تاريخ الكويت القديم باب واسع يقدم المختصون والعارفون فيه ما يسهم في اثراء محتواه. وقد وصلنا من القارئ أحمد حمود الدويهيس هذا التعقيب على محاضرة للدكتورة ميمونة الصباح ألقتها في مجلس حي منطقة اليرموك، ونقلتها الزميلة «الوطن» الاربعاء 17 فبراير 2010. وهذا نص التعقيب:
لقد تطرقت الدكتورة ميمونة الصباح في الندوة التي نظمها مجلس الحي في منطقة اليرموك إلى تاريخ تأسيس الكويت. حيث ذكرت بأن العتوب (الصباح والخليفة والجلاهمة) هم أول من سكن الكويت حينما كانت ارضا قفراء، وان تاريخ تأسيس العتوب للقرين كان عام 1613 ميلادي وليس كما كان يعتقد عام 1756، وذلك تأسيساً على بعض الروايات التي اوردها الكولونيل بيللي والميجر كولبرك. (وهذا الرأي يفرض علينا جدلاً ان نسلم بان قدوم العتوب للقرين كانقبل هذا التاريخ بكثير حتى نجحوا في تكوين لهم سلطة سياسية فيها؟) ومن المؤسف ان تأسس الدكتورة الفاضلة ميمونة الصباح رأيها على مرويات لا يصح الركون اليها أو الاعتماد عليها لأسباب موضوعية عدة أهمها ان الرواة الذين اعتمدت على رواياتهم هم أصحاب هوى وأهداف سياسية عملوا على توظيف هذه الروايات التاريخية لأغراض سياسية من أجل اقصاء نفوذ الدولة العثمانية من جهة، ومن أجل دعم حكم الشيخ مبارك الكبير رحمه الله من جهة اخرى.
ان الباحث المتتبع لسيرة الشيخ مبارك الصباح يدرك بأن الشيخ مبارك رحمه الله وظف الكثير من الروايات حول تأسيس الكويت توظيفاً سياسياً لأسباب معروفة انحصرت بثلاثة اسباب رئيسة وهي:
اولاً: افشال محاولات يوسف الابراهيم عدوه اللدود الذي نجح إلى حد كبير في الحاق الضرر بالشيخ مبارك من خلال نشر الاشاعات حول الشيخ مبارك وتأليب الدولة العثمانية ضده بهدف عزله عن حكم الكويت.
ثانياً: التأثير على الدولة العثمانية لكسب تعاطفها ولتفويت الفرصة على المناوئين لحكمه وعلى رأسهم يوسف الابراهيم وابناء اخوانه الشيخ سعود بن محمد الصباح وأخوه الشيخ صباح، الذين تم اخراجهم من الكويت إلى الصبية حيث يوسف الابراهيم، ومن الصبية رحلوا جميعاً إلى البصرة عن طريق البحر.
ثالثاً: سعي الشيخ مبارك لاقناع الحكومة البريطانية باستقلال الكويت عن أي نفوذ عثماني مباشر، وانه وريث بيت الحكم والحاكم الشرعي الذي يمثل ارادة أهل الكويت وقبائلها.
فمن الأهمية بمكان ان يستوعب الباحث في تاريخ الكويت دوافع روايات الشيخ مبارك الكبير بشأن تاريخ الكويت من أجل ابعاد النفوذ العثماني عن امارته ولتثبيت حكمه أمام محاولات المناوئين لحكمه. كما يجب فهم روايات رجالات الحكومة البريطانية وحصرها في اطار الأهداف الاستعمارية البحتة؟
وتعليقاً على ما ذكرته الدكتورة ميمونة الصباح أود ان أتحدث عن النشأة الأولى للكويت وأول من سكنها وشيد بها المنازل وذلك اعتماداً على روايات متواترة حفظناها من ابائنا واجدادنا وهي روايات تتوافق مع الواقع التاريخي للكويت ويعرفها العارفون في تاريخ الكويت القديم.
