في لحظة فارقة تختزل تناقضات الشرق، يتّجه بنيامين نتنياهو، الإثنين، إلى واشنطن في زيارة هي الثامنة منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحمل أبعاداً تتجاوز بكثير لقاءات القمة التقليدية؛ فهي ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل هي مُواجهة مكشوفة بين رجلين يدركان تماماً أن علاقتهما وصلت إلى نقطة تحوّل حاسمة.

فبينما يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي معركة وجودية لإنقاذ مستقبله السياسي، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً مخيفاً لحزب الليكود، يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام مفترق طرق إقليمي، حيث يسعى إلى فرض أجندة تفوق أميركي لا تلتزم بالضرورة المطالب الإسرائيلية الضيقة.

وفي خضم هذا التوتر، تتداخل على طاولة المفاوضات أربعة ملفات ساخنة ومعقدة؛ من الملف النووي الإيراني الذي يضع إسرائيل في حالة تأهب قصوى، إلى الملف اللبناني حيث يُصرّ نتنياهو على رفض أيّ انسحاب تحت أي ذريعة، مروراً بالجبهة اليمنية، وصولاً إلى قطاع غزة الذي يتحوّل إلى حجر عثرة بامتياز، حيث يربط رئيس الوزراء إدخال الطعام والماء والدواء والانسحاب وإعادة الإعمار بنزع سلاح حركة «حماس» بالكامل، في مشهد يكشف عن أجندة إسرائيلية مستحيلة ومثقلة بالهواجس الأمنية والانتخابية على السواء.

الملف الإيراني

يمثل الملف النووي الإيراني، الرأس المُدبّب لأجندة اللقاء، حيث يصل نتنياهو إلى واشنطن وهو يحمل تقديرات استخباراتية مثيرة للقلق وغير موثوقة في شأن تقدم البرنامج النووي، وتحديداً ما يتعلق بمنشأة «جبل الفأس» تحت الأرض في ناتانز.

لكن الإدارة الأميركية، التي يقود نائب الرئيس جاي دي فانس، الملف التفاوضي، تبدو أكثر ميلاً إلى خيار الضغط الاقتصادي المكثف، وفتح قنوات دبلوماسية خلفية، خاصة أن ترامب يدرك أن أي مواجهة عسكرية شاملة قد ترفع أسعار النفط وتؤثر على شعبيته عشية انتخابات الكونغرس.

وهنا يكمن جوهر الخلاف؛ فبينما يرى نتنياهو أن الضربة العسكرية هي الحل الوحيد لضمان عدم امتلاك إيران السلاح النووي، يرى ترامب أن المصالح الأميركية تقتضي تجنب حرب إقليمية مفتوحة، وهو ما وصفه نائب الرئيس بأنه «مصلحة الشعب الأميركي قبل أيّ التزامات تجاه حلفاء خارجيين».

الملف اللبناني

لا يقلّ الملف اللبناني حساسية وتشابكاً، حيث تسعى واشنطن إلى الضغط على إسرائيل لبدء انسحاب تدريجي من جنوب لبنان، كجزء من تفاهمات مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي زار البيت الأبيض الأسبوع الماضي.

وترى الإدارة الأميركية في هذا الانسحاب «إنجازاً دبلوماسياً» يُعزّز نفوذ ترامب في المنطقة، ويُمهّد لحلول سياسية تخرج إسرائيل من المستنقع اللبناني.

لكن نتنياهو، الذي يخشى أن يُنظر إلى أي انسحاب قبل الانتخابات الإسرائيلية على أنه تراجع أمني، يتمسّك بموقفه الرافض، متذرعاً بضرورة الحفاظ على منطقة عازلة تمنع «حزب الله» من التمركز على الحدود الشمالية.

والأكثر خطورة مما يروج له في الأوساط الإسرائيلية، هو الحديث عن إمكانية منح النظام السوري مسؤولية التعامل مع الحزب، وهو سيناريو ترفضه إسرائيل جملة وتفصيلاً، وتعتبره تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. وفي السياق، يرى المحللون أن تأجيل لقاء القمة، الأسبوع الماضي، كان يهدف أساساً إلى الضغط على إسرائيل لبدء تنفيذ الانسحاب من مناطق تجريبية في الجنوب، كخطوة تمهيدية لنشر الجيش اللبناني، وهو ما يصطدم برفض إسرائيلي قاطع.

