| د. محمد حسان الطيان |
كنت قد كتبت في هذه الصفحة سلسلة من المقالات عن رجالات دمشق، وهم غالبا من الأعلام الذين صحبتهم وانتفعت بعلمهم وفضلهم، وقد وقف بي الكلام عند شيخ من شيوخ الحديث والتحقيق في زماننا هو العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط إذ نشرت عنه الحلقة الأولى وهاهي ذي الثانية:
وإن أنس لاأنسَ- في صحبتي له - موقفا كان له في نفسي ووجداني أكبر الأثر، بل أكاد أقول لقد كان له في تمكيني من الكتابة وشغفي بها أثر لا يزول. وذلك أن الشيخ- نضّر الله وجهه وأسعد مهجته- لما فرغ من تحقيق كتاب جلاء الأفهام في الصلاة على سيد الأنام، بالاشتراك مع شيخنا الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، دفع الكتاب إليّ طالبا أن أكتب مقدمة له، ومعبرا عن إعجابه ببياني وأسلوب كتابتي، فتلقيت طلبه بسعادة غامرة يشوبها غير قليل من التهيّب والقلق! فمن أنا حتى أقدم لكتاب نهض بتحقيقه الشيخان الأرنؤوطيان؟! ولكني طويت نفسي على عزيمة مضّاء، وتفرغت للكتاب أقرأه وأطالعه، وحشدت كل ما امتلكت من تعبير وبيان آنذاك لأكتب تلك المقدمة، ثم وافيت بها الشيخ على وجل، فما كان منه إلا أن أمر باعتمادها وطباعتها، وطرت فرحا بذلك، ولكن فرحتي لم تطَل قرعتي - على حد تعبير العامة عندنا - إذ تدخل صديق قديم بدوافع مازلت في ريب منها، فأفسد علي فرحتي وحرمني من رؤية أولى محاولاتي الكتابية زاعما أن والده الشيخ عبد القادر الأرنؤوط كتب للكتاب مقدمة. أما الصديق فهو الأستاذ محمود الأرنؤوط، وأما الدوافع فأترك أمر حَدْسِها للقارئ الكريم!
وكم كان لنا مع الشيخ من مجالس ومسامرات, وسيارين ونزهات، لاسيما يوم الثلاثاء، إذ كان يقضي سحابته في قاعة الباحثين من المكتبة الظاهرية بدمشق- وكان أمين القاعة إذ ذاك الأخ الصديق الأستاذ إبراهيم الزيبق- ثم يصحبني مع الأخ الصديق يحيى مير علم- وغيره أحيانا ممن يحضر من الأصدقاء - إلى عين الفيجة أو الربوة حيث كنا نسعد بصحبته سائر اليوم, ويغدق علينا من كرمه وحديثه وعلمه وأدبه ما يسمو بنفوسنا وعقولنا وأرواحنا. لقد أحدث يوم الثلاثاء في نفسي ما أحدثه الأربعاء في نفس الشاعر حيث يقول:
يا لَلرّجالِ لِيَومِ الأَربَعاءِ أَما
يَنفَكُّ يُحدِثُ لي بَعدَ النُهى طَرَبا
على أن أبدع ما في شيخنا الشيخ شعيب- وكل ما فيه بديع معجِب- أنه مازال وقد بلغ الثمانين في قمة عطائه ونشاطه، لم تخبُ له شعلة ولم يفتر له نشاط، أكرمني المولى سبحانه بزيارته غير مرة في السنوات الثلاث الأخيرة, فإذا هو على ماعهدته يداوم في مكتب التحقيق- أعني تحقيق المخطوطات - من الثامنة صباحا إلى الثانية من بعد الظهر، ثم يرتاح قليلا بعد الغداء ليفرغ من جديد لاستقبال طلبة العلم، وهم يوفدون إليه من كل مكان ينهلون من علمه، ويستنيرون بسديد رأيه، بل ان بعضهم يرحل ليقرأ عليه كتبا بتمامها، ويأتي لهذا الغرض من بلاد بعيدة، والشيخ يستقبل الجميع هاشّا باشّا، ما تزيده السنون والدهور إلا عطاءً ومضاءً.
وهكذا يمضي دهره في خدمة الحديث النبوي الشريف، وهو التخصص الذي وقف على حياته، وأخرج فيه للناس كنوزا ودررا، مهد لها بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين, أعد منها ولا أعددها:
- شرح السُّنة للبغوي، ستة عشر مجلَّداً.
