في منطقة آيت باعمران جنوب غربي المغرب، حيث تجف الآبار، وجدت نساء المنطقة حلاً مبتكراً لتحويل الضباب المتكاثف على قمم جبل «بوتمزكيدة» إلى مياه عذبة، وذلك في مشروع وصفته الأمم المتحدة بأنه نموذج رائد للتكيّف مع تغير المناخ.

فقد كانت النساء في هذه المنطقة يقضين أربع ساعات يومياً في جلب المياه من الآبار البعيدة، حيث تحمل كل منهن برميلاً يزن نحو خمسين رطلاً (22.6 كيلوغرام) فوق رؤوسهن.

وكانت هذه المهمة الشاقة تمنع الفتيات من الانتظام في المدارس وتستنزف طاقتهن. ولكن كل ذلك تغير بعد أن نصبت شبكات بوليمرية عملاقة على ارتفاع يزيد على 4000 قدم (نحو 1220 متراً) على سفوح الجبل، حيث تلتقط رطوبة الضباب القادم من المحيط الأطلسي.

وأوضحت المؤسسة المغربية غير الحكومية «دار سي حمد»، التي تشرف على المشروع منذ العام 2006، أن النظام يعمل عبر تجميع قطرات الضباب على الشبكات، ثم تتدفق المياه المجمعة عبر أنابيب الجاذبية لمسافة تزيد على عشرة كيلومترات إلى خزانات، ومنها إلى صنابير المنازل في القرى النائية.

ولا تحتاج هذه التقنية إلى آلات ضخ أو بئر ارتوازية، بل تعتمد على الشبكات والارتفاع والرطوبة الطبيعية في الهواء.

ومن أبرز مزايا تقنية حصاد الضباب:

• كفاءة متطورة: تصل قدرة الشبكة الواحدة إلى جمع نحو 17 غالوناً من المياه لكل ياردة مربعة من الشباك خلال أربع وعشرين ساعة، باستخدام 600 متر مربع من الشبكات.

• طاقة نظيفة: تعمل الألواح الشمسية على تلبية احتياجات النظام البسيطة من الطاقة، ما يجعله صديقاً للبيئة.

• صيانة محلية: صُممت المواد المستخدمة لتكون قابلة للإصلاح من قبل سكان المنطقة أنفسهم، وهو تحسن كبير مقارنة بتجارب سابقة في إريتريا وتشيلي واليمن.

وقال أستاذ الابتكار في التدريس بكلية الهندسة في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» غاريث ماكينلي، إن تحسين حجم الثقوب والألياف والطلاء على الشبكات زاد كفاءة تجميع الضباب بنحو 500 في المئة.

ولم يكن قبول السكان للمياه الجديدة أمراً سهلاً، فقد اعتقد بعض القرويين أن المياه التي لا تلمس التربة تفتقر إلى المعادن الضرورية للحياة، واعتبروها «غير حية»، لكن المؤسسة القائمة على المشروع عملت على توعية المجتمع عبر «مدرسة المياه»، حيث تركز على ممارسات الترشيد والصحة الأساسية.

ووصفت جميلة برغاش، المؤسسة والمديرة المشاركة لـ«دار سي حمد»، تجربتها قائلة: «في الأيام الجيدة، أشعر بأنني ملكة الضباب. لكن في الأصعب، أكون عبدة له».

وتضيف: «كان الجميع يغادرون القرية التي نشأت فيها، وكل ذلك بسبب الماء».

وفي التالي عدد من أهم الآثار الاجتماعية الإيجابية:

• تمكين النساء: تحررت النساء من عناء جلب المياه، ما أتاح لهن وقتاً لممارسة أنشطة أخرى وتحسين وضعهن المعيشي.

• تعليم الفتيات: الفتيات اللواتي كن يقضين الصباح في نقل البراميل أصبحن الآن ينتظمن في المدارس بانتظام.

• استقرار الأسر: ساهم وصول المياه إلى المنازل في استقرار الأسر وتقليل هجرة السكان بحثاً عن الماء.

ويصل نظام «دار سي حمد» حالياً إلى أكثر من 16 قرية في سلسلة جبال الأطلس الصغير، ويوفر مياه الشرب لنحو مئات الأشخاص.

وقد حظي المشروع بتقدير هيئة الأمم المتحدة لتغير المناخ في منتصف مايو 2026، التي اعتبرته نموذجاً عملياً للتكيف مع تغير المناخ في منطقة تعاني من التصحر منذ قرون.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن تعميم هذه التجربة في مناطق أخرى تعاني شحاً في المياه حول العالم؟

يبدو أن الإجابة تكمن في تطوير التقنية وتكييفها مع الظروف المحلية، تماماً كما فعلت نساء المغرب في مواجهة الصحراء.