الملف اليمني

يمثل الملف اليمني جزءاً لا يتجزأ من المواجهة الأوسع، في إطار إستراتيجية الضغط على طهران وإضعاف حلفائها.

وفي السياق، تطمح إسرائيل إلى توسيع دائرة استهدافاتها لتشمل البنية التحتية للحوثيين، خصوصاً في ظل الهجمات التي استهدفت مدينة إيلات. لكن المفاجأة تكمن في أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن الإيرانيين يمتنعون حالياً عن توجيه ضربات مباشرة لإسرائيل، تجنباً لتوسيع رقعة الحرب، وهو ما يضع الدولة العبرية أمام خيار صعب.

غزة حجر العثرة

يُشكّل ملف غزة العائق الأكبر أمام أيّ تقدّم في المباحثات، حيث يدفع ترامب نحو تنفيذ خطته لإعادة إعمار القطاع، في محاولة لدفع العملية السياسية قدماً، وتقديم إنجاز إنساني يحسب له.

لكن إسرائيل، تُصرّ على ربط أيّ تقدّم في الوضع الإنساني من إدخال الماء والكهرباء والدواء والمساعدات المكدسة في معبر رفح والمعدات الضرورية لرفع الردم واستخراج جثامين الشهداء وانسحاب الاحتلال من قطاع غزة وإعادة الإعمار بنزع سلاح «حماس» بالكامل، وهو شرط شبه مستحيل.

وفي تطور لافت، قد يطرح ترامب خلال اللقاء مقترحاً للتقدم الجزئي في إعادة الإعمار في مناطق تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية التي تزيد على 60 في المئة من قطاع غزة، كخطوة لاختبار جدية الأطراف، وهو ما يواجه بمعارضة شديدة من نتنياهو.

أما في الضفة الغربية، فإن التصعيد المستمر وإرهاب المستوطنين يلوحان في الخلفية، في ظل الانشغال الأميركي بالملف النووي الإيراني.

«رحلة إلى المجهول»

في قلب المشهد لهذه الزيارة الاستثنائية، تتضح الصورة الأكثر قتامة وتشابكاً في تاريخ العلاقات الإسرائيلية - الأميركية؛ فنتنياهو يصل إلى واشنطن محمّلاً بثقله السياسي المتراجع، وأجندة أمنية متشددة، ورغبة يائسة في إقناع ترامب بأن توسيع الحرب هو السبيل الوحيد لإعادة هيبة إسرائيل وضمان بقائه في الحكم.

لكن الرئيس الأميركي، الذي يرى نفسه صانع القرار الأول في المنطقة، بات يدرك أن المغامرة الإسرائيلية قد تُكلّفه الكثير على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكونغرس التي تُشكّل هاجساً رئيسياً للبيت الأبيض.

وهنا يكمن لبّ الأزمة؛ فكلما اشتدت قبضة نتنياهو على مواقفه الرافضة للانسحاب، وكلما أصر على ربط مصير غزة ومستقبل لبنان بشروطه التعجيزية، كلما اتسعت الهوة بين الحليفين، وزادت احتمالية أن يقرر ترامب التضحية بتحالفه مع نتنياهو من أجل إنجاز سياسي أميركي يحسب له، حتى لو كان ثمنه إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط من دون مراعاة الأطماع الإسرائيلية.

وفي المحصلة النهائية، تبقى المنطقة بأسرها تترقب ما ستسفر عنه تلك القمة المصيرية؛ فإما أن يكون اللقاء نقطة تحول نحو حرب إقليمية شاملة يخرج منها نتنياهو منتصراً في استطلاعاته، وإما أن يكون بداية انفراج يدفع فيه ترامب بخطته للتسوية، وهو ما يضع مستقبل نتنياهو السياسي ومستقبل الحرب على غزة ولبنان في كفة الترجيح الأكثر إثارة للقلق.