- سير أعلام النُّبلاء للذَّهبي، خمسةٌ وعشرون مجلَّداً.
- جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
- جامع العلوم والحكم.
- موارد الظمآن بزوائد صحيح ابن حبان.
- زاد المعاد في هدي خير العباد. خمسة مجلدات
- رياض الصالحين.
- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.
- مختصر منهاج القاصدين.
- مسند الإمام أحمد خمسون مجلدا.
- سنن التِّرمذي، ستة مجلَّدات.
- سنن الدَّارقطني، بالاشتراك مع حسن شلبي، خمسة مجلَّدات.
- تاريخ الإسلام للذهبي، صدر منه أربعة مجلَّدات.
- التعليق الممجَّد شرح موطَّأ محمد لأبي الحسنات اللَّكنَوي، أربعة مجلَّدات.
وبعد فمعذرةً منك أخي القارئ إن أنا سرحت بخيالي وعدتُ بذاكرتي إلى أيام الطلب، فحدثتُك عن عَلَمٍ لا يكاد يخفى علمُه وفضله ومشاركاتُه على أحدٍ من شُداةِ العلم بَلْهَ الراسخين به والمتخصصين. فالشيخ شعيب هو الشيخ شعيب وكفى. فليس عدلاً أن أعرِّف برجل ملأت آثاره المكتبات، وغدا اسمه مقترناً بكثيرٍ من كتب الحديث والتراجم والتاريخ، أحياها لنا وجلاها في أجمل صورة وأبهى حُلّة، وإنما يعلو مثلي بالحديث عن أمثاله:
وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ
إذا احْتاج النهار إلى دليل
وإني لأحسبه- ولا أزكي على الله أحداً من العدولِ الذين خبَّر عنهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عدولُهُ، ينفون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويل الجاهلين».
وأنت يا أبا أسامة سلامٌ عليكَ من تلميذٍ محبٍّ انتفع بكَ ونهل من علمكَ وسَعِدَ بصحبتِكَ، أسأل الله سبحانه أن يبلِّغَك سؤلَكَ، وأن يجعلَ ما قدمتَ من عملٍ.. وما أخرجْتَ من كتبٍ... وما ربَّيت من رجلٍ... زُلفى لك عند ربِّكَ يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* منسق مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة
كنت قد كتبت في هذه الصفحة سلسلة من المقالات عن رجالات دمشق، وهم غالبا من الأعلام الذين صحبتهم وانتفعت بعلمهم وفضلهم، وقد وقف بي الكلام عند شيخ من شيوخ الحديث والتحقيق في زماننا هو العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط إذ نشرت عنه الحلقة الأولى وهاهي ذي الثانية:
وإن أنس لاأنسَ- في صحبتي له - موقفا كان له في نفسي ووجداني أكبر الأثر، بل أكاد أقول لقد كان له في تمكيني من الكتابة وشغفي بها أثر لا يزول. وذلك أن الشيخ- نضّر الله وجهه وأسعد مهجته- لما فرغ من تحقيق كتاب جلاء الأفهام في الصلاة على سيد الأنام، بالاشتراك مع شيخنا الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، دفع الكتاب إليّ طالبا أن أكتب مقدمة له، ومعبرا عن إعجابه ببياني وأسلوب كتابتي، فتلقيت طلبه بسعادة غامرة يشوبها غير قليل من التهيّب والقلق! فمن أنا حتى أقدم لكتاب نهض بتحقيقه الشيخان الأرنؤوطيان؟! ولكني طويت نفسي على عزيمة مضّاء، وتفرغت للكتاب أقرأه وأطالعه، وحشدت كل ما امتلكت من تعبير وبيان آنذاك لأكتب تلك المقدمة، ثم وافيت بها الشيخ على وجل، فما كان منه إلا أن أمر باعتمادها وطباعتها، وطرت فرحا بذلك، ولكن فرحتي لم تطَل قرعتي - على حد تعبير العامة عندنا - إذ تدخل صديق قديم بدوافع مازلت في ريب منها، فأفسد علي فرحتي وحرمني من رؤية أولى محاولاتي الكتابية زاعما أن والده الشيخ عبد القادر الأرنؤوط كتب للكتاب مقدمة. أما الصديق فهو الأستاذ محمود الأرنؤوط، وأما الدوافع فأترك أمر حَدْسِها للقارئ الكريم!