يذكر رجالات قبيلة العوازم بأنهم قدموا الى القرين التي كانت ارضاً قفراء ليس بها أحد من الناس بعد اصطدامهم مع شريف مكة المكرمة عام 858 هجرية (انظر ابن بسام) على اثر خلاف تسبب به ابن الشريف الذي تعدى على ابل الشيخ (ابن محجان) أمير فخذ الشقفة أحد أفخاذ قبيلة العوازم ما حدا الشيخ ابن محجان ان ينتقم من ابن الشريف بقتله. وبعد فساد العلاقة بين العوازم الذين كانوا من جملة قبائل المدينة المنورة التابعة لشريف مكة حاكم الحجاز، اضطر العوازم بعد حروب طويلة مع الشريف ان يتركوا موطنهم الاصلي في الحجاز ويتوغلون في نجد التي تعج بصراعات لا تتوقف بين القبائل!. ولم يستقر العوازم في نجد حيث تركوها على اثر تعرض ابناء عمومتهم الشقفة الى مذبحة على يد قبيل زغب في الاحساء في موضع يسمى جبل الشقفة. وقد نجح العوازم في أخذ الثأر من قبيلة زغب انتقاماً لفخذ الشقفة وطرد زغب من موطنها في منطقة السودة الواقعة حالياً في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية. وكان ذلك ما بين عام 858 و860 هجرية تقريباً.
واثناء اقامة العوازم في شرق الاحساء استعان بهم اجود بن زامل لتثبيت حكمه على الاحساء (هجر). وقد استفاد العوازم كثيراً من دعمهم لأجود بن زامل الذي منحهم حرية التنقل في الأراضي الخاضعة لسلطته اكراماً لدورهم الكبير في تثبيت سلطته. على الرغم من ان العوازم اختلفوا معه في ما بعد وحدثت بين الطرفين منازعات (انظر عبدالرحمن السويداء).
وحينما استقر العوازم في الاحساء امتهنت مجموعة كبيرة من العوازم تعلم ركوب البحر للتجارة والغوص على اللؤلؤ، وحينما ابدعوا في هذه المهنة الجديدة عليهم توسعوا في هذه المهنة حتى سلكوا السواحل الشمالية الشرقية للخليج العربي الى ان استقروا في القرين التي أساساً كانت من الاراضي التابعة لقبيلة بنو عامر الكلابية الهوازانية والتي تعتبر قبيلة العوازم احدى عشائرها البارزة (انظر عبدالله الهران). (قبيلة العوازم تشكلت من تحالف بطنين كبيرين عدناني وقحطاني). وقد رأى العوازم في القرين المكان المناسب لتكون مقرا لهم لقربها من اقليم الاحساء والبصرة اضافة لموقعها البحري المتميز حيث قربها من موانئ بوشهر والبصرة والاحساء.
وقد بدأت القرين تشتهر مع مرور الزمن من خلال القوافل التي تمر عليها في طريقها من الاحساء الى البصرة ومن البصرة الى الاحساء. كما أن عرب العتوب الذين ينتسبون الى قبيلة عنزة الكريمة والمعروفة الذين كانوا يسكنون في الديلم بين بوشهر ومدخل شط العرب التي سكنوها لمدة طويلة من الزمن (انظر د. الشيخ سلطان القاسمي) بعد رحلتهم المعروفة التي بدأت من وسط نجد وعلى وجه التحديد من منطقة (الهدار) التابعة للخرج التي هي مسقط رأسهم الاصلي والتي تركوها بسبب خلافات حدثت بينهم وبين ابناء عمومتهم هناك (انظر عبدالعزيز الرشيد) - اقاموا علاقات مع سكان القرين من خلال مرور سفنهم بالقرب من سواحل القرين ورسوها على سواحلها حيث ان العتوب (الصباح والخليفة والجلاهمة) كانوا يمتهنون التجارة البحرية والغوص على اللؤلؤ وكانوا مبدعين في هذا الجانب.
وقد أدت الخلافات التي حدثت لهم مع عرب الهولة الذين كانوا يسكنون بندر كنج، بسبب تحريش الفرس بينهم، الى ذهابهم للبصرة عام 1113 هجرية، التي لم يطب لهم المقام فيها، ثم تركوها وسكنوا أم قصر بعد ان اذن لهم الوالي العثماني في البصرة (انظر د. سلطان القاسمي)، ولم يستقروا بها كثيراً حتى تركوها وسكنوا في منطقة الصبية التي لم يستقروا بها كثيراً حيث تركوها على اثر علمهم بأن الولي العثماني في البصرة قد طلب من قبيلة الظفير الكريمة والمعروفة بشن غارة تأديبية ضد العتوب بسبب تعرضهم لقوافل البصرة. وعلى اثرها شدوا الرحال الى القرين طلباً للحماية والمنعة والأمن (انظر عبدالعزيز الرشيد).
