دعا الأديب الدكتور خليفة الوقيان إلى تضافر الجهود للحفاظ على ما تبقى من الريف الكويتي، خلال محاضرة عُقدت في الجمعية الكويتية للتراث، بعنوان «الريف الكويتي، ذاكرة تتلاشى: الجهراء نموذجاً»، وأدارها الباحث في التراث صالح المسباح.

وقال الوقيان: «أتمنى فزعتكم للحفاظ على البقية الباقية لما يُسمى بالريف الكويتي، أو القرية الكويتية، بعد ما اندثرت معظم معالمها، ولم يبقَ منها سوى هذا النموذج».

وشهدت المحاضرة، حضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي، يتقدمهم الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الدكتور محمد الجسار، والأمين العام المساعد لقطاع الآثار الإسلامية بالتكليف ومدير مكتبة الكويت الوطنية بالتكليف الشيخة الدكتورة العنود الصباح، إلى جانب رئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبدالجليل، وأعضاء مجلس إدارة الجمعية، وغيرهم.

في البداية، أكد المسباح على أن الجمعية حرصت على استضافة قامة ثقافية كويتية بارزة، وأديب وشاعر ومؤرخ أثرى المشهد الثقافي منذ ستينات القرن الماضي، مبيناً أن الوقيان يُعد أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في الحركة الأدبية والفكرية في الكويت.

وتطرق المسباح إلى سيرة ومسيرة الوقيان الأدبية، وإلى إصداراته، ومنها كتاب «الثقافة في الكويت» وكتاب «القضية العربية في الشعر الكويتي»، وديوان «الخروج من الدائرة»، إلى جانب الدراسات التي تناولت تجربته الإبداعية.

وبعد الترحيب بالحضور، استهلّ الدكتور الوقيان حديثه حول «الريف الكويتي، ذاكرة تتلاشى: الجهراء نموذجاً»، موضحاً أنه في الكويت توجد ثلاث بيئات، البيئة البحرية، والبيئة الصحراوية، والبيئة القروية.

وأضاف: «ففي البيئة البحرية خُلقت مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ، ومهنة السفر لنقل البضائع، وأمدت البيئة الصحراوية والقرى بمنتجاتها من اللحوم والألبان، ومشتقاتها، وكذلك الصوف والجلود».

وزاد بالقول: «كما كانت البيئة القروية مصدراً للغذاء بمنتجاتها الزراعية الكثيرة للإنسان وفي مقدمتها القمح ثم الخضراوات»، مستذكراً ما جاء في كتاب الشيخ عبدالعزيز الرشيد «تاريخ الكويت» من صادرات الكويت ومنها اللؤلؤ، الدهن، الصوف، بالإضافة إلى الجلد والبهم والثعلب والبقر وفرو الغنم والطماطم.

إهمال شديد

ومضى «البيئة القروية أُهملت إهمالاً شديداً حتى تلاشت، ولم يعد لدينا سوى جيوب بسيطة، أغفلتها أو أفلتت من يد الإهمال والتدمير. ومن هذه الجيوب مزارع الجهراء، لحُسن الحظ وقعت بين البيوت، ولهذا المنتفعون من الاستيلاء على أملاك الدولة بأبخس الأثمان لم يشاهدوها في ذلك الوقت وبقيت، وأدركت هذا الشيء قبل ثلاثين سنة فكنت أحمل همّ الحفاظ على القرية الكويتية أو على نموذج واحد على الأقل من القرية حتى نذكّر أبناءنا أن آبائهم عملوا ووفروا أشياء كثيرة جداً».

وأوضح أن الجيوب التي أفلتت من يد التدمير كانت «مزارع الجهراء»، مستذكراً ما تبقى من ذكريات عالقة في وجدانه، لاسيما مشاهد المزارع التي كان يستيقظ فيها على صوت مكائن الري.

وأشار إلى أن هذه الذكريات دفعته لاحقاً إلى زيارة المزارع مجدداً ليتأكد مما تبقى منها، معرباً عن سعادته عندما وجد عدداً منها لايزال قائماً كما كان في الماضي، بما تضمنته من طرق طينية ومبانٍ وغرف صغيرة كان المزارعون يستريحون فيها، مؤكداً أنها تمثل نموذجاً متكاملاً لبيئة قروية كويتية أصيلة، لا تحتاج سوى إلى العناية والترميم والحفاظ عليها.

وألمح إلى أن آبار الجهراء مميزة، إذ تحمل بين أحجارها ملامح التاريخ، بعدما طويت بطريقة تقليدية توحي بقدمها وإن الأحجار مجلوبة من أماكن أخرى كمرتفعات المطلاع وتوارثها عبر الأجيال، مضيفاً أنه وثق هذه الآبار بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو.

متحف زراعي

وقال الوقيان إنه بدأ منذ العام 1998 بمخاطبة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مقترحاً المحافظة على مزارع الجهراء وتحويلها إلى «متحف زراعي حيّ» بعد إعادة تأهيلها، لتكون مزاراً ثقافياً وسياحياً للأجيال القادمة.

ولفت إلى أنه كان يخشى إزالة المزارع ضمن مشروع المنتزه القومي في الجهراء، موضحاً أنه في العام 2016 التقى برفقة كل من الدكتور سلطان الدويش والدكتور خلف الخطيمي، بالمحافظ الأسبق للجهراء الفريق فهد الأمير، وقدم له صورة عن المذكرة، وبدوره قام فهد الأمير بجهد كبير، و«لكن قبل نحو عام سمعت أنه تم تحويل تبعية المنتزه القومي لمدينة الجهراء إلى بلدية الكويت».

«توثيق مُصوّر»

خلال المحاضرة، عرض الوقيان ملفاً مصوّراً وثّق فيه مزارع الجهراء، تضمّن عدداً من الصور التي رصدت تفاصيل البيئة الزراعية، بما فيها بساتين النخيل، والآبار التقليدية المطوية بالحجارة، وقنوات الري، والطرق الطينية، إلى جانب الحقول الزراعية.