمتها، فإن هذا سيعطي اليونان نحو 350 عاما كحاكم للقدس. ز- هناك ادعاء عراقي في القدس استنادا الى الغزو الآشوري والبابلي، وربما حكم الأيوبيين (سلالة صلاح الدين) والاكراد من العراق.
بالطبع، فإن اليهود مرتبطون تاريخيا بالقدس بواسطة الهيكل! ايا يكن التاريخ الذي تعود اليه تلك الصلة، ولكن تلك الصلة كانت غالبا في وقت لم يكن لليهود فيه اي سيطرة سياسية على المدينة، تحت حكم الايرانيين واليونان والرومانيين، ولذلك فإنه لا يمكن طرحها للمطالبة بسيطرة سياسية على المدينة كلها.
يهود القدس وبقية فلسطين بغالبيتهم لم يغادروا بعد فشل ثورة باركوخفاه ضد الرومان العام 136 بعد الميلاد، وواصلوا العيش والزراعة في فلسطين تحت الحكم الروماني والبيزنطي بعده، وقد اعتنقوا بشكل تدريجي الديانة المسيحية، وبعد عام 638 اعتنقوا جميعا باستثناء 10 في المئة الاسلام، وفلسطينيو اليوم متحدرون من اصل اليهود القدماء ولديهم كل الحق في العيش في المكان الذي عاش فيه اسلافهم لقرون.

علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com