وقد استقبلهم العوازم الذين أكرموا نزلهم وابدوا استعداداً للذود عنهم؟ خصوصاً وان هناك علاقات تحالف بين قبيلة العوازم وقبيلة الظفير تعود الى عشرات الاعوام قبل عام 1140 هجرية الموافق 1728 ميلادية والتي مهدت الى تعاون القبيلتين بالاضافة لبني حسين لمواجهة الشريف حمود الذي تعرض للهزيمة ما اضطره الى الاستعانة بزعيم بني خالد الأمير محمد آل حميد الذي كان على عداء مع العوازم والظفير بسبب تأييدهم لأخيه الأمير سعدون (انظر تاريخ ابن ربيعة). ومن المفيد التأكيد على ان قبيلة الظفير الكريمة تعتبر من اوائل القبائل العربية التي تتردد على القرين القديمة.
وتؤكد مرويات العوازم بأن أول من سكن القرين بعد العوازم وقبل قدوم العتوب هم آل زايد (الغانم والقطامي والزايد) وهؤلاء من كبار التجار وهم من قبيلة عنزة الكريمة المعروفة، وهي اسر تنتسب الى قبيلة عنزة قدمت من نجد بحثاً عن الثراء والتجارة والعلم. ومن المعلوم ان كثيراً من الاسر النجدية قد هاجرت الى البصرة والزبير من نجد طلباً للرزق والعلم، وأن هذه الاسر الكريمة ترجع بأصولها الى قبائل عربية كريمة معروفة.
وان آل زايد هم أول من سكن في حي جبلة حيث لم يكن في القرين القديمة إلا حي واحد وهو ما عرف في ما بعد بحي الوسط الواقع بين حيي شرق وحي جبلة ويشكل حي الوسط المركز الذي نشأت الكويت منه؟ كما أن هناك أسرا من بني خالد سكنت الكويت اثناء قيام دولة بني خالد الذي كان يجمعها مع قبيلة العوازم حلف قديم. وأن عدداً من هذه الاسر يقال بأنها رجعت الى موطنها الاصلي في الاحساء بعد اندثار حكم بني خالد، وهناك رأي آخر يقول ان كثيراً منهم هلك بالطاعون الذي قضى على ثلثي عدد أهل الكويت.
ومن أشهر هذه الأسر الخالدية الكريمة (آل بورسلي والمصيبيح) وكانت هذه الأسر تسكن في حي الوسط جنباً إلى جنب مع العوازم قبل اتساع مدينة القرين القديمة.
إن علاقة العوازم مع الصباح تمت حينما اتخذ العوازم الشيخ ابن صباح مرجعا دينيا لهم عندما سكن في الصبية فكانوا يشدون الرحال له ليفصل بينهم بحكم الله على مذهب الإمام مالك الذي يدينون به منذ أن كانوا في الحجاز. وحينما علموا بقدوم العتوب ومعهم الشيخ ابن صباح قاموا باستقباله إكراما له حيث منحوه منزلا بينهم في حي الوسط تقديرا لمكانته، واحتراما لعلمه، من هنا نجد أن مركز الحكم تركز في حي الوسط. وقد سكن جميع العتوب في حي الوسط ما بين السيف وبهيته «بهيته ضلع مرتفع يمتد من سيف البحر شمالا وينتهي جنوبا حيث مسجد الفنيني (الحداد حالياً)»، ومسجد الدولة. وبعد تزايد الهجرات إلى الكويت أنشئ حي الشرق المعروف الذي يقع شرق حي الوسط.
وعندما اضمحل حكم بني خالد الذين يرتبطون مع العوازم بحلف معروف مازالت آثاره قائمة إلى وقت قريب (انظر عبدالكريم العبيد) وضعفت سلطتهم اتفق العوازم وآل زايد على مبايعة الشيخ ابن صباح (قيل الشيخ عبدالله الأول وقيل والده الشيخ صباح أبوعبدالله والله أعلم) ليكون زعيما يفصل بين الناس ويحتكم الناس إليه في ما يحدث بينهم ويشاورونه في شؤونهم.
وقد أغضب هذا الأمر كبير أسرة الخليفة الكريمة أبناء عمومة الصباح عندما بلغه اجتماع الناس على ابن صباح، فخرج من الكويت مغاضبا لأهلها - قبيل معركة «الرقة» المعروفة التي شارك العوازم فيها بسفينتين كبيرتين دفاعا عن أرضهم (انظر عبدالكريم العبيد) - ومن تلك اللحظة أصبحت سلطة الكويت بيد أسرة الصباح الكريمة يتوارثونها إلى يومنا هذا.
إن الحديث عن تاريخ الكويت القديم يجب التعامل معه بحذر مخافة ابخاس أهل الفضل فضلهم وأهل الحق حقهم حتى لا تمحى آثارهم. كما ان حب آل الصباح وبيان دورهم المعروف لا يعني بأي حال من الأحوال جواز طمس وإغفال دور الآخرين الذين كان لهم الفضل الكبير في بناء الكويت القديمة ودعمهم لحكم الصباح، بل ان حب الكويت يتطلب بيان العرفان للرجال الذين تأسست على سواعدهم الكويت، من هنا بات من الأهمية بمكان أن يتم تدوين تاريخ الكويت بكل موضوعية وتجرد بعيدا عن المجاملة والمحاباة والهوى.
واني لأعتب على أستاذتنا الفاضلة الدكتورة ميمونة الصباح التي لم تشر إلى الحقائق التاريخية حينما استدركت ما فاتها في محاضرتها السابقة يوم 17 فبراير بمقال لها يوم 7 مارس والتي أغفلت فيها دور العوازم في بناء الكويت وتواجدهم فيها حينما كانت قرية صغيرة تنبض فيها الحياة قبل قدوم العتوب اليها. (انظر الحاتم والرشيد). وان اقصار حديثها في فضل العوازم في تثبيت حدود الكويت زمن الشيخ مبارك الصباح وقصر دورهم في هذه الزاوية هو أمر بعيد كل البعد عن واقع الحال الذي يجب التأسيس عليه حينما نتطرق إلى تاريخ الكويت القديم.
فذكر دور بعض أفراد من رجالات قبيلة العوازم أثناء البحث الذي قامت به المخابرات البريطانية في جزيرة بوبيان أمر لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، في ما يتعلق بتاريخ تأسيس الكويت القديم قبل قدوم العتوب اليها، فهذه المعلومات تحدثت عن مرحلة حديثة حدثت زمن الشيخ مبارك الصباح رحمه الله، كما ان هذه الحادثة ذات أبعاد سياسية واضحة لا تخفى على أحد، فالموضوع الذي يهمنا والذي يجب التأسيس عليه أثناء الحديث عن تاريخ الكويت هو أن الذي أسس الكويت وسكنها حينما كانت أرضا قفراء ليس فيها إلا الجن والذئب هم العوازم بكل وضوح وبشكل مباشر دون تردد أو تأويلات ظالمة.
ان ذكر قبيلة العوازم على انهم صيادو أسماك حينما قدم العتوب إلى الكويت كلام مجاف للحقيقة والمنطق، ومحاولة لتحجيم دورهم الحقيقي في تأسيس وبناء الكويت.
فالعوازم لم يمتهنوا صيد الأسماك بشكل رئيسي إلا في وقت لاحق وعلى نطاق ضيق، حيث كانت مهنتهم الأساسية التجارة والغوص على اللؤلؤ منذ استقرارهم في القرين حول الكوت الواقع على (بهيته) وهو كوت صغير جدا (سمي كويت لصغره الواضح) بناه البرتغاليون، حسب بعض المرويات، في بداية دخولهم إلى الخليج العربي وسيطرتهم على سواحله في بداية القرن السادس للميلاد (1500) ميلادية، وحينما قدم العوازم يقال ان هذا الكوت كان قائماً وقد تم تجديده زمن حكم بني خالد للمنطقة، وكان الذي يشرف على هذا الكوت المرحوم ناصر بن صعنونة الشقيقي العازمي وقيل ان اسمه محمد وليس ناصرا، وقد توفي وليس له عقب (ذرية)، ثم ترك هذا الكوت الذي استخدم لتنبيه السفن ليلاً من خلال اشعال النار (الفنر) فوق سطحه على سارية حتى قام أحد أفراد أسرة آل بورسلي الكريمة بالاشراف عليه بتكليف من ابن عريعر بعد أن ترك مهجورا.
ان اعتماد الدكتورة الفاضلة ميمونة الصباح، التي نكن لها كل تقدير واحترام مؤكدين في الوقت نفسه، فضلها وجهدها الواضح واسهاماتها الكبيرة في بيان ونشر تاريخ الكويت الحبيبة، في كتاباتها على مرويات رجالات المخابرات البريطانية والمستشرقين التي دونت منذ وقت قريب يجب ألا يعتد بها في ما يتعلق بتاريخ تأسيس الكويت، فمثل هذه الروايات المسيسة قد تكون مفيدة لدراسة الأوضاع السياسية زمن الشيخ مبارك الصباح - رحمه الله - وما صاحب هذه الفترة من ظروف سياسية صعبة وحرجة، إلا انها لا تصلح بأي شكل من الأشكال أن تشكل أساسا في تدوين تاريخ الكويت القديم.
أخيراً، أود صادقاً أن أسجل خالص تقديري لأستاذتنا الفاضلة الدكتورة ميمونة الصباح على جهودها البينة واهتماماتها الواضحة في الاهتمام بتاريخ الكويت الحبيبة متمنيا لها التوفيق والسداد.
أحمد حمود الدويهيس
www.alerzalah@hotmail.com
لقد تطرقت الدكتورة ميمونة الصباح في الندوة التي نظمها مجلس الحي في منطقة اليرموك إلى تاريخ تأسيس الكويت. حيث ذكرت بأن العتوب (الصباح والخليفة والجلاهمة) هم أول من سكن الكويت حينما كانت ارضا قفراء، وان تاريخ تأسيس العتوب للقرين كان عام 1613 ميلادي وليس كما كان يعتقد عام 1756، وذلك تأسيساً على بعض الروايات التي اوردها الكولونيل بيللي والميجر كولبرك. (وهذا الرأي يفرض علينا جدلاً ان نسلم بان قدوم العتوب للقرين كانقبل هذا التاريخ بكثير حتى نجحوا في تكوين لهم سلطة سياسية فيها؟) ومن المؤسف ان تأسس الدكتورة الفاضلة ميمونة الصباح رأيها على مرويات لا يصح الركون اليها أو الاعتماد عليها لأسباب موضوعية عدة أهمها ان الرواة الذين اعتمدت على رواياتهم هم أصحاب هوى وأهداف سياسية عملوا على توظيف هذه الروايات التاريخية لأغراض سياسية من أجل اقصاء نفوذ الدولة العثمانية من جهة، ومن أجل دعم حكم الشيخ مبارك الكبير رحمه الله من جهة اخرى.
ان الباحث المتتبع لسيرة الشيخ مبارك الصباح يدرك بأن الشيخ مبارك رحمه الله وظف الكثير من الروايات حول تأسيس الكويت توظيفاً سياسياً لأسباب معروفة انحصرت بثلاثة اسباب رئيسة وهي:
اولاً: افشال محاولات يوسف الابراهيم عدوه اللدود الذي نجح إلى حد كبير في الحاق الضرر بالشيخ مبارك من خلال نشر الاشاعات حول الشيخ مبارك وتأليب الدولة العثمانية ضده بهدف عزله عن حكم الكويت.
ثانياً: التأثير على الدولة العثمانية لكسب تعاطفها ولتفويت الفرصة على المناوئين لحكمه وعلى رأسهم يوسف الابراهيم وابناء اخوانه الشيخ سعود بن محمد الصباح وأخوه الشيخ صباح، الذين تم اخراجهم من الكويت إلى الصبية حيث يوسف الابراهيم، ومن الصبية رحلوا جميعاً إلى البصرة عن طريق البحر.
ثالثاً: سعي الشيخ مبارك لاقناع الحكومة البريطانية باستقلال الكويت عن أي نفوذ عثماني مباشر، وانه وريث بيت الحكم والحاكم الشرعي الذي يمثل ارادة أهل الكويت وقبائلها.
فمن الأهمية بمكان ان يستوعب الباحث في تاريخ الكويت دوافع روايات الشيخ مبارك الكبير بشأن تاريخ الكويت من أجل ابعاد النفوذ العثماني عن امارته ولتثبيت حكمه أمام محاولات المناوئين لحكمه. كما يجب فهم روايات رجالات الحكومة البريطانية وحصرها في اطار الأهداف الاستعمارية البحتة؟
وتعليقاً على ما ذكرته الدكتورة ميمونة الصباح أود ان أتحدث عن النشأة الأولى للكويت وأول من سكنها وشيد بها المنازل وذلك اعتماداً على روايات متواترة حفظناها من ابائنا واجدادنا وهي روايات تتوافق مع الواقع التاريخي للكويت ويعرفها العارفون في تاريخ الكويت القديم.
يذكر رجالات قبيلة العوازم بأنهم قدموا الى القرين التي كانت ارضاً قفراء ليس بها أحد من الناس بعد اصطدامهم مع شريف مكة المكرمة عام 858 هجرية (انظر ابن بسام) على اثر خلاف تسبب به ابن الشريف الذي تعدى على ابل الشيخ (ابن محجان) أمير فخذ الشقفة أحد أفخاذ قبيلة العوازم ما حدا الشيخ ابن محجان ان ينتقم من ابن الشريف بقتله. وبعد فساد العلاقة بين العوازم الذين كانوا من جملة قبائل المدينة المنورة التابعة لشريف مكة حاكم الحجاز، اضطر العوازم بعد حروب طويلة مع الشريف ان يتركوا موطنهم الاصلي في الحجاز ويتوغلون في نجد التي تعج بصراعات لا تتوقف بين القبائل!. ولم يستقر العوازم في نجد حيث تركوها على اثر تعرض ابناء عمومتهم الشقفة الى مذبحة على يد قبيل زغب في الاحساء في موضع يسمى جبل الشقفة. وقد نجح العوازم في أخذ الثأر من قبيلة زغب انتقاماً لفخذ الشقفة وطرد زغب من موطنها في منطقة السودة الواقعة حالياً في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية. وكان ذلك ما بين عام 858 و860 هجرية تقريباً.
واثناء اقامة العوازم في شرق الاحساء استعان بهم اجود بن زامل لتثبيت حكمه على الاحساء (هجر). وقد استفاد العوازم كثيراً من دعمهم لأجود بن زامل الذي منحهم حرية التنقل في الأراضي الخاضعة لسلطته اكراماً لدورهم الكبير في تثبيت سلطته. على الرغم من ان العوازم اختلفوا معه في ما بعد وحدثت بين الطرفين منازعات (انظر عبدالرحمن السويداء).
وحينما استقر العوازم في الاحساء امتهنت مجموعة كبيرة من العوازم تعلم ركوب البحر للتجارة والغوص على اللؤلؤ، وحينما ابدعوا في هذه المهنة الجديدة عليهم توسعوا في هذه المهنة حتى سلكوا السواحل الشمالية الشرقية للخليج العربي الى ان استقروا في القرين التي أساساً كانت من الاراضي التابعة لقبيلة بنو عامر الكلابية الهوازانية والتي تعتبر قبيلة العوازم احدى عشائرها البارزة (انظر عبدالله الهران). (قبيلة العوازم تشكلت من تحالف بطنين كبيرين عدناني وقحطاني). وقد رأى العوازم في القرين المكان المناسب لتكون مقرا لهم لقربها من اقليم الاحساء والبصرة اضافة لموقعها البحري المتميز حيث قربها من موانئ بوشهر والبصرة والاحساء.
وقد بدأت القرين تشتهر مع مرور الزمن من خلال القوافل التي تمر عليها في طريقها من الاحساء الى البصرة ومن البصرة الى الاحساء. كما أن عرب العتوب الذين ينتسبون الى قبيلة عنزة الكريمة والمعروفة الذين كانوا يسكنون في الديلم بين بوشهر ومدخل شط العرب التي سكنوها لمدة طويلة من الزمن (انظر د. الشيخ سلطان القاسمي) بعد رحلتهم المعروفة التي بدأت من وسط نجد وعلى وجه التحديد من منطقة (الهدار) التابعة للخرج التي هي مسقط رأسهم الاصلي والتي تركوها بسبب خلافات حدثت بينهم وبين ابناء عمومتهم هناك (انظر عبدالعزيز الرشيد) - اقاموا علاقات مع سكان القرين من خلال مرور سفنهم بالقرب من سواحل القرين ورسوها على سواحلها حيث ان العتوب (الصباح والخليفة والجلاهمة) كانوا يمتهنون التجارة البحرية والغوص على اللؤلؤ وكانوا مبدعين في هذا الجانب.
وقد أدت الخلافات التي حدثت لهم مع عرب الهولة الذين كانوا يسكنون بندر كنج، بسبب تحريش الفرس بينهم، الى ذهابهم للبصرة عام 1113 هجرية، التي لم يطب لهم المقام فيها، ثم تركوها وسكنوا أم قصر بعد ان اذن لهم الوالي العثماني في البصرة (انظر د. سلطان القاسمي)، ولم يستقروا بها كثيراً حتى تركوها وسكنوا في منطقة الصبية التي لم يستقروا بها كثيراً حيث تركوها على اثر علمهم بأن الولي العثماني في البصرة قد طلب من قبيلة الظفير الكريمة والمعروفة بشن غارة تأديبية ضد العتوب بسبب تعرضهم لقوافل البصرة. وعلى اثرها شدوا الرحال الى القرين طلباً للحماية والمنعة والأمن (انظر عبدالعزيز الرشيد).
وقد استقبلهم العوازم الذين أكرموا نزلهم وابدوا استعداداً للذود عنهم؟ خصوصاً وان هناك علاقات تحالف بين قبيلة العوازم وقبيلة الظفير تعود الى عشرات الاعوام قبل عام 1140 هجرية الموافق 1728 ميلادية والتي مهدت الى تعاون القبيلتين بالاضافة لبني حسين لمواجهة الشريف حمود الذي تعرض للهزيمة ما اضطره الى الاستعانة بزعيم بني خالد الأمير محمد آل حميد الذي كان على عداء مع العوازم والظفير بسبب تأييدهم لأخيه الأمير سعدون (انظر تاريخ ابن ربيعة). ومن المفيد التأكيد على ان قبيلة الظفير الكريمة تعتبر من اوائل القبائل العربية التي تتردد على القرين القديمة.
