في اللحظة التي كانت تتنافس على الصدارة في لبنان الأنباء عن إمكان شموله بالاتفاق «بالأحرف الأولى» بين الولايات المتحدة وإيران، والتقارير المروّعة عن القضم الإسرائيلي المستشرس لأطراف مدينة النبطية في الجنوب، ومشاهد قلوبٍ تَخفق في الليالي على وقع حركة الأقدام الذهبية في المونديال، والتسريبات عن اختراقاتٍ محتملة قد تُحْدِثُها ديناميةُ الديبلوماسيةِ العربية في بيروت... كانت العاصمةُ اللبنانية منهمكةً في إجراء تقييمٍ للربح والخسارة في المعركة ما فوق مصيرية التي تخوضها عبر المفاوضات المباشرة مع تل أبيب في واشنطن وبرعايتها وبدفْعٍ منها.

وخلف الستائر المقفلة تَجري إحاطةٌ أشبه بعمليةِ تقويمٍ لمسار التفاوض بعد جولة اليومين في 2 و 3 يونيو الجاري، وقبل الجولة المرتقبة في 22 منه... «إعلان واشنطن» ما له وما عليه، ما يشبه التخادُمَ الإسرائيلي - الإيراني بالتكافل والتضامن، وكأن القرارَ اللبناني المستقلّ يُصاِرع على جبهتين، في وجه إسرائيل المهجوسة بأمنها، وطهران المفتوحة الشهية على الاستحواذ على لبنان.

أما المسائل الأخرى كوقف النار وشروطه، ومَن ينبغي أن يسبق مَن في الانسحاب: إسرائيل أم حزب الله، ومغزى المناطق التجريبية في ماهيتها وجغرافيتها، فهي لا تَعدو كونها بنودا تَحكمها مجرياتُ الحرب الإسرائيلية - الايرانية على أرض لبنان.

ومن «الميكانيزم» في الناقورة إلى طاولة المفاوضات المباشرة في واشنطن، ربما يشعر رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم بأن التاريخ يجترّ نفسَه. فيوم شارك في مفاوضات مدريد 1991، أدرك في «لبنانيته» أن لا صوت لبلاده في لعبةٍ طرفاها إسرائيل وحافظ الأسد. وها هو اليوم يكابد لإنقاذ ما أمكن من أرضه وأهله عبر ديبلوماسيةٍ لا تقل ضراوةً عن الحرب لردّ خطريْن، إسرائيليّ وايرانيّ يتشاركان في صنْع نكبةٍ متماديةٍ في جبل عامل.

ولم يَعُدْ سِراً أن كرم، كان اقترح أن تكون مدينة بنت جبيل، العاصمة الثقافية لجبل عامل، أولى المناطق التجريبية (يدخلها الجيش اللبناني بعد أن ينسحب حزب الله وتَتراجع إسرائيل). فالمدينة، لم تكن في الذاكرة اللبنانية ساحةً لـ «مهرجان التحرير» في العام 2000 عندما قررتْ إسرائيل الانسحابَ، بل هي مدينةُ المكتبات والشعراء والأدباء والمثقفين الشيعة الذين ارتبط كرم بصداقاتٍ ورفقة مع غالبيتهم، هو الذي وقّع يوماً بيان المثقفين اللبنانيين الذين تولوا المطالبة بإطلاق الأمام موسى الصدر الزعيم الروحي للشيعة اللبنانيين.

«إعلان واشنطن»

وفي إحاطةٍ لملابسات «إعلان واشنطن» والظروف التي تحوطه، شاركتْ فيها «الراي»، تولّت مصادر دبلوماسية لبنانية على تماسٍ مع المفاوضات الإطلالةَ على الأسباب الموجبة التي حدتْ بالوفد اللبناني إلى الموافقة على الإعلان والدفاع عنه تالياً، فهو ارتكز على ما كانت أقرّته السلطاتُ الدستوريةُ اللبنانيةُ، كالعمل على وقف إطلاق النار، وعودة الجيش اللبناني إلى الجنوب في شكلٍ تدريجي، والعمل على عودة الأهالي إلى بلداتهم ولو على أطلالها.

ولأن هذه المحاكاة تزامنتْ مع رنين «العواجل» عن شمولٍ محتملٍ للبنان في الاتفاق الأميركي - الإيراني من بوابة وقف الحرب على الجبهات كافة، فإن المصادر بدت حذرةً حيال إمكان توقيع الاتفاق أولاً واحتمال شموله لبنان ثانياً، لكنها عبّرتْ عن اقتناعٍ أكبر بأن إسرائيل لن تلتزم، وأن الولايات المتحدة والدول العربية لن تمنح إيران الفرصةَ للقول «الأمر لي» في لبنان ولا لربْطه بمسار إسلام اباد.

وفُهم من المصادر نفسها أن إيران، التي تجاهلت جَعْلَ وَقْفِ الحرب على جنوب لبنان شرطاً لوقف حربها على إسرائيل، لا تريد من الكلام عن شمولِ أي اتفاق مع الأميركيين جبهة لبنان سوى تكريس نفوذها، والقول إن اليد العليا فيه هي للحرس الثوري.

وذكّرتْ المصادرُ بأن «حزب الله» رَفَضَ إعلانَ التزامه بوقف النار، يوم نجح المفاوض اللبناني في انتزاعه (في مايو الماضي) ومن دون شروطٍ، وذلك دَعْماَ لإيران في مفاوضاتها في إسلام اباد، الأمر الذي عمّق نكبةَ الجنوب وفاقَم من أهوالها، معتبرةً أن طَرْحَ «المناطق التجريبية» ومجمل إعلان واشنطن جاء في سياقٍ مزدوج، أوّله ضرورة وَقْفِ آلة الحرب الاسرائيلية قبل أن تَفتك أكثر وتقضم المزيد من أراضي لبنان، وليس آخِره بدء ترجمة ما انتزعه المفاوض اللبناني لجهة إقرار واشنطن بـ «سيادة لبنان وسلامة أراضيه».

استقطاب الضغط الأميركي

وفي هذا الإطار، أشارت المصادر إلى أن لبنان نجح في استقطاب الضغط الأميركي وتحويله في اتجاه الجانب الإسرائيلي الذي بدا وكأنه جاء «مخفوراً» الى جولتيْ مفاوضات 2 و3 يونيو أو كأنه يأتي إلى «عزاء»، لافتة إلى أن طرح الـ Pilot zone ليس مجرّد عملية ذات طابع أمني بل هي تعبير عن مسار من استعادة لبنان سيادته لجهة انسحاب إسرائيل من هذه المنطقة النموذجية ليَدخلها الجيش اللبناني باسم الدولة اللبناني وشرعيتها، تمهيداً لعودة الأهالي ومباشرة الإعمار بما تَيَسَّر.

«المناطق التجريبية»

وبَدَل بنت جبيل، اتخذ الرئيس جوزاف عون، قراراً بجعْل قلعة الشقيف والزوطرين الشرقية والغربية نقطة انطلاق المناطق التجريبة، قَطْعاً للطريق على إسرائيل وشهيّتها المفتوحة على السيطرة على مدينة النبطية، وفق ما عادت وأثبتتْه تطورات الساعات الأخيرة.

وحرصتْ المصادر نفسها على الإشارة إلى أن ليس عابِراً أن لبنان تمكّن، في «إعلان واشنطن» من انتزاعِ تراجُعٍ من الجانب الإسرائيلي لجهة وقف النار وبدء الانسحاب (المناطق التجريبية) لتُرمى بذلك الكرة في ملعب تل أبيب وتتحوّل عامِلاً فجّر التناقضاتِ داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل عشية انتخاباتٍ يريد نتنياهو، خوضها بصورة «إله الحرب» وإذ به يُضطر لتنازلات قسريةٍ أمام لبنان بضغط أميركي.

وفي موازاةِ هذه المقاربة التي عبّرتْ عن محاولةٍ من لبنان الرسمي لتكريس «حصرية القرار بيد الدولة» في ما خص المفاوضات واعتبار طاولة واشنطن المسار الوحيد «الشرعي» لاستيلادِ إطارٍ ناظمٍ لحلٍّ مستدام يستعيد معه لبنان سيادته تجاه اسرائيل كما لجهة حصر السلاح بيد الشرعية وبسْط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، فإنّ هذا الأمر لم يحجب الأسئلة حول تأثيرَ «الضغط المعاكِس» والمستمرّ الذي تحاول عبره إيران إجهاض مفاوضات بيروت وتل ابيب المباشرة وربْط «بلاد الأرز» بمسار اسلام اباد، وذلك من خلال مضيّ حزب الله في رفْض أي التزام بمخرجات مسار واشنطن وفتْحه النار على الدولة وخياراتها وصولاً للتموْضع غير المسبوق الذي ظهر فيه «بخندق واحد» مع طهران وحرسها الثوري ينقضّان على إعلان واشنطن ويصوّبان على رموز الدولة ولاسيما عون.

عون وسلام

وعلى وقْع تَمَسُّك طهران بالإيحاء بأن الفضل سيكون لها بوقف النار في لبنان عبر إعلانها أنه من شروط مذكرة التفاهم المرتقبة مع واشنطن، نُقل عن أجواء الإدارة الأميركية رفْضها أي مسارات موازية لمفاوضات واشنطن بوصْفها الحاضنة الأمّ للاتفاق الذي يُعمل عليه بين بيروت وتل ابيب، في الوقت الذي أكمل لبنان الرسمي رَسْمَ السقف الذي لا عودة عنه في ما خص المفاوضات المباشرة مع اسرائيل بهدف وقف الحرب واستعادة الأراضي المحتلة والأسرى، ومسار حصر السلاح بيد الدولة.

وقد أكد عون «إمّا أن يُجْمِعُ أبناؤه على دولةٍ سيدة، تحتكر السلاح ويسودها القانون، وتصون المواطن بصرف النظر عن انتمائه وموقعه، وإمّا أن يظلّ رهينَ منطق الميليشيات وثقافة الإلغاء».

أما رئيس الحكومة نواف سلام، فدعا الحزب الى إنقاذ لبنان وتغليب ⁠مصلحته على مصلحة إيران، وأن يكون على مسارٍ واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

وإذ لم يُخْفِ سلام، عبر «رويترز» تأثر لبنان بمفاوضات إسلام اباد، لكنه عاود تأكيد الإصرار على التفاوض كدولة مستقلة «لا يفاوض باسمها أحد»، رافضاً اعتبار نزع سلاح حزب الله شرطاً إسرائيلياً، وقال «فلنخلص من هذه التجليطة».

ورأى أن «من الأفضل أن نعطي صافرة الحكم للوسيط الأميركي، وعدم الإصغاء إلى ⁠الثرثرة السياسية»، وقال «مشكلتنا مع»حزب الله«هي سلاحه، ونعتبر الحزب قوة سياسية لبنانية، ونريد منه أن يفي بالتزاماته اللبنانية وتعهداته».

في المقابل، اعتبر نائب «حزب الله» علي فياض «أن على السلطة أن تملك جرأة الاعتراف بأنها وصلت إلى طريق مسدود وتتحرك في مسار مجهول الأفق»، معلناً أنها عندما «خاصمت الإيرانيين وطردت سفيرهم، وتخلت عن المقاومة واعتبرت أفعالها خارجة عن القانون»، لم تجنِ شيئاً سوى تحوّلها إلى «دمية عاجزة لا حول لها ولا قوة»، داعياً إياها إلى تصحيح أخطائها والاستفادة من الاتفاق الأميركي - الإيراني المرتقب.

النبطية وتبنين

ولم تحجب هذه التطورات، الوقائع المتأججة في الميدان الذي بدا وكأنه يُسابِق الدبلوماسية. وعلى وهج إعلان الجيش الإسرائيلي «اننا نعتزم العمل بقوة ضد حزب الله بعد خرقه اتفاق وقف النار»، كانت الأنظار مشدودة إلى مدينة النبطية التي أعلن الإعلام العبري بعد ظهر السبت ان «الجيش الإسرائيلي يستعدّ للسيطرة عليها»، واصفاً إياها بأنها «أكبر مدينة في المنطقة».

وأفادت «هيئة البث الإسرائيلية» (كان) بأنّ الجيش وصل خلال الساعات الماضية، إلى بلدة تبنين، وهي مسقط رئيس البرلمان نبيه بري، وتقع على بُعد نحو كيلومترين شمال تلة الشقيف المحتلة، وان «القوات الإسرائيلية، والتي تشمل قوات مشاة ودبابات، تتمركز حالياً على مرتفعات علي الطاهر التي تُشْرِف بشكل جيّد على المنطقة».

وبحسب التقرير فإنّ الجيش الإسرائيلي يواصل توسيع «الشريط الأمني»، ويعمل حاليّاً على مسافة 11 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل، ما يعني أنّه ينشط شمال نهر الليطاني، وسط مخاوف في لبنان من أن يبلغ مدينة صور.

الشرع: إشاعات ما يتردّد عن دخول لبنان

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن «ما يُتداول بشأن دخول سوريا إلى لبنان لا يعدو كونه إشاعات وتوجُّهنا ينطلق من السعي لوقف الحرب في لبنان وليس توسيعها أو الانخراط فيها».

وأضاف أمام وفد من أهالي ريف دمشق، السبت، أن «ملف ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان ليس مطروحاً كأولوية في المرحلة الحالية في ظل وجود ملفات أكثر إلحاحاً أبرزها قضية نحو 1.4 مليون نازح سوري في لبنان وضرورة العمل على إيجاد آلية مناسبة تضمن عودتهم».