عندما يتسلقُ تلميذٌ جدار مدرسته ليهرب ثم يضبطُهُ معلمُه عند سور المدرسة سيكون في حالٍ مزرية أمام معلمهِ وأمام وليِّ أمره! آنَ لنا أنْ نتلمس في بداية هذا القرن الخروجَ من حالةِ الالتصاق بنتاجِ الأدب الغربي؛ فعندنا طبقة في ساحاتنا الأدبية نشأتْ على لغة كتابية عربية بألفاظها، وغربية بسياقها وبصور الفهم والتعبير الشعري فيها! لعلها نتيجة حتمية لتداعيات عولمة شاملة؛ في الاقتصاد والسياسة والثقافة أيضاً، بل قُلْ إن شئت إنَّ العولمة تبدأ من تمسُّحِ الضعيف بجدران القوي، أو سيرٍ في فلكه بقصد أو من غير قصد، إنها اللغة التي يفرضُها القوي على الضعيف، وهذا الأمر أكثر من بديهي، فليس عجيباً أن تنساق جُملة من أدبائنا العرب وثُلة من شعراء الأمة تناغماً مع لهجة القوي المقبلة من الغرب، وتوَدُّداً تجاه لُغَتِهِ! لا أريد أن أعرض سيرةً ذاتية للشعر العربي فكلنا يعرف الشعر بمفهومه عندنا نحن العرب؛ فليس كل نظم هو شعر فربما سكبَ عالِمٌ من العلماء خلاصة علمه في منظومة تخضع للوزن كما فعل قدماءُ العلماء في حفظهم لفنون وعلوم تركوها لنا ولكنها ليست شعراً ولا يضيرهم ذلك فلم يجمعوا علومهم في النَّظمِ ليُقال عنه شعر، إنما الشعر هو الذي يعبر بمضمونه عن هدف وفكرة بوصف يسبح في الخيال ويعانق الجمال ويستجلِبُ المعنى بالبديع من التعبير ويَسكبُ الشاعرُ كُلَّ ذلك عبر وزن وقافية في بحر من بحور الشعر، لا أحد منا يُنكر تطوراً في الشعر العربي من حيث عناصر البيئة ومدلولات اللغة ونمائها من عصر إلى عصر، ولا أحد ينكر ارتقاءَ الشاعر بصياغته في خطابه عبر القصيدة، ولكن ما يمكننا لفتُ الانتباه إليه هو انسياق البعض من شعرائنا إلى تبعيَّة ممقوتة يقفُ جميعُ الأحرار من أبناء الأمة ضدَّ الانسياق معها في مجال السياسة والسيادة والاقتصاد فهل نقبلها نحن بين شعرائنا؟ إن دعوتنا للتخلص من تبعياتٍ أثقلت كاهل الأمة وحالت دون النهوض بها نحو التحرر لا تقتصر تلك الدعوة على الجانب السياسي، أو الاقتصادي فحسب، بل إن للشعراء أثراً في هذه الأمة مهما تنكب البعضُ دور الشعر، أما عزوفُ الناس عن الشعر العربي والميول لغيره مما يُطلقُ عليه (شعر) إنما هو أمر لا غرابة فيه مع التفاوت من بيئة لأخرى لأننا نحن مَنْ روَّجنا للنتاج الآخر المنساق بلا وعي إلى ثقافة القوي في خضم تلك العولمة، وقدَّمناه على طبق جميل عبر وسائل الإعلام المختلفة! أما الذين يحاربون الشعر فقط لوجود الوزن فيه ويتحاملون على شعرائه نقول لهم: إنه من الإجحاف أن تُنكروا فضل الشعراء الأولين والمعاصرين عليكم، فتركوا الشعر لأهله، ولا تتمسحوا بجدران الشعر بعد أن هربتم من مدرسته!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com