الآن وقد هدأت معركة استجواب وزيرة التربية وانتهت بتجديد الثقة من قبل أكثر من نصف عدد أعضاء المجلس ممن يحق لهم التصويت وطرح الثقة من قبل ثلث أعضائه وامتناع عضوين، يمكن لنا مراجعة أحداث الاستجواب منذ بدايته، وأن نحاول الخروج بملاحظاتنا على هذه الأحداث التي شغلت الساحة المحلية طوال الفترة الماضية.الملاحظة الأولى التي لا يمكن لأي متابع أن يتجاهلها في هذا الاستجواب هي تحوله من استجواب سياسي إلى حالة من الاستقطاب الفئوي، حتى أصبح الجميع يتهم الجميع بالعنصرية والفئوية والطبقية والقبلية، وأصبحت الوطنية شهادة وصكاً ينتقل من ندوة إلى أخرى، ومن حلقة نقاش إلى حلقة أخرى، فهذا يمنح الصك الوطني إلى هذه الفئة ويحجبها عن الأخرى وذاك يمارس الفعل المضاد والمعاكس!وثاني الملاحظات التي تابعناها في هذا الاستجواب هي أن الأداء التمثيلي للنائب أو الوزير أكثر أهمية من مضمون الخطاب الذي يلقيه على أعضاء المجلس في جلسة الاستجواب، وهنا أود أن ألفت انتباه الزملاء الأعزاء الدكتور صلاح الفضلي والدكتور حسن عباس وغيرهم من الزملاء الذين اعترضوا على وصفنا لأداء الوزيرة بالضعيف في جلسة الاستجواب، إلى أن ما قدمته الوزيرة في ردها على اتهامات النائب الدكتور سعد الشريع كان ضعيفاً من الناحية الفنية لو أبعدنا عنصر التمثيل والخطابة الذي أجادت به الوزيرة، فلو أخذنا مداخلات النائب والوزيرة في الجلسة للقراءة وليس للاستماع أو المشاهدة ووضعنا اتهاماته وردودها في جدول واحد لتبين لنا ضعف ردود الوزيرة واعتمادها على الكلام الإنشائي المنمق والأداء الخطابي أكثر من اعتمادها على سرد الحقائق والدفاع المبني على ما يدعمه من وثائق وشهادات! لذلك فنصيحتي لأي وزير مقبل على استجواب أن يقضي فترة تحضيره لمذكرة دفاعه في أحد معاهد التمثيل وبين خبراء الخطابة، بدلاً من إضاعتها في أروقة وزارته وبين مسؤوليها وخبرائها القانونيين!الملاحظة الثالثة هي أن الكذب على نواب المجلس أمر جائز، بل ومستحب في أي جلسة استجواب، فعندما تقول الوزيرة إنها قد أوقعت عقوبة على المتسببين في بيانها الكارثي المتسرع، ويتضح عدم صدقها بعد ذلك عندما أصدرت العقوبات قبل جلسة طرح الثقة، وعندما تؤكد الوزيرة أن لجان التحقيق لم تثبت ارتكاب الطالبة لجريمة إهانة القرآن الكريم وعليه تمت إعادتها إلى مدرستها، وتقوم قبل جلسة طرح الثقة بنقلها من مدرستها في خطوة تدل على أن ما طرحته في الجلسة كان غير صحيح، فذلك كله أمر مقبول لدى نوابنا!أما الملاحظة الرابعة، والمفارقة العجيبة، فانها كلما ازدادت قضايا الاستجواب ومخالفات الوزير فيه فإن الفرصة أكبر في النفاذ منه بسلام! فحادثة مثل حادثة العارضية، وبيان الوزيرة الذي اتهمت فيه الضحية وبرأت فيه الجاني، كان في نظر غالبية النواب كارثة تستوجب استقالة الوزيرة، أو إقالتها حسب تصريحات نواب «التكتل الشعبي» وجريمة لا تقل عن حريق النفط الذي أطاح بالوزير السابق عادل الصبيح ولا عن حريق مستشفى الجهراء الذي أطاح بالوزيرة السابقة الدكتورة معصومة المبارك حسب تصريحات نواب «حدس»، وعندما أتت هذه الحادثة كأحد محاور الاستجواب وضمن قضايا وتجاوزات مالية وإدارية أخرى، لم يكن الاستجواب كافياً لطرح الثقة في الوزيرة، فذهب بعض نواب «التكتل الشعبي»، للأسف، إلى تجديد الثقة في وزيرة كانوا يطالبون بإقالتها إن لم تستقل، وجدد نواب «حدس» ثقتهم في وزيرة تتحمل مسؤولية سياسية وأدبية أكبر بكثير مما تحمله الدكتور الصبيح والدكتورة المبارك!كثيرة هي الملاحظات والقراءات الأولية لمسار هذا الاستجواب، ولنا عودة قادمة إن شاء الله مع المزيد منها في مقال لاحق، ولكن تبقى أحد أهم الثوابت السياسية، التي أصبحت ماركة مسجلة لكل استجواب يقدم ضد وزير، أن أول المتحدثين ضد الاستجواب في الجلسة هو النائب الفاضل خلف دميثير، ولا أعلم متى سيعلن أبو مشعل اعتزاله هذا الدور وترك المجال للطاقات الشابة، لكي تأخذ فرصتها!
سعود عبدالعزيز العصفوركاتب ومهندس كويتيsalasfoor@yahoo.com