| كتبت ليلى أحمد وتصوير منى شداد |

ربما كنا على تماس قريب ودائم مع الموت، الغياب المادي للآخر، فما بين اغماضة عين وأخرى يتجسد لنا الموت بهيبة حضوره ليخطف أحبتنا من حولنا، وربما كان الموت شهادة ميلاد لحياتنا الجديدة واختبارا لقوتنا وتماسكنا وصلابة انسانيتنا على الأرض، ولتستمر بنا دنيانا بالرغم مما نحمل في القلب من حنين لا يهدأ وأشواق لمن كانوا أحياء حاضرين في حياتنا تمتلئ ذاكرتنا بدبيب خطواتهم نحونا، ونتذكر دفء أمسيات الضحك الجليّ معهم، هو موت يتخذ أكثر من شكل فقد يحدده غياب الآخر سواء بفراق الاختلاف أو السفر النهائي البعيد أو في موت جسدي حقيقي يغيب به أحبتنا عن دنيانا والى الأبد، لكنه في كل مرة يذكرنا انه موجود ليثبت لنا انه يعيش حولنا و معنا.وربما كانت الفنانة عالية الاحساس حياة الفهد قد مرت في حياتها الشخصية في هنات كثيرة مثلها مثل أي أحد في الدنيا عبرت بها سلالم الموت البطيء فتنهي به الظروف علاقة مع أحد ما وهي عرفت الموت من خلال الفيلم السينمائي الكويتي «بس يا بحر» للمخرج خالد الصديق وعبرت باقتدار عال عن حالة الفجيعة التي تصيب الأم الثكلى التى مات ولدها الوحيد في أعماق البحر، وربما عايشت حالة وفاة عزيز نهار نفس اليوم واضطرت ليلا للوقوف على خشبة المسرح لأداء دورها الكوميدي في عرض مسرحي. قلبها الصغير كعصفور يبكي ألما، وصوتها يعلو بحوارها الضاحك للجمهور المسرحي... ولا أحد من الجمهور يشعر بمقدار ألمها ليحس بهذا العبث بمشاعر امرأة طفولية الروح شديدة البراءة، و لم تقدم الا ما هو ملتزم بقضايا مجتمعها.«الراي» ذهبت لأداء واجب العزاء للفنانة القديرة «حبيبة كل بيت بالكويت» حياة الفهد، اثر تلقينا خبرا من الممثلة منى شداد «مشكورة» تبلغنا بوفاة شقيقة حياة الكبرى الراحلة شريفة الفهد عن عمر يناهز السبعين عاما. تاركة بذلك غصة في قلب فنانتنا المبدعة حياة الفهد، وهو جرح عميق مؤلم للروح وللقلب على الرغم من ايمانها الشديد بأنها... ارادة الله جلت قدرته.وكان لـ « الراي» هذا الحوار الانساني العميق:• اتفهم مقدار ألمك... لكنك يا أم سوزان جسدت الكثير من الأدوار التمثيلية التى يموت به الشخوص من حولك... مرة يرحل ابنك الفتى في بداياتك في الفيلم الكويتي الهائل «بس يا بحر»... وختمتية بشهر رمضان الماضي بوفاة زوجك في مسلسل «الخراز» ... مالذي اختلف بين... أدوارك التراجيدية في تلك الأعمال وتراجيديا حياتك الشخصية ؟- تنفست بعمق وذهبت بعينيها الحنينتين للبعيد وقالت: تعرفين يا ليلى عمق احساسي بالأدوار التى أقوم بتمثيلها، وحين أقتنع بالنص تأخذني الشخصيات الدرامية اليها وتسكنني لفترة طويلة من الزمن... لكن في الحياة الأمر... أكثر قسوة مما يتخيله ذهن أي مؤلف درامي.• شقيقتك الكبرى الراحلة شريفة... ماذا تعني لك؟- « دمعت عيناها وغطت وجهها بكفيها و انهمرت في البكاء» وقالت بعد استذكار لحظاتها معها: المرحومة كانت بمثابة أمي، فبيني وبينها عدد كبير من السنوات بحيث انها أرضعتني في طفولتي مع ابنتها الوحيدة... كانت الراحلة في قمة الحنان وأيضا الصرامة في توجيهنا أنا وابنتها «ام مبارك» وأختي الأصغر غنيمة... وكذلك اخي الوحيد.• هل لك مواجهات قريبة جدا مع الموت قبل الراحلة شريفة.- نعم... منذ طفولتي وأنا شديدة الخوف من المقابر، لدي حالة من الرعب الشديد المرضي منها، وهذا يعود لأن أهلنا زمان... كانوا يخوفوننا من المقابر وهي مرتبطة بقصص من التراث الشعبي، حيث تسكن المقابر العفاريت «الينانوة» ويسكنها كل أحد «ما يخاف الله» وكان في الكويت القديمة وبالذات في منطقة شرق كان عدد المقابر كبيرا كبيرا و... كثيرا جدا، واحد لأموات السنة والآخر للشيعة والثالث للمسيحيين وثالث لليهود وواحد لطائفة الصبّة، وهى كانت مرابع لألعاب الطفولة، وحين كان أقراني الصغار يلعبون بتلك المقابر كنت أرفض الدخول اليها في عز النهار لذعري الشديد منها... وظل هذا الخوف مسكونا بي لفترة طويلة جدا من حياتي، فمثلا أنا لم أزر مقبرة في كل دنياي، لا زرت قبر والدي ولا والدتي رحمهما الله. أشعر دائما ان الموت ينتظرني و... سيخطفني حين أذهب الى هناك.• هل تتذكرين قصة وفاة السيدة والدتك؟- وكيف لي أن أنساها... أمي انتقلت الى جوار ربها في سنة 1987...كانت في العام الأخير من عمرها طريحة الفراش ولم أكن أفارقها لحظة، كنت أهتم بها وأساعدها فيما تحتاج اليه، وكانت رحمها الله في شبه غيبوبة... تعي لي لكنها لم تكن قادرة على النطق وكنت قليلا ما أتركها في عهدة أخواتي البنات مثل ذهابي لساعة واحدة فقط لتسجيل برنامج «نافذة على التاريخ» باذاعة الكويت، تعرفين ان هذا العمل كان مصدر رزقي الوحيد آنذاك، ثم أذهب لبيتي لاحضار «ترامس» الشاي والقهوة وأعود اليها للبقاء قربها.• وقد طالت «كما أعلم» غيبوبة الوالدة رحمها الله.- نعم اكثر من ستة اشهر، وحصل أن خرجت ذات يوم من المستشفى من عند الراحلة والدتي في ظهيرة أحد الأيام، وذهبت كعادتي الى الاذاعة لتسجيل البرنامج، ثم عدت لبيتي لأخذ الشاي والقهوة فطلب مني زوجي أن أبقى بالبيت، فرفضت لرغبتي بالذهاب لوالدتي في المستشفى، وأخذ يلح في بقائي بالبيت، فشعرت بأن أمراً جللا قد حدث لنا وهو مرتبط بأمي... وبعد دقائق أخبرني بوفاتها،... وكان الانهيار الفظيع لي... كنت طوال ليلة البارحة معها، ولم يشر لي أي شيء بقرب وفاتها.• هه... ثم ماذا حصل؟- في الثامنة ليلا من نفس يوم وفاة والدتي رحمها الله، كان علي أن أقف على خشبة المسرح، لأداء دوري الكوميدي في مسرحية «العوانس» لفرقة مسرح الخليج العربي ولم يكن بامكاني الاعتذار لأن جميع الكراسي تم بيعها للجمهور، وطلب مني الفنان منصور المنصور الغاء العرض في تلك الليلة ولم يكن ذلك ممكنا، اذ ان الجمهور بدأ يتوافد الى صالة العرض والغاء العرض المسرحي بتلك الليلة سيكلف المنتج خسارة كبيرة، وهو ما جعل الفنان المنصور يطلب مرافقة طبيب لي ينتظرني في الكواليس لما بعد انتهائي من أداء دوري، ولم يكن فريق العمل يعرف ما بي فقط الفنانة اسمهان توفيق شعرت بحالتي في آخر العرض وشهدت سوء حالتي النفسية.... لا تتخيلي كم الألم الذي كان يعتصرني... كنت فوق خشبة المسرح أؤدي دورا ضاحكا «كوميديا» وفي الكواليس كنت أنهار بكاء ويغمى علي بسبب رحيل الغالية أمــي. ان وفاتها كسر لي ظهري، وشعرت باليتم الحقيقي في غيابها، وها أنا أشعر بيتم الروح بوفاة اختي الكبيرة شريفة.• عفوا لتذكيرك بأحزانك... لكن هذا يعني لي الكثير لمعرفة جوانب أخرى من شخصيتك الانسانية هل شهدت مراحل ما قبل دفن ست الحبايب والدتك وهل تخلصت من «فوبيا» المقابر؟- لا... لم يكن قلبي يتحمّل ذلك... كنت حتى ذلك الوقت خائفة جدا... لكن...• نعم أريد هذه الـ «لكن»... ماذا بعدها؟- أخيراً دخلت لمرحلة ما قبل دفن شقيقتي شريفة رحمها الله، وبناء على الحاح العائلة التى قالت لي انه «سينشرح صدري» فاستقويت و... دخلت وشهدت حتى مرحلة ضم جسدها الحبيب في كفنها الأخير... «دمعت وغطت عينيها بكفيها ودخلت في نوبة بكاء مرير».• ... واجهت خوفك أخيرا...- نعم... بعد كل هذه السنين الطويلة تخلصت من العذاب النفسي الذي رافقني من طفولتي الباكرة وحتى نضجي... الصحيح انني شعرت باختناق شديد، وان لا هواء ولا أوكسجين حولي، وكدت أموت حاولت التماسك وبكيت بحرقة وأنا أرى رحلتنا الأخيرة• لا شك انه يوم يشكل مفصلا مهما في حياتك... من حيث انتهاء خوفك الشديد من المقابر الى أن أصبحت أقرب من رمش العين منها، ومن ثم تداعيات ما حدث بعد ذلك لك من ناحية التأمل...- «بكت وقالت بصوت مخنوق محاولة مسح دموعها» رأيت الجسد المسجى أمامي وما هزني تلك اللحظة في لفها بالكفن ومن ثم سطرها في مكان آخر مع اخريات تمهيدا لدفنهن... رأيت غيرها الكثيرات وكيف ان البعض منهن لم يتم تعطيرهن وقامت الحكومة / البلدية بصرف الكفن لهن، حتى في الموت يوجد طبقات اجتماعية وناس فقيرة غير قادرة على شراء كفنها الأخير... وكيف تلتف الراحلات في أكفان كأنهن « صمون ملفوف بورق» ويتم سطرهن قرب بعض على الرفوف، رأيت هذا المصير الذي سيكون مصيرنا جميعا... وكيف ان هذا الانسان الجبار الذي يظلم ويأكل حقوق الغير، ويفسد في الأرض رأيته كيف يذهب وحيدا «طرق قطعة قماش تلفه» ويذهب للوقوف بين يدي ربه وهو لا يملك الا ما فعل من خير أو شر في دنياه.• هذا مشروع زهد بالدنيا.- ولماذا يكون التكالب على جمع كل هذه الفلوس بالدنيا... لماذا نرى الضرب تحت الحزام والنميمة والشرور... والحقد والحسد بين الناس وكم نكسب من المال لنجمعه في البنوك... اذا كان هذا هو الزهد فأنا أطلبه و... أريده.• أعرف ان لا أطماع كبيرة لك بالحياة ولم تكن لك صفات سيئة كالتي ذكرتيها.- صحيح... الحمدلله ان الله نجاني من النفس الدنيئة مع انه نالني الكثير مما ذكرت من البعض، دون أن أعرف مبررا لذلك، ولا أجيد تحليل الأمور لأفسر ما كان يحدث لي، لكن على الصعيد الشخصي لم أكن أحلم الا في بيت يحتويني مع بناتي... لا أريد أكثر من هذا... لكنني الحقيقة... لأعترف لك اني كنت افكر بشراء أشياء دون حاجتي الملحة لها، وأفكر بالسفر الكثير والتسوق... هذا كله الى زوال. فما نحن الا بشر معرضين في أي لحظة لاحتواء كفن من قطن... انظري كم يرخص ويضعف الانسان في موته، ثم سيوارينا جميعا تراب الأرض. لمقابلة الباري عزّ وجلّ.• وهل ستتغير رؤاك في الفن ؟- أحمد ربي انني كنت ابنة هذا المجتمع بكل تجليات تقاليده وتحفظه الاجتماعي وأعتز بذلك ودائما كانت مسيرتي الفنية على تماس مع قضايا مجتمعنا الخليجي ان كان في أعمالي التراثية أو المعاصرة... كان جوهر وقلب الانسان هو الذي يهمني وتحركاته وأهواؤه ومصائره وأطماعه وكنت أعمل على ابراز نتائج دناءة نفوس الشخصيات التي أكتبها وتمثل في أعمالي... سأستمر في طريقي ان قدرني ربي جلت قدرته احقاقا للحق. وسأعمل على التمسك بتأكيدها و تعميقها في مسلسلاتي الدرامية.