في مشهد جيوسياسي معقد ومتشابك، تتوالى الأحداث في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، لتكشف عن تداخل المصالح الإستراتيجية والضغوط الداخلية والخارجية التي تقود القرارات الكبرى. فبينما كانت طاولات المفاوضات تعقد جولاتها الأخيرة بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين، كانت غرف القرار في البيت الأبيض تشهد تحولاً دراماتيكياً من الدبلوماسية إلى القوة العسكرية، وسط تساؤلات حول دور إسرائيلي وحالة من الغموض بشأن ملفات الملياردير جيفري إبستين.

في الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الإسرائيلية تمديد «الوضع الخاص» في الجبهة الداخلية، في إشارة واضحة إلى تصاعد التهديدات الأمنية واستعداد تل أبيب لأي سيناريوهات محتملة، فيما تتلقى تحديثات مستمرة من القيادة المركزية الأميركية بشأن العمليات العسكرية ضد إيران.

التقارير الداخلية غامضة وبلغة غريبة وعجيبة تقدم رؤية تحليلية للأحداث المتسارعة، بدءاً من استعدادات إسرائيل الأمنية، مروراً بالضربات الأميركية الموسعة على الأراضي الإيرانية، وصولاً إلى التداعيات الإقليمية والدولية، مع تناول ملفات إبستين كخلفية مثيرة للجدل في المشهد السياسي الأميركي.

في تصويت هاتفي عاجل، مددت الحكومة الإسرائيلية، الأحد، إعلان «الوضع الخاص في الجبهة الداخلية» في كل أنحاء إسرائيل حتى 28 يوليو الجاري، في ظل تقديرات أمنية تفيد بأن احتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجوم مازال مرتفعاً. يأتي هذا القرار على خلفية التطورات المتصاعدة في إيران ولبنان، وفي أعقاب جولة جديدة من الضربات الأميركية الموسعة ضد أهداف إيرانية.

التنسيق الأمني

يجري الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنسيقاً وثيقاً، وتتلقى تل أبيب تحديثات متواصلة بشأن العمليات الأميركية والتطورات الإقليمية. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تستعد دفاعياً وهجومياً لسيناريوهات مختلفة، تشمل تعزيز منظومات الدفاع الجوي، والحفاظ على الجاهزية العملياتية، ومواصلة إعداد خطط هجومية وتحديث بنك الأهداف في إيران.

التجميد الإسرائيلي في الجنوب

بالتوازي، أصدر المستوى السياسي تعليمات إلى الجيش بتجميد كل العمليات المصنفة «حساسة» في الجنوب اللبناني، بناءً على طلب أميركي، وذلك حتى اتضاح مسار المواجهة مع إيران والمفاوضات بين إسرائيل ولبنان. ويأتي هذا التجميد وسط خشية أميركية من انضمام تل أبيب إلى المواجهة الحالية، ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة الحرب.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر» وإلى حين انتهاء التدخل الأميركي في المنطقة.

لماذا الحرب الآن؟

في ظل هذه الصورة المتداخلة والمعقدة للعلاقات والجبهات، كشف كتاب «تغير النظام» للصحافيين جوناثان سوان، وماغي هابيرمان، من صحيفة «نيويورك تايمز» أن الرئيس دونالد ترامب، أخبر مستشاريه أنه كان لديه «شعور جيد» تجاه العمل العسكري، وأراد «محو النظام ومعرفة التفاصيل لاحقاً».

كان مبعوث ترامب، للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، يواصلان التفاوض مع المسؤولين الإيرانيين في سلطنة عُمان وسويسرا حتى الأيام الأخيرة قبل الهجوم. وكان أحد المقترحات الأميركية تقديم وقود نووي مجاني للبرنامج المدني الإيراني مدى الحياة، كاختبار لتحديد ما إذا كان التخصيب يهدف للطاقة أم للسلاح.

لكن ويتكوف وكوشنر، توصلا إلى قناعة بأن إيران كانت تماطل، آملاً في أن تتمكن من تجاوز فترة ولاية ترامب. هذا الاستنتاج كان المفتاح الذي أقنع الرئيس بأن الدبلوماسية «استنفدت مسارها».

تأثير لا سيطرة

بحسب كتاب «Regime Change»، طمأن ترامب، كل من تاكر كارلسون، وإيلون ماسك، في اجتماع بالمكتب البيضاوي بأن الولايات المتحدة لن تذهب للحرب مع إيران، قائلاً «نحن لن نفعل ذلك».

وحذره كارلسون: «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يدمر رئاستك هو الحرب مع إيران». ورغم ذلك، نفذ الرئيس الأميركي خطة نتنياهو، وعاد مرة ثانية إلى الحرب.

أغلقت الحرب ممرات جوية وبحرية حيوية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والطاقة عالمياً. كما أدى إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية، وتهديد خطوط الإمداد الحيوية للعديد من الدول.

المشهد المعقد لمستقبل المنطقة

في تحليل شامل للأحداث المتسارعة، يظهر بوضوح أن القرارات الكبرى التي تُتخذ في غرف القرار الأميركية والإسرائيلية تنبع من مجموعة معقدة من العوامل المتداخلة. فالحرب لم تكن نتيجة عاجلة أو رد فعل على تهديد مباشر، بل جاءت نتيجة لمزيج من القناعة الشخصية لترامب، والضغوط الإقليمية، وتقييم استخباراتي، وإحباط دبلوماسي من مماطلة إيران.

أما في ما يتعلق بملفات إبستين، و«الابتزاز الإسرائيلي» فهنك أدلة موثقة على أن ترامب، كان متشككاً في خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومستقلاً في قراراته ولكنه ضغط عليه واجبر على العودة للحرب مع قرب الانتخابات. وقد أكد النائب توماس ماسي، ذلك بقوله «قصف دولة في الجانب الآخر من العالم لن يجعل ملفات إبستين... تختفي».

في الجانب الإسرائيلي، يبدو أن تمديد حال الطوارئ يعكس تقديراً أمنياً دقيقاً لحجم التهديدات المحتملة، واستعداداً لكل السيناريوهات الممكنة. ومع استمرار التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، تبقى المنطقة على حافة الهاوية، تترقب ملامح المرحلة المقبلة في صراع يعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط.