للمرة الأولى منذ العام 2009، عاد لبنان الثلاثاء إلى البيت الأبيض الذي استضاف قمة استثنائية في الشكل والمضمون والتوقيت، جمعت رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بات منذ أبريل الماضي، عرّابَ الملف اللبناني وضامِنَ رسوّه على حلّ مستدام وضابطَ جبهة الجنوب في الشق المتعلق بإسرائيل على إيقاع إدارته المسرح الأكبر الذي تشكله الحرب مع إيران.

من الاستقبال الرسمي، إلى المحادثات بين ترامب وعون، ومضامينها العسكرية، الأمنية، السياسية، والاقتصادية وما سبقها من مواقف بارزة للرجلين أمام الإعلام والتي توّجت الزيارة التاريخية، بدا واضحاً الثِقْلُ الذي بات ملف «بلاد الأرز» يحتلّه على أجندة أولويات الإدارة الأميركية وحرص الأخيرة على تثبيت «استقلاليته» عن مسار إيران وإعطاء إشارة أقرب إلى أنها «عادت أدراجها» عن إدراجه في البند الأول من مذكرة التفاهم «المعلَّقة» حالياً مع طهران وما أُعطي لهذا الأمر من أبعاد تهاوت تباعاً.

وأحاط ترامب، الاستقبال بحفاوة في الترحيب «بالرجل المحترم جداً من الجميع»، كما قال على مدخل البيت البيض، وصولاً لتجنبه في الشكل أي إحراج للرئيس اللبناني خلال اللقاء المفتوح مع الصحافة الذي استمر لنحو 40 دقيقة، أشاد خلالها مراراً بـ «لبنان الذي أسيئت معاملته وأهمل لعقود، وحان الوقت لينتهي ذلك، هو الذي يملك نخباً من المثقفين والمتعلّمين، وأنا منحاز له ولي أصدقاء كثر منه، وسنساعده»، معتبراً أن عون «يمكن أن يكون من بين أفضل القادة بالشرق الأوسط».

وإذ تحدث ترامب، عن «مشكلة حزب الله، وقمنا حيالها بعمل سيلمسه العالم»، أوضح «إذا أراد الرئيس اللبناني مني أن أتحدث مع حزب الله فسأفعل ذلك»، واصفاً رئيس البرلمان نبيه بري، بأنه «رجل جيد وحين يرى التقدم سيغيّر رأيه» في ما خص رفْضه الاتفاق الإطار الذي وُقع في 26 يونيو.

الشرع و«حزب الله»

وأشار ترامب إلى «أن الإسرائيليين في طور إعادة الانتشار (في جنوب لبنان)، وسيعيدون الانتشار في قطاعات أخرى، وهم وقعوا اتفاقاً رائعاً»، مكرراً في ما خص كلامه سابقاً عن تدخل الرئيس السوري أحمد الشرع، في لبنان للمساهمة في معالجة ملف «حزب الله» ان «الشرع يقوم بعمل جيد جداً، وهو يرغب أن يدخل ويقوم بشيء مع حزب الله، وهو قاتله لوقت طويل، وأعتقد أن ذلك سيكون فعالاً للغاية».

«لم ننته بعد»

وفي موضوع إيران، قال ترامب «لم ننته بعد من إيران التي تتوسل للاتفاق معنا وهم لم يروا شيئاً بعد وكنا جيدين معهم حتى الآن، وهي ستحتاج إلى 20 أو 25 عاماً لإعادة البناء بعد الضرر الذي ألحقناه بها»، مؤكداً «هناك أشخاص شريرون يقودون هذا البلد، وأي موقع نووي قد يفكر الإيرانيون في إعادة تفعيله سنضربه من جديد، واتفاقنا الجديد سيكون بمثابة جدار منيع، فلا يمكن لطهران امتلاك سلاح نووي حالياً وستحتاج سنوات لإنتاجه».

وأضاف: «يحاولون إعادة إحياء موقع محتمل، وقد نضرب بقوة الموقع الإيراني في جبل الفأس قريباً».

وفيما أشار إلى «أن الحصار في مضيق هرمز متواصل ولا أحد يعبر»، قال «إذا حدث شيء في البحر الأحمر فسنكون مضطرين ببساطة إلى التعامل مع الأمر، وإذا حصل شيء في باب المندب فسنتعامل معه وقد فعلنا ذلك من قبل مع الحوثيين. ونفذنا نحو 45 يوماً من الإجراءات القوية للغاية ضدهم ولم نشهد أي مشاكل معهم منذ ذلك الحين».

دعم الجيش

أما عون، فشكر ترامب، على المساعدة في «الانجاز التاريخي بتوقيع الصيغة الاطار (مع إسرائيل) بهدف انهاء حال العداء إلى الأبد، وهذا هو الهدف النهائي، وحان الوقت للبنان كي ينعم بالاستقرار والأمن، ونحن نتوافق مع رؤيتكم للاستقرار في المنطقة، وآن الأوان لتحقيق رؤية الرئيس ترامب، بأن السلام ينبغي أن يعمها».

وأكد أن بري «من الجنوب وهو داعم لإنهاء الأعمال العدائية ويقوم بجهد كبير، ويريد أن يرى الحرب تنتهي ويدعم ما نقوم به»، موضحاً «قلت للرئيس ترامب، إنني أحتاج منه الدعم السياسي ودعم الجيش اللبناني الذي يقوم بعمل جيد جداً وهو المؤسسة الأكثر موثوقية وعمود الاستقرار فيه، ولي ملء الثقة بالجيش وقيادته».

ودخل عون، البيت الأبيض، حيث عُقدت القمة التي حضرها نائب الرئيس جاي دي فانس، ووزير الحرب بيت هيغسيث، على وقع «الهدية» التي كان قدّمها له ترامب، بضغطه على تل أبيب كي ينطلق المسار التطبيقي لـ «الصيغة الإطار» والآلية التنفيذية التي أقرّتها مفاوضات روما الثلاثية للمرحلة التجريبية التي بدأت الاثنين في 3 مناطق انتشر داخلها الجيش اللبناني، وإحداها زوطر الغربية التي انسحب الجيش الإسرائيلي من أطرافها التي كان يحتلها، فيما فرون وصريفا كانتا تحت السيطرة بالنار.

وعُلم أن عون، حَمَلَ إلى القمة مع ترامب، مجموعة مطالب وطروحات تتصل بتصوّر الدولة لكيفية إنجاز حصر السلاح بيدها وما يتطلبه ذلك من دعم للجيش الذي يتعيّن عليه الانتشار في كل بقعة تنسحب منها إسرائيل وأن يفكك أي بنية عسكرية للحزب فيها ويمنع عودته إليها، من ضم مسار متوازٍ على طريقة «الخطوة مقابل خطوة» ومتدرّج على قاعدة «الخطوة تلي الخطوة» من جانب تل أبيب.

وفي الإطار، أشارت قناة «الحدث» إلى أن عون، قدّم «خلال لقائه ترمب، خطة عمل لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي»، ناقلة عن مصدر رسمي لبناني أن«هذه الخطة تتضمّن طروحاتٍ لحصْر السلاح وتقوية الجيش وتنظيم مؤتمرات لدعم الاقتصاد»، وأن الرئيس اللبناني طلب «وضع جداول زمنية للانسحاب الإسرائيلي الكامل».

وساد لبنان تَرَقُّبٌ لِما ستَخرج به قمة البيت الأبيض، على وقع «نقزة» في تل أبيب، التي لم ينجح رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في لقاء ترامب، قبل زيارة عون، من أن تفرض واشنطن عليها المزيد من التراجعاتِ أمام الدولة اللبنانية بما يقوّي موقفها تجاه الداخل وسردية الحزب عن المفاوضات العقيمة وعن أن إيران عبر مسارها هي التي حققت للبنان وقف النار ووحدها ستأتي بالانسحاب الإسرائيلي.

انسحاب إسرائيلي

وإذ عُلم أن عون تطرق ايضاً إلى موضوع رفْع الدعم المالي للجيش ودعوات الرئيس الاميركي المتكررة للرئيس السوري للتدخل في لبنان والمساهمة في معالجة مسألة الحزب، مع تأكيد الرئيس اللبناني الحرص على علاقة ندية مع دمشق تقوم على احترام كل بلد سيادة الآخر، لم يحجب اللقاء ما فوق عادي الأنظار عن بدء تنفيذ المرحلة التجريبية من الانسحاب الإسرائيلي وسحب الجيش اللبناني سلاح الحزب ضمن نطاق المناطق النموذجية، وفق البيان الذي كانت أصدرته الخارجية الاميركية بعد ظهر الاثنين وبدا بمثابة «إصدار الأمر» بإطلاق مسار تطبيق الصيغة الإطار بإشراف مجموعة التنسيق العسكري للبنان التي تضمّ بيروت وتل أبيب بقيادة القادة المركزية الأميركية (سنتكوم).

وفي حين حصل انتشار الجيش اللبناني في فرون وصريفا من دون عوائق، فإن التمركز في زوطر الغربية لم يمرّ من دون تعرض وحداته العسكرية «أثناء تنفيذها عملية الانتشار لإطلاق نار على مقربة منها من قوات الاحتلال الإسرائيلي».

وفيما رُبط هذا الأمر بموقع زوطر الغربية وتداخلها مع زوطر الشرقية التي رفضت إسرائيل الانسحاب منها في هذه المرحلة لقربها من قلعة الشقيف الإستراتيجية، فإنّ وقوع فرون وصريفا كما زوطر في محاذاة المنطقة الأمنية التي أقامها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (بمساحة نحو 600 كيلومتر مربع) يطرح تحدياتٍ عدة ليس فقط لجهة اختبار الجيش اللبناني في بقعة شديدة الحساسية، بل أيضاً لمحاولة تل أبيب تأطير الانسحابات بنطاقٍ يشكل حزاماً لـ«المنطقة الصفراء» التي تصرّ على أن يكون إخلاؤها بالكامل رهن السحب الكامل لسلاح الحزب.

ولم يكن عابراً ما أورده موقع «اكسيوس» نقلاً عن مسؤول أميركي من أن«واشنطن تجري مفاوضات مع إسرائيل ولبنان بشأن آلية التحقق من نزع سلاح حزب الله داخل المناطق التجريبية في جنوب لبنان»، موضحاً أن الجيش اللبناني سيكون مسؤولاً عن تأمين هذه المناطق، وتنفيذ عمليات إزالة الأسلحة والبنية التحتية العسكرية التابعة لحزب الله، مع إجراء عمليات تحقق للتأكد من تنفيذ ذلك.

«حزب الله» يُصعّد

في المقابل، مضى «حزب الله» في رفع سقف المواجهة وصولاً لإعلان النائب في كتلته حسن عزالدين، أن «مكابرة رئيس الجمهورية وإصراره على المضي في خيار المفاوضات المباشرة، سيؤثر على السلم الأهلي والاستقرار والهدوء»، معتبراً «أن نزع سلاح المقاومة يوازي نزع أرواح من يحمل هذه البندقية للدفاع عن هذا الوطن».

وفي تصعيد جديد بدفع إيراني على غرار انخراط الحوثي في الصراع بالمنطقة وتهديداته إثر منع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار صنعاء، هدد عضو المجلس السياسي محمود قماطي، السلطة اللبنانية بأنها «إذا لم تصحح العلاقات مع إيران وتحل مسألة الطيران الإيراني (ممنوع من الهبوط في لبنان منذ خريف 2024) فإن صبرنا قد ينفد... هناك العديد من الطرق السلمية حيث لن يبقى أي طيران ينزل في لبنان ولن يبقى أي سفير في بيروت».

وجاء هذا التهديد أيضاً على خلفية قرار الحكومة في مارس معاودة العمل بقرار ضرورة حصول الرعايا الإيرانيين على تأشيرة دخول إلى لبنان ربطاً بما ثبت عن وجود عناصر وقيادات من الحرس الثوري يشاركون في إدارة الحرب مع "حزب الله".