وتؤكد مرويات العوازم بأن أول من سكن القرين بعد العوازم وقبل قدوم العتوب هم آل زايد (الغانم والقطامي والزايد) وهؤلاء من كبار التجار وهم من قبيلة عنزة الكريمة المعروفة، وهي اسر تنتسب الى قبيلة عنزة قدمت من نجد بحثاً عن الثراء والتجارة والعلم. ومن المعلوم ان كثيراً من الاسر النجدية قد هاجرت الى البصرة والزبير من نجد طلباً للرزق والعلم، وأن هذه الاسر الكريمة ترجع بأصولها الى قبائل عربية كريمة معروفة.
وان آل زايد هم أول من سكن في حي جبلة حيث لم يكن في القرين القديمة إلا حي واحد وهو ما عرف في ما بعد بحي الوسط الواقع بين حيي شرق وحي جبلة ويشكل حي الوسط المركز الذي نشأت الكويت منه؟ كما أن هناك أسرا من بني خالد سكنت الكويت اثناء قيام دولة بني خالد الذي كان يجمعها مع قبيلة العوازم حلف قديم. وأن عدداً من هذه الاسر يقال بأنها رجعت الى موطنها الاصلي في الاحساء بعد اندثار حكم بني خالد، وهناك رأي آخر يقول ان كثيراً منهم هلك بالطاعون الذي قضى على ثلثي عدد أهل الكويت.
ومن أشهر هذه الأسر الخالدية الكريمة (آل بورسلي والمصيبيح) وكانت هذه الأسر تسكن في حي الوسط جنباً إلى جنب مع العوازم قبل اتساع مدينة القرين القديمة.
إن علاقة العوازم مع الصباح تمت حينما اتخذ العوازم الشيخ ابن صباح مرجعا دينيا لهم عندما سكن في الصبية فكانوا يشدون الرحال له ليفصل بينهم بحكم الله على مذهب الإمام مالك الذي يدينون به منذ أن كانوا في الحجاز. وحينما علموا بقدوم العتوب ومعهم الشيخ ابن صباح قاموا باستقباله إكراما له حيث منحوه منزلا بينهم في حي الوسط تقديرا لمكانته، واحتراما لعلمه، من هنا نجد أن مركز الحكم تركز في حي الوسط. وقد سكن جميع العتوب في حي الوسط ما بين السيف وبهيته «بهيته ضلع مرتفع يمتد من سيف البحر شمالا وينتهي جنوبا حيث مسجد الفنيني (الحداد حالياً)»، ومسجد الدولة. وبعد تزايد الهجرات إلى الكويت أنشئ حي الشرق المعروف الذي يقع شرق حي الوسط.
وعندما اضمحل حكم بني خالد الذين يرتبطون مع العوازم بحلف معروف مازالت آثاره قائمة إلى وقت قريب (انظر عبدالكريم العبيد) وضعفت سلطتهم اتفق العوازم وآل زايد على مبايعة الشيخ ابن صباح (قيل الشيخ عبدالله الأول وقيل والده الشيخ صباح أبوعبدالله والله أعلم) ليكون زعيما يفصل بين الناس ويحتكم الناس إليه في ما يحدث بينهم ويشاورونه في شؤونهم.
وقد أغضب هذا الأمر كبير أسرة الخليفة الكريمة أبناء عمومة الصباح عندما بلغه اجتماع الناس على ابن صباح، فخرج من الكويت مغاضبا لأهلها - قبيل معركة «الرقة» المعروفة التي شارك العوازم فيها بسفينتين كبيرتين دفاعا عن أرضهم (انظر عبدالكريم العبيد) - ومن تلك اللحظة أصبحت سلطة الكويت بيد أسرة الصباح الكريمة يتوارثونها إلى يومنا هذا.
إن الحديث عن تاريخ الكويت القديم يجب التعامل معه بحذر مخافة ابخاس أهل الفضل فضلهم وأهل الحق حقهم حتى لا تمحى آثارهم. كما ان حب آل الصباح وبيان دورهم المعروف لا يعني بأي حال من الأحوال جواز طمس وإغفال دور الآخرين الذين كان لهم الفضل الكبير في بناء الكويت القديمة ودعمهم لحكم الصباح، بل ان حب الكويت يتطلب بيان العرفان للرجال الذين تأسست على سواعدهم الكويت، من هنا بات من الأهمية بمكان أن يتم تدوين تاريخ الكويت بكل موضوعية وتجرد بعيدا عن المجاملة والمحاباة والهوى.
واني لأعتب على أستاذتنا الفاضلة الدكتورة ميمونة الصباح التي لم تشر إلى الحقائق التاريخية حينما استدركت ما فاتها في محاضرتها السابقة يوم 17 فبراير بمقال لها يوم 7 مارس والتي أغفلت فيها دور العوازم في بناء الكويت وتواجدهم فيها حينما كانت قرية صغيرة تنبض فيها الحياة قبل قدوم العتوب اليها. (انظر الحاتم والرشيد). وان اقصار حديثها في فضل العوازم في تثبيت حدود الكويت زمن الشيخ مبارك الصباح وقصر دورهم في هذه الزاوية هو أمر بعيد كل البعد عن واقع الحال الذي يجب التأسيس عليه حينما نتطرق إلى تاريخ الكويت القديم.
فذكر دور بعض أفراد من رجالات قبيلة العوازم أثناء البحث الذي قامت به المخابرات البريطانية في جزيرة بوبيان أمر لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، في ما يتعلق بتاريخ تأسيس الكويت القديم قبل قدوم العتوب اليها، فهذه المعلومات تحدثت عن مرحلة حديثة حدثت زمن الشيخ مبارك الصباح رحمه الله، كما ان هذه الحادثة ذات أبعاد سياسية واضحة لا تخفى على أحد، فالموضوع الذي يهمنا والذي يجب التأسيس عليه أثناء الحديث عن تاريخ الكويت هو أن الذي أسس الكويت وسكنها حينما كانت أرضا قفراء ليس فيها إلا الجن والذئب هم العوازم بكل وضوح وبشكل مباشر دون تردد أو تأويلات ظالمة.
ان ذكر قبيلة العوازم على انهم صيادو أسماك حينما قدم العتوب إلى الكويت كلام مجاف للحقيقة والمنطق، ومحاولة لتحجيم دورهم الحقيقي في تأسيس وبناء الكويت.
فالعوازم لم يمتهنوا صيد الأسماك بشكل رئيسي إلا في وقت لاحق وعلى نطاق ضيق، حيث كانت مهنتهم الأساسية التجارة والغوص على اللؤلؤ منذ استقرارهم في القرين حول الكوت الواقع على (بهيته) وهو كوت صغير جدا (سمي كويت لصغره الواضح) بناه البرتغاليون، حسب بعض المرويات، في بداية دخولهم إلى الخليج العربي وسيطرتهم على سواحله في بداية القرن السادس للميلاد (1500) ميلادية، وحينما قدم العوازم يقال ان هذا الكوت كان قائماً وقد تم تجديده زمن حكم بني خالد للمنطقة، وكان الذي يشرف على هذا الكوت المرحوم ناصر بن صعنونة الشقيقي العازمي وقيل ان اسمه محمد وليس ناصرا، وقد توفي وليس له عقب (ذرية)، ثم ترك هذا الكوت الذي استخدم لتنبيه السفن ليلاً من خلال اشعال النار (الفنر) فوق سطحه على سارية حتى قام أحد أفراد أسرة آل بورسلي الكريمة بالاشراف عليه بتكليف من ابن عريعر بعد أن ترك مهجورا.
ان اعتماد الدكتورة الفاضلة ميمونة الصباح، التي نكن لها كل تقدير واحترام مؤكدين في الوقت نفسه، فضلها وجهدها الواضح واسهاماتها الكبيرة في بيان ونشر تاريخ الكويت الحبيبة، في كتاباتها على مرويات رجالات المخابرات البريطانية والمستشرقين التي دونت منذ وقت قريب يجب ألا يعتد بها في ما يتعلق بتاريخ تأسيس الكويت، فمثل هذه الروايات المسيسة قد تكون مفيدة لدراسة الأوضاع السياسية زمن الشيخ مبارك الصباح - رحمه الله - وما صاحب هذه الفترة من ظروف سياسية صعبة وحرجة، إلا انها لا تصلح بأي شكل من الأشكال أن تشكل أساسا في تدوين تاريخ الكويت القديم.
أخيراً، أود صادقاً أن أسجل خالص تقديري لأستاذتنا الفاضلة الدكتورة ميمونة الصباح على جهودها البينة واهتماماتها الواضحة في الاهتمام بتاريخ الكويت الحبيبة متمنيا لها التوفيق والسداد.
أحمد حمود الدويهيس
www.alerzalah@hotmail.com