في تطور دراماتيكي يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية، كشفت هيئة البث الإسرائيلية (كان 11) عن تعليمات إسرائيلية بتجميد كل العمليات «الحساسة» في جنوب لبنان، وذلك بناءً على طلب أميركي صريح بهدف منع تنفيذ أي «عمليات استثنائية» في ظل التصعيد المحموم بين واشنطن وطهران.
ويأتي هذا القرار في لحظة فارقة، تزامناً مع استعداد الأطراف المعنية لجولة مفاوضات حاسمة في روما، وسط مساعٍ أميركية مكثفة لضبط إيقاع التصعيد وتنفيذ تفاهمات انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، في مشهد يعيد إلى الأذهان تعقيدات الملف اللبناني ورهاناته الإقليمية.
بين الرغبة الأميركية والخشية من التوسع
وأفادت «كان 11» في تقرير، نقلاً عن مصادر مطلعة على تفاصيل القرار، بأن «المستوى السياسي الإسرائيلي أوعز إلى الجيش بتجميد كل العمليات التي تعد «حساسة» في جنوب لبنان، وذلك بناء على طلب الولايات المتحدة بعدم تنفيذ «عمليات استثنائية».
وأضاف التقرير أن هذه التعليمات تسري «إلى حين صدور أوامر جديدة، وكذلك إلى حين اتضاح مصير التصعيد الحالي بين أميركا وإيران، وكذلك مصير مسار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان».
وبحسب مصادر أمنية، فإن تل أبيب «مستعدة لاستغلال أي هجوم إيراني عليها من أجل الرد بضربات واسعة، إلا أنه وبناء على طلب البيت الأبيض فقد تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات بالانتظار بهدف منع اتساع رقعة المواجهة الحالية بين واشنطن وطهران لتشمل إسرائيل».
ويشير هذا التوجه بوضوح إلى أن الإدارة الأميركية، المنشغلة في الأيام الأخيرة بالتصعيد مع إيران، تخشى أن تنجر إسرائيل أيضاً إلى هذه المعركة، ما قد يعرّض الاستقرار الهش في جنوب لبنان للخطر ويعقّد مسار المفاوضات الشائك، ويضع الاتفاق الاطاري في مهب الريح.
رعاية أميركية حذرة
في سياق متصل، كشف السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، خلال لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون، عن تفاصيل إضافية حول الدور الأميركي في الإشراف على تنفيذ الاتفاق.
وأكد أن «وفداً عسكرياً أميركياً سيزور بيروت في الأيام المقبلة للمساعدة في تحديد وتنسيق آليات العمل في «المناطق التجريبية»، وأن ذلك يأتي بهدف تفادي أي فراغ أمني عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المحددة».
وأوضح أن «نقل جولة المفاوضات المقبلة من واشنطن إلى روما يعود إلى أسباب تقنية محضة تتعلق بتسهيل تنقل أعضاء الوفود»، مؤكداً أن طبيعة المفاوضات لم تتغير.
وأشار إلى أن اجتماعات روما، المقررة في 15-16 يوليو الجاري، ستركز على الجوانب «التنظيمية والتنفيذية»، بما في ذلك تشكيل فرق عمل متخصصة لمتابعة تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها في واشنطن، والتي قد تتطلب خبراء قانونيين وتقنيين حسب طبيعة الملفات المطروحة.
وفي إشارة إلى الاهتمام الأميركي رفيع المستوى، كشف عيسى أن عون تلقى دعوة رسمية لزيارة واشنطن في 21 يوليو، تلبية لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، وهو ما اعتبره السفير انعكاساً لاهتمام الرئيس الأميركي بلبنان وجهوده لتحقيق الأمن والاستقرار وإنهاء معاناة شعبه.
مناطق التجريبية
وينص الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه في 26 يونيو الماضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، على انسحاب إسرائيلي متدرج يبدأ بمناطق تجريبية، مقابل انتشار للجيش اللبناني.
وبحسب تقرير «كان 11»، فمن المتوقع أن يبدأ الجيش الإسرائيلي الانسحاب من هذه المناطق خلال أيام، لكن تقارير ميدانية وتحقيقات صحافية أثارت تساؤلات جدية حول طبيعة هذه المناطق، ووصفتها بأنها قد تكون «خدعة» إسرائيلية لخدمة أهداف سياسية وانتخابية داخلية، وتأجيل الانسحاب الفعلي إلى ما لا نهاية.
فقد كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية نقلاً عن مصادر عسكرية أن الجيش لم يتلق حتى الآن أي أمر رسمي بالانسحاب من أي منطقة، وأن تحديد قرى مثل فرون وزوطر الغربية والغندورية في قضاء النبطية، جاء بمقترح من قيادة المنطقة الشمالية للالتفاف على شروط الهدنة، حيث إن هذه البلدات ليست خاضعة لسيطرة إسرائيلية فعلية في المقام الأول.
وأشار مصدر عسكري لبناني رفيع المستوى إلى أن هذه القرى «ليست محتلة حالياً من قبل القوات الإسرائيلية»، مما يعزز الشكوك حول جدية الخطوة الإسرائيلية.
وفي السياق، علّقت الناطقة باسم قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل» كانديس أرديل، على إعلان الجيش الإسرائيلي عن «منطقة عازلة» شمال الخط الأزرق، واصفة إياه بأنه «إجراء أحادي الجانب لا تعترف به الأمم المتحدة».
وشددت على أن «الخط الأزرق هو الخط الوحيد المعتمد بالنسبة للأمم المتحدة واليونيفيل، وأي وجود إسرائيلي شماله يعتبر انتهاكاً للقرار 1701».
الأبعاد الإقليمية
وعلى الصعيد الإقليمي، سلطت الصحافة الإسرائيلية، ولا سيما صحيفة «معاريف»، الضوء على تداعيات التوتر الأميركي - الإيراني على الملف اللبناني.
وأشارت إلى «تصاعد خطاب الانتقام» في إيران عقب مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، حيث دعت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، لاستهداف ميناء حيفا الإسرائيلي وميناء آخر في المنطقة، رداً على هجوم أميركي استهدف جسراً للسكك الحديدية شمالي إيران.
ويثير هذا التصعيد مخاوف من أن ينعكس على المشهد اللبناني، ويدفع إسرائيل إلى تغيير حساباتها العسكرية في الجنوب، وهو ما تحاول واشنطن احتواؤه عبر طلب تجميد العمليات الحساسة.
تفاؤل حذر وكوابح تعقيد إقليمي
وتُظهر التطورات المتسارعة على الساحة اللبنانية حالة من الترقب الحذر، حيث تحاول واشنطن احتواء التصعيد الإقليمي مع إيران، لمنع انزلاق إسرائيل إلى مواجهة أوسع تعقّد مسار الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الأطراف لجولة روما، وتراهن على دور اللجنة العسكرية الأميركية في الإشراف على تنفيذ الاتفاق، تبقى نقاط الخلاف الأساسية عالقة، وعلى رأسها آلية تنفيذ الانسحاب من المناطق التجريبية وضمان عدم عودة التسليح، وسط اتهامات لبنانية وإعلامية لإسرائيل بمحاولة المماطلة أو الالتفاف على تفاهمات الاتفاق الإطاري، بينما وبقى السؤال الأكبر: هل تكون «روما» محطة فك الاشتباك، أم أنها مجرد محطة أخرى في مسلسل طويل من المماطلة والتسويف؟