عندما رصدت «الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان» تقريرها لعام 2009 أشارت إلى أن ملف حقوق الإنسان في الكويت لم يتحسن بشكل لافت رغم مرور هذه الأعوام، وهو ما يعتبر تراجعاً للحريات التي تنادي بها الدول المتقدمة عالمياً كافة، مشيرة الى ان التجاوزات التي حدثت في شأن العمالة الوافدة، و«البدون»، والإعلاميين، ومرشحي مجلس الأمة كانت من أهم القضايا التي يجب على الكويت إنهاؤها بشكل عاجل، وما لفت انتباهي هنا رصد الجمعية في تقريرها أوضاع «البدون» أو غير محددي الجنسية التي ظلت تراوح مكانها من دون تحقيق أي انجاز يذكر رغم كل هذه المناورات السياسية والشعبية، وكأن ليس هناك مشكلة تسمى فئة «بدون»، علينا أن ندرك بأن المطالبة بتبني مقترح قانون لكي يمنح البدون الحقوق المدنية والواجبات هو أمر لا جدال ولا خلاف حوله، واستغرب هنا من دور الحكومة البطيء وغيابها عن أهم الأمور التي تخص حقوق الإنسان، وكأنها ترمي بكرة القضية الى جهات أخرى وهي الحكم فيه! لقد تداولت فكرة تجنيس فئة البدون منذ زمن بعيد، ولكن لغاية الآن لم نر أي بوادر حقيقية، ففي مجلس الوزراء او ادارة الجنسية تتكدس يومياً عشرات الملفات التي تخص البدون من جميع الحالات وتدعي الحكومة انها قيد البحث والدراسة، فهل الدراسة القائمة بشأن تجنيس هؤلاء تتطلب أعواماً عدة، ثم ما الحكمة من إعطائهم الوعود والآمال الفارغة، وهل اتباع سياسة للمماطلة والتسويف وابقائهم على سقف الوعود يحل المشكلة جذرياً او ينهيها... هناك ملفات «بدون» قد مضى عليها أعوام طويلة وأصحابها ربما قد هاجروا الكويت أو قضوا نحبهم وأحفادهم مازالوا ينتظرون «الفرج»، ففي الواقع لم تقم لجنة معالجة أوضاع البدون بحل قضاياهم بالشكل المطلوب والسبب يرجع الى ضعف القرار أو عدم تطبيق القانون الذي خرج من رحم مجلس الأمة، لقد سمعنا كثيراً عن تفعيل قانون منح 2000 جنسية كويتية في العام، ثم تحولت المقولة الى منح 1000 جنسية كويتية في العام، ولكننا لم نر أياً من ذلك، لذلك نتمنى من الحكومة الموقرة أن تعي مدى خطورة هذه القضية الإنسانية وتأثير تراكماتها على الأوضاع الأمنية والاجتماعية وحتى السياسية في البلاد، ففي الحقيقة لن نفلت من تأثيرها على المحافل الدولية ولجان حقوق الإنسان الدولية كونها تتداول هذه القضية بين حين وآخر، وملف التجنيس يجب أن يتم التعامل معه بشكل مختلف عن وضعه الحالي بعيداً عن أي مزايدات سياسية، او واسطات ومحسوبيات، والمطلوب هنا التقنية الكاملة والشفافية التامة، ومقترح القانون النيابي عن البدون الذي يمنحهم حق الاقامة الدائمة في الكويت، والعلاج المجاني، والحصول على شهادات الميلاد والوفاة، وتحرير وتوثيق عقود الزواج والطلاق والوصية كلها تعتبر حقوقاً إنسانية بحتة «واجبة التطبيق»، كما يجب على الدولة توفير فرص العمل لهم في القطاعين الحكومي والخاص للاستفادة من خبراتهم العلمية والعملية، فبعضهم من هو حاصل على شهادات عليا، وبعضهم مَن عمل في الكويت منذ الستينات والسبعينات في السلك العسكري وسلك التدريس، وقدم خدمات جليلة للوطن دون أن يمس أمنها بشيء، أما بالنسبة للذين سحبت منهم الجنسية الكويتية أخيراً بسبب قيدهم الأمني او انضمامهم الى الجيش الشعبي أو اي سبب آخر، فهذا يعتبر ظلماً في حقهم، كونهم اكتسبوا الجنسية الكويتية بعد موافقة جميع الجهات الرسمية في البلاد، فضلاً عن استيفائهم جميع الشروط المطلوبة، لذلك جاء حكم القضاء لهم منصفاً وعادلاً.
بعد وعد الوزراء والمسؤولين في الحكومة بأنه سيتم تعيين أفراد فئة البدون في سلك التعليم وفي وظائف للتمريض في وزارة الصحة نظراً للنقص الحاد لديهم إلا أن هذا الوعد أصبح منسياً على أرض الواقع رغم وجود البطالة المقنعة لدى شريحة كبيرة من البدون، وفي هذا الشأن يجب على الحكومة التفكير بجدية لإيجاد حلول سريعة وميسرة تمكن هؤلاء من العيش الكريم، والسؤال هنا: لماذا يتم التفكير في جلب العمالة الوافدة من الخارج بينما هناك الآلاف من البدون يريدون العمل في بلدهم خدمةً للوطن في أي موقع كان، أليسوا هم أولى من غيرهم في خير البلد؟
إن تقرير «جمعية حقوق الإنسان الكويتية» قد لامس جراح ملف حقوق الإنسان في الكويت، وتطرق الى أوجه الخلل الذي تعاني منه المؤسسات والهيئات الحكومية بحق الوافدين، والخدم، والإعلاميين، وحقوق البدون بكل صراحة وشفافية، ولكننا أردنا ان نطرح لكم قضية حقوق البدون كونها من أهم وأقدم القضايا التي تهم شريحة كبيرة من المواطنين ولكن للأسف لم تحل قضيتهم لغاية الآن، ولم تحسم رغم حرص واهتمام غالبية نواب مجلس الأمة على هذه المشكلة الإنسانية، فلم يتردد هؤلاء الاخوة الأفاضل في تقديم ما هو أفضل من مشاريع القوانين لمعالجة أوضاع البدون الى ان خرج تقرير اللجنة التشريعية والقانونية ولجنة معالجة أوضاع غير محددي الجنسية متكاملاً من حيث الحقوق القانونية والمدنية، وهذه جهود يشكر عليها الاخوة النواب ولكن على أي حال... تبقى قضية البدون قضية الساحة الكويتية التي تفرض نفسها على المشهد السياسي في الكويت بين فينة وأخرى طالما هي لا تزال عالقة بين سندان الحكومة ومطرقة مجلس الأمة، ولا نعرف حقيقةً لمن نوجه أصابع الاتهام؟

علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
alfairouz61_alrai@yahoo.com