وكم كان لنا مع الشيخ من مجالس ومسامرات, وسيارين ونزهات، لاسيما يوم الثلاثاء، إذ كان يقضي سحابته في قاعة الباحثين من المكتبة الظاهرية بدمشق- وكان أمين القاعة إذ ذاك الأخ الصديق الأستاذ إبراهيم الزيبق- ثم يصحبني مع الأخ الصديق يحيى مير علم- وغيره أحيانا ممن يحضر من الأصدقاء - إلى عين الفيجة أو الربوة حيث كنا نسعد بصحبته سائر اليوم, ويغدق علينا من كرمه وحديثه وعلمه وأدبه ما يسمو بنفوسنا وعقولنا وأرواحنا. لقد أحدث يوم الثلاثاء في نفسي ما أحدثه الأربعاء في نفس الشاعر حيث يقول:
يا لَلرّجالِ لِيَومِ الأَربَعاءِ أَما
يَنفَكُّ يُحدِثُ لي بَعدَ النُهى طَرَبا
على أن أبدع ما في شيخنا الشيخ شعيب- وكل ما فيه بديع معجِب- أنه مازال وقد بلغ الثمانين في قمة عطائه ونشاطه، لم تخبُ له شعلة ولم يفتر له نشاط، أكرمني المولى سبحانه بزيارته غير مرة في السنوات الثلاث الأخيرة, فإذا هو على ماعهدته يداوم في مكتب التحقيق- أعني تحقيق المخطوطات - من الثامنة صباحا إلى الثانية من بعد الظهر، ثم يرتاح قليلا بعد الغداء ليفرغ من جديد لاستقبال طلبة العلم، وهم يوفدون إليه من كل مكان ينهلون من علمه، ويستنيرون بسديد رأيه، بل ان بعضهم يرحل ليقرأ عليه كتبا بتمامها، ويأتي لهذا الغرض من بلاد بعيدة، والشيخ يستقبل الجميع هاشّا باشّا، ما تزيده السنون والدهور إلا عطاءً ومضاءً.
وهكذا يمضي دهره في خدمة الحديث النبوي الشريف، وهو التخصص الذي وقف على حياته، وأخرج فيه للناس كنوزا ودررا، مهد لها بمفرده أو بالاشتراك مع آخرين, أعد منها ولا أعددها:
- شرح السُّنة للبغوي، ستة عشر مجلَّداً.
- سير أعلام النُّبلاء للذَّهبي، خمسةٌ وعشرون مجلَّداً.
- جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
- جامع العلوم والحكم.
- موارد الظمآن بزوائد صحيح ابن حبان.
- زاد المعاد في هدي خير العباد. خمسة مجلدات
- رياض الصالحين.
- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.
- مختصر منهاج القاصدين.
- مسند الإمام أحمد خمسون مجلدا.
- سنن التِّرمذي، ستة مجلَّدات.
- سنن الدَّارقطني، بالاشتراك مع حسن شلبي، خمسة مجلَّدات.
- تاريخ الإسلام للذهبي، صدر منه أربعة مجلَّدات.
- التعليق الممجَّد شرح موطَّأ محمد لأبي الحسنات اللَّكنَوي، أربعة مجلَّدات.
وبعد فمعذرةً منك أخي القارئ إن أنا سرحت بخيالي وعدتُ بذاكرتي إلى أيام الطلب، فحدثتُك عن عَلَمٍ لا يكاد يخفى علمُه وفضله ومشاركاتُه على أحدٍ من شُداةِ العلم بَلْهَ الراسخين به والمتخصصين. فالشيخ شعيب هو الشيخ شعيب وكفى. فليس عدلاً أن أعرِّف برجل ملأت آثاره المكتبات، وغدا اسمه مقترناً بكثيرٍ من كتب الحديث والتراجم والتاريخ، أحياها لنا وجلاها في أجمل صورة وأبهى حُلّة، وإنما يعلو مثلي بالحديث عن أمثاله:
وليس يصحّ في الأذهان شيءٌ
إذا احْتاج النهار إلى دليل
وإني لأحسبه- ولا أزكي على الله أحداً من العدولِ الذين خبَّر عنهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عدولُهُ، ينفون عنه تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويل الجاهلين».
وأنت يا أبا أسامة سلامٌ عليكَ من تلميذٍ محبٍّ انتفع بكَ ونهل من علمكَ وسَعِدَ بصحبتِكَ، أسأل الله سبحانه أن يبلِّغَك سؤلَكَ، وأن يجعلَ ما قدمتَ من عملٍ.. وما أخرجْتَ من كتبٍ... وما ربَّيت من رجلٍ... زُلفى لك عند ربِّكَ يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* منسق مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة