إن أمعنّا النظر في السياسات الخارجية للدول العربية لوجدنا أكثر الدول وسطيَّةً في علاقاتها مع الآخر هي الكويت، لسنا بصدد الدعاية للكويت من خلال صحافتها الحرة، ولسنا بصدد تَلَمُّس مصلحةٍ ما نكسبها من وراء هذه الكلمات، فقد تكلَّمتُ هنا من خلال هذا المنبر عن قضايا شتى دون انحيازٍ، كما أدَّعي، ولكنني اليوم أمام قضية تُلامس كلَّ قلبِ عربيٍّ ما زال يحمل في جنباته هَمَّا يبحثُ من خلاله عن تقارب عربي بين أبناء هذا الوطن الكبير، إن السياسة الخارجية للكويت نرى فيها حيادِيَّةً تقوم على أساس العلاقة الأخوية مع العرب، ونجدُ في طيّاتها سلامة العلاقة مع الآخرين من غير العرب، وكل ذلك في ثوب من احترام الآخَر تحت فكرة (أنْ نرضى للآخرينَ ما رَضُوا لأنفُسِهم) إن هذه الوِجهَة الموضوعية تجاه القضايا المختلفة في عالم تتدافع فيه القِوى على المصالح لَتُتيحُ لنا نحن العرب جميعاً فرصةَ التواصلِ فيما بيننا على بُنيةِ الأخوَّةِ في اللغة والتاريخ وحرية الفكر والتَّديُّن، ومد الجسور مع الآخرين من غير العرب بصورة تُرَسِّخُ توازناً نطمح أن يكون في المنطقة لِِيَدْفعَ سياسة القبضةِ الواحدة عن ساحتِنا ويُبْرِزَ تفاهُماً مُستَنِداً على الحيادية في ميزان العلاقات، ولن يتجلّى ذلك أمام الأعين إلاّ بتواصل حقيقي يرفض أيَّ تسلُّط منفرد يؤثِّر في المنطقة من أي قوة دولية أو إقليمية، فلا خلاف أن الإنسان يضطر أحياناً للتعامل أو للعمل مع عدوِّه ومع خصومه من أجل مصلحةٍ يهمُّه الوصول إليها فما بالنا ونحن أمة واحدة، وصدق زهير بن أبي سُلمى بقوله:
ومَنْ لَمْ يُصانِعْ في أُمورٍ كثيرةٍ
يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويُوطَأَ بِمَنْسِمِ
إنها دعوة للتصافح بين أبناء الأمة وبين قياداتها، ولا ننسى أن أمة العرب تربط ما بينها عناصر وحدة طبيعية؛ فالتاريخ مشترك والجغرافيا تجمعهم باستراتيجية خاصة، واللغة مُعجِزَة، وأرض هي مهبط الديانات من السماء، ورغم كل ما سبق ذكره من وحدة حال بين العرب لم يُظْهِروا حتى اليوم استعداداً واضحاً للقيام بخطوةٍ جادة نحو فكرٍ وسطيٍّ يعكس عملاً حقيقياً مشتركاً، لعل نمطاً من التفكير الجليدي ما زال يعشعش في عقول معظم النُّخب المؤثرة في اتخاذ القرار، وربما يعتقد البعض أن القيام بعمل مشترك، أو اقتسام مجالات الأداء يتطلَّب اتفاقاً مُسبقاً تجاه كل جزئية وعند كل خطوة! وهذا أمر مُعيقٌ للتقدم في مرحلة يجدر أن نتجاوز فيها الأهداف الصغيرة تجاه أهداف كبرى، ونخطو من دائرة المهم إلى دائرة الأهم، إن اهتمام دولنا العربية دون استثناء بإثراء فلسفةٍ سياسية تشق طريقها على أساس الحيادية المستندةِ إلى الحق تجاه أي قضية عالقة أو قضية طارئة عابرة لهو أمر يُفسح المجال أمام الأجيال القادمة للتعامل مع مشكلاته بمواقف أكثر وعياً وأشدَّ ارتباطاً بالحكمة